قراءة فى كتاب : حارة النصارى

أمجد المصرى
2010 / 2 / 22

هــذه قـراءة فى كتـاب " حــارة النـصــارى " تأليف الأستاذ / شمعى أسعد ، المدون القبـطـى صاحب مدونـة " قصـاقـيص ورق " .. يحمل الكتاب إلى جانب عنوانه الرئيسى " حــارة النـصــارى " عنوانا فرعيا : " قبل أن ينكمش الأقباط ويصبح كل ما لهم في هذا الوطن ..حارة " ، فى إشارة يفهمهما كل لبيب يتذكر ما آلت إليه { حـارة اليهود } بالقاهرة ، و حاراتهم فى العديد من المدن المصرية

هذا النوع من الكتابة يضع صاحـبه على خط النار و يقذف به إلى الصف الأول من جبهة المواجـهة و الاشتباك بشكل مباشر ، بشجاعة محمودة رغم شدة الحرص فى انتقاء الكلمات ، تفاديا لغضب المتعصبين و بطش المتربصـين

ضمـن مقدمة الكتاب تأتى عبارة " أكتب هذا الكتاب لا لكي أجرح بل لكي أضمد والمصالحة تبدأ دائما بعتاب، وما أكتبه هنا بمثابة «عتاب» طال قليلا حتي صار كتابا " .. و يؤكد الكاتب أنه لايدعي بأنه يتحدث باسم أقباط مصر، ولكنه يؤكد أنه يعبر عن وجهة نظر شخصية بحتة، لاتستهدف التجريح أو حتي التنفيس عن الغضب وإنما محاولة تقريب المسافات بين المسلمين والأقباط في مصر


واللافت أن المؤلف قد اختار نهــج ( العتاب ) المائل إلى الطبطبة و اللطافة الزائدة ، و ابتعد كل البعد عن نبرة ( الشكوى الصريحة ) التى اصطلح على اعتبارها تطاولا و إثارة للفتنة و استقواء بالخارج و فتا فى عضد الوحدة الوطنية ، و غير ذلك من التهم الجاهزة للإسناد إلى الضحايا إن هم جأروا بالشكوى أو تململوا من جور

وهكذا ينطلق «شمعي أسعد» من مواقف تبدو عابرة وتفاصيل تبدو صغيرة لينسج منها السطور ويجتهد في الوصول إلي تحليلات واستنتاجات

خذ عندك مثلا الاشتباكات { فلنلاحظ التعبير : الاشتباكات ( لا الهجمات و لاالغزوات ) } التي تندلع بين يوم ويوم تقريبا بسبب الصلاة في بيوت أقباط، نعرف جيدا وجهة نظر المسلمين، لكن الكتاب ينقل وجهة النظر الأخري :

يغضب البعض و يثور من استخدام بعض بيوت الأقباط للصلاة فيما يسمي بالكنائس السرية، ويبدو أنها سرية حتي إن مصر كلها تعرف كلما فعلها { يقصد هنا فعلة الصلاة }

ويتساءل : لماذا يضطر الأقباط إلي ذلك أصلا ؟ هل هو أمر مقبول أن يصلي الأقباط سرا بينما يباع الحشيش جهرا في الطرقات؟ هل يرضي المسلم أن نختبئ كمطاريد الجبل كلما أردنا الصلاة»؟

{ بالطبع لم يتطرق المؤلف إلى أسباب الاضطرار للصلاة فى البيوت ، كامتناع السلطات - تعسفا - عن منح تراخيص بناء و ترميم الكنائس ......... و بالطبع أيضا لم يوضح أن الهجمات على ( بيوت الصلاة ) تنطلق دائما من الجوامع و الزوايا بعد صلاة الجمعة و خطبتها الشتائمية التكفيرية التحريضية ، و تحت صيحات ( الله أكبر ) }


العتاب يستمر في صفحات الكتاب ليصل عند تلك المقارنة التي يعقدها البعض بين اضطهاد الأقباط واضطهاد الإخوان المسلمين

يقول المؤلف :«المقارنة غير جائزة بالمرة، فالأقباط ليسوا حزبا و لا تنظيما سياسيا ولا كتلة ، وليس لهم مشروع سياسي مثل الإخوان ، فكيف نقارن مواطنين عاديين لهم مشاكل ما بكتلة لها أهداف سياسية و فى صدام مع النظام الحاكم و ينازعونه على السلطة ؟ .. إني أتألم من منطلق إنساني لأي ظلم يتعرضون له - يقصد الإخوان- ولكنهم في صدام مع الدولة لأسباب سياسية ، أما الأقباط فما يعانون منه ليس أسباباً سياسية بالمرة».

{ أختلف هنا مع المؤلف ، فما يعانيه الأقباط له أسباب سياسية - لكنه ربما قصد أنهم لا ذنب لهم فيها - فالصراع بين النظام الحاكم و الإخوان أصبح يرتكز كثيرا على الأقباط كورقة ضغط يبطش بها أحدهم لإحراج الآخر ، بل يتنافسان كثيرا فى البطش بهم ممالأة للغوغاء و خطبا لود السوقة و ابتغاء للأصوات الانتخابية للدهماء و ممسوحى الأدمغة }

يوجز الكاتب - بحسب رؤيته - مشاكل الأقباط في مصر بأنـها ( ملموسة لكنها محسـوسة ) { و أرى أن معظمها من ذلك النوع الذى وصفه الكاتب ، و لكن الكثير من المشاكل أيضا تكون ملموسة و محسوسة و سافرة و باهظة الكلفة من خسائر الأرواح و الممتلكات و الأمن الشخصى و الاجتماعى ، و جريمة نجع حمادى و سابقاتها الكثيرات ليست ببعيدة و لا بمستبعد تكرارها }

ويذهب إلي أن التعامل مع الأقباط فى مصر باعتبارهم «أعداء» يعود إلي انهيار الاتحاد السوفيتي ، وغيابه كعدو «كافر»، وتنامي ظاهرة «الخلجنة»- استنادا للعائدين من الخليج وثقافته المتشددة- ضد ثقافة العولمة، وبالتالي قيام بعض المسلمين بالبحث عن عدو آخر «كافر» فكان الأقباط هو ذلك «العدو»

{ عمد الكاتب هنا الى تفادى استخدام لفظ " الوهابية " - و هو الأدق - و استعاض عنه بلفظ " الخلجنة " مؤثرا السلامة ، و لكنه نجح فى عرض رؤيته بكلمات ذات دلالة واضحة ( المتشددة/ «كافر»/«العدو» ) }

ويرى الكاتب أن الفرق بين مشاكل الأقباط والمسلمين هو أن مشاكل الأقباط وشعورهم بالاضطهاد محلي ، فيما مشاكل المسلمين وشعورهم بالاضطهاد عالمي ، وهو أمر يجعل مشاكل الأقباط أكثر ألما

ويضرب مثالا علي ذلك فيما حدث مع مروة الشربيني فالقاتل ليس مصريا ولايتحدث العربية ولاتجمعه ثقافة واحدة معها، أما حادث كنيسة القديسين في الإسكندرية فـ «القاتل والقتيل كلاهما مصري وكلاهما يتحدث لغة واحدة وينتميان لعالم واحد»

كما يقدم «حارة النصاري» تفسيرا مغايرا ومنطقيا لاتجاه الأقباط للعمل الحر وخاصة في مجال المجوهرات ، وذلك لأنه تم حرمانهم من الالتحاق بالوظائف الحكومية أو العمل السياسي لفترة طويلة فلم يجدوا بديلاً أمامهم سوي العمل الحر، وهو أمر يراه دليلا واضحا علي تعرض الأقباط للمضايقات وليس العكس

ويجتهد «شمعي أسعد» مؤلف الكتاب في تحليل ظاهرة القمص «زكريا بطرس» وانجذاب الأقباط لمتابعة هجومه علي الإسلام، باعتبار أن ذلك جاء تنفسيا وردا بأثر رجعي عن سنوات طويلة كان فيها التليفزيون الحكومي يبث هجوما علي الأقباط من شخصيات ذات تأثير كبير بين المسلمين كالشيخ الشعراوي و زغلول النجار.

يمكن اعتبار الكتاب جيدا إذا أخذنا فى الاعتبار أنه باكورة إنتاج المؤلف ، و الهامش المتاح للتعبير فى بيئته ، رغم أنه تفادى استعراض كبريات الأحداث و اكتفى بالأقل ، لكنه قد وضع لكتابه عنوانا واضح الدلالة :

«حارة النصاري» قبل أن ينكمش الأقباط ويصبح كل ما لهم في هذا الوطن ..حارة