رداً على منير شفيق: -حماس- المحاصِصة

معتصم حمادة
2010 / 2 / 2

عندما يُذكر المثقف الفلسطيني، يجري التميز بين من يمارس دوراً ناقداً، يسائل القيادات السياسية عن مواقفها وقراراتها وأساليب أدائها، وعن قدرتها على تغليب المصلحة الوطنية على المصالح الحزبية الضيقة، ومن يلعب دوراً تابعاً، لا يجيد سوى الترويج لمواقف هذه القيادة أو تلك، أو هذا الفصيل أو ذاك، متبنياً كل مواقفه، دون أية مراجعة نقدية، مع العلم أن ما من قوة سياسية أو قيادة حزبية تعلو على النقد، وعلى المساءلة أو أن سياستها غير قابلة للمراجعة، بل، وفي ظل سيادة مفاهيم الديموقراطية، على اختلاف تفسيراتها وآليات تطبيقها، وسيادة مفاهيم حقوق الإنسان والمجتمع المدني، بات التفاخر بالحرص على المراجعات النقدية واحدة من السمات الرئيسة التي تحاول الأحزاب والقوى السياسية أن تتمظهر بها، بغض النظر عن مدى احترامها العملي لهذه المراجعات، أو حرصها على إجرائها في اللحظات المطلوبة، والتقيد بنتائجها.
ولعل زميلنا منير شفيق، الذي قادته رحلته السياسية طوال عمر من الزمن إلى عبور محطات ومواقع سياسية وفكرية، لم تستقربه على حال حتى الآن، سقط في الفخ، حين حاول في "النهار" أن يدافع عن "حماس" ومواقفها من المصالحة، وأن يبرر رفضها التوقيع على الورقة المصرية، وأن يحمّل في السياق، ثلاثة فصائل رئيسة، هي "فتح" و"الجبهة الديموقراطية"، و"الشعبية"، مسؤولية توفير الغطاء لسياسة الرئيس عباس، في المصالحة، وفي المفاوضات معاً. واتبع بذلك قراءة مبتسرة لواقع الحال، مسلوخة عن سياقها السياسي، متجاهلاً، في الوقت نفسه، العديد من المقدمات التي قادت إلى ما قادت إليه في الوقت الحاضر من نتائج.
وحتى لا أدخل مع شفيق في مناظرة تقوم على طرح الفكرة مقابل الفكرة أو الجملة مقابل الجملة، سأعمد إلى صياغة الموقف منذ منعطفه الرئيس، أي لحظة توقيع اتفاق أوسلو، والذي كان شفيق قد أشار إليه في مقاله باعتباره جذر المسألة وأساس المشكلة. ولسوف أحاول أن أؤكد لشفيق (ولعموم القراء) أن "حماس" تتحمل القسط الأكبر في عدم ولادة معارضة فاعلة وقادرة على قطع الطريق على اتفاق أوسلو، كما تتحمل القسط الأكبر في تعطيل عملية إصلاح النظام السياسي الفلسطيني، فضلاً عن مسؤوليتها عن الانقسام وتعطيل المصالحة، ومحاولتها الدائمة قطع الطريق على الوحدة الوطنية بمعناها الديموقراطي والأشمل، وقطع الطريق على بناء الشراكة السياسية الوطنية الشاملة، لمصلحة محاصصة مقيتة، تلبي مصالحها ومصالح خصومها السياسيين في "فتح"، محوّلة الائتلافات والتقاطعات السياسية، بينها وبين الآخرين،إلى مجرد أوراق قوة تستحضرها أو تستبعدها في اللحظة المناسبة في خدمة مصالحها الفصيلية الضيقة. وأمثلتي على ذلك كثيرة:
• مع توقيع اتفاق أوسلو، خرجت "فتح" من القيادة الموحدة للانتفاضة، في خطوة أريد منها نفي الانتفاضة. وإعلان وفاتها، والانتقال من مرحلة سياسية إلى مرحلة أخرى هي التفاوض مع العدو. رداً على ذلك اتفقت الفصائل العشرة في دمشق على إعادة بناء القيادة الموحدة، وعلى مواصلة العمل بالانتفاضة وكان مطلوباً من "حماس"، وفقاً لقرار الفصائل العشرة، أن تنهي ازدواجية قيادة الانتفاضة وأن تندمج هي وباقي الفصائل في قيادة موحدة جديدة، لملء الفراغ الذي أحدثه خروج "فتح". وتم التأكيد أن مواصلة الانتفاضة والعمل المسلح ضد الاحتلال هو السبيل لقطع الطريق على اتفاق أوسلو وتطبيقاته ولجر قواعد "فتح" بعيداً عن مخاطر هذا الاتفاق وسمومه.
"حماس"، في الداخل، عطلت قرار "لقاء العشرة" الذي بقي مجرد صيغة فوقية، تكتفي بإصدار البيانات والمواقف اللفظية. وحالت مواقف "حماس" في الداخل دون الوصول إلى صيغة توحيدية لقوى المعارضة للوقوف في وجه أوسلو، لذلك جرى التصدي للاتفاق وتطبيقاته بقوى مفككة لا تؤطرها صيغة ائتلافية واضحة. ولم يكن غائباً عن الوعي أنه كانت لـ"حماس" حساباتها الخاصة بها. فهي من جهة تتمسك بصيغة العشرة كورقة قوة تفاوضية مع السلطة الفلسطينية، وبما يعزز موقعها على الصعيد الإقليمي، وهي من جهة أخرى تعطل قرارات العشرة صوناً لمصالحها.
• في مؤتمر الحوار الوطني الفلسطيني في القاهرة في آذار 2005، تجاوزت "حماس" الأطراف الفلسطينية كلها، وحاولت أن تصل مع الرئيس محمود عباس إلى صفقة، تتمثل بالالتزام بهدنة حتى نهاية العام مقابل إجراء الانتخابات التشريعية في 17 تموز 2005 وإعادة بناء المجلس الوطني، وتنظيم الانتخابات البلدية، دون التطرق إلى القوانين الانتخابية المفصلة على مقاييس "فتح" و"حماس" وحدهما. مما شكل استفزازاً لباقي القوى الفلسطينية التي هددت بالانسحاب من المؤتمر إذا لم يتم التوافق على مبدأ إصلاح النظام السياسي الفلسطيني عبر مدخل مهم وأساسي هو تعديل قوانين الانتخابات والانتقال من نظام الدائرة إلى نظام التمثيل النسبي الكامل.
وفي الوقت الذي كانت فيه القوى الفلسطينية تخوض معركتها السياسية ضد بيروقراطية "فتح" التي تمثلت في المؤتمر بعدد من النواب المتخوفين على مقاعدهم في المجلس التشريعي، اتخذت "حماس" موقفاً "محايداً" حين أعلنت على لسان رئيس مكتبها السياسي خالد مشعل أنه لا فرق عندها بين نظام الدوائر ونظام التمثيل النسبي، (اقترح على الزميل منير شفيق أن يستعين بالرفيق أحمد جبريل، الأمين العام للجبهة "الشعبية" - القيادة العامة ليقدم له توضيحات أكثر حول حقائق ما جرى في مؤتمر القاهرة). وكما بات معلوماً فقد عطل نواب "فتح"، في المجلس التشريعي الأول، تعديل قوانين الانتخابات، إلى أن رضخوا أخيراً للضغوط، فاعتمدوا النظام المختلط (المناصفة بين الدوائر والتمثيل النسبي) مما أنتج مجلساً تشريعياً منقسماً على نفسه بين كتلتين كبيرتين هما "فتح" و"حماس"، وهو ما كنا قد حذرنا من خطورة ولادته على يد قوانين انتخابية كهذه. في كل الأحوال، ولد المجلس التشريعي الثاني، ومات، دون أن يسن قانوناً واحداً طوال أربع سنوات من عمره، ولو دخلت "حماس" المعركة إلى جانب باقي أطراف المعارضة لإعادة إنتاج قوانين انتخابية إصلاحية وديموقراطية جديدة، لأعيد إنتاج النظام السياسي الفلسطيني، بحيث تفقد "فتح" موقعها المقرر على الدوام ( أكثر من النصف + 1) ولنجحت المعارضة في تجاوز الاتفاقات الموقعة مع إسرائيل، لمصلحة مرحلة جديدة في حياة القضية الوطنية.
• عندما فازت "حماس" في انتخابات 2006، وكلف إسماعيل هنية بتشكيل الحكومة الجديدة، كان يمكنها أن تقدم نموذجاً جديداً لمفهوم الائتلاف الحكومي بعيداً عن سياسة التبعية التي فرضتها "فتح" في حكومتها السابقة على "حلفائها". وكان يمكنها أن تبني حكومة من قوى تناهض اتفاق أوسلو وسياسة الفريق التفاوضي، لو أنها استجابت لمتطلبات الائتلاف الوطني ورضيت ببرنامج القواسم المشتركة مع "الجبهة الديموقراطية" (وفي السياق مع "الجبهة الشعبية"). لكن "حماس"، أصرت على الاستفراد بالبرنامج السياسي، وتصرفت بعنجهية بارزة وسذاجة سياسية مفرطة، حاولت أن تستعيد خلالها تجارب حكومات "فتح" السابقة، فاستأثرت بكل الوزارات، بشكل منفرد.
الغريب في الأمر، أنه وبعد أقل من ثلاثة أشهر على ولادة حكومتها هذه، اصطدمت بتجربة مريرة دفعتها للقبول، في وثيقة الوفاق الوطني (27/6/2006) بكل ما كانت قد رفضته في مشاورتها الحكومية مع "الجبهة الديموقراطية" (ومع "الشعبية"). وحتى عندما وقعت الوثيقة المذكورة، تجاهلت أطراف الحالة الفلسطينية كلها، واكتفت بمشاورات مع "فتح" والرئيس عباس، لمدة لم تقل عن ثمانية أشهر، خاضت فيها الحركتان جولات عنيفة ووحشية من الاقتتال الدموي، انتهت في 8/2/2007 باتفاق مكة الشهير والذي قام على محاصصة فاقعة بين الطرفين، تقاسما خلالها المناصب الوزارية، وتجاهلا الأطراف الفلسطينية الأخرى في انقلاب سياسي واضح المعالم على وثيقة الوفاق الوطني، التي لو تحالفت "حماس" مع الأطراف الآخرين لتنفيذ ما جاء فيها، لأمكن الانتقال بالقضية الفلسطينية، وبالمقاومة قفزات كبرى إلى الأمام. لكن هاجس السلطة الذي تملك "حماس" وسيطر عليها، هو الذي قادها إلى تفضيل المحاصصة مع "فتح" على الشراكة الوطنية مع الأطراف الأخرى، كالجبهتين "الديموقراطية" و"الشعبية" و"حزب الشعب"، وغيرها.
• سنتجاوز محطة الانقلاب الدموي في 14/7/2007، ونكتفي بالوقوف عند محطة الحوار الوطني الأخير لنلاحظ أن القضايا التي يطرحها منير شفيق، ليبرر موقف "حماس" من الورقة المصرية هي القضايا المتعلقة بالصراع على السلطة بينها وبين "فتح"، ولا تمس الجانب السياسي، ولا تتناول لا واقع المقاومة ولا مستقبلها. وهي قضية إعادة بناء الأجهزة الأمنية وحصة "حماس" فيها، ولجنة التنسيق بين الحكومة في رام الله و"حماس" في القطاع، وصلاحية هذه اللجنة وحجم دورها، وأخيراً لجنة الانتخابات المركزية و"حق" "حماس" في مشاركة الرئيس عباس في تسمية أعضائها. لكنه تجاهل في السياق النقاط التالية:
1 - أن "حماس" عطلت الوصول إلى توافق على التمثيل النسبي الكامل كمبدأ لقانون انتخابات المجلس التشريعي، ووقفت وحدها تطالب بالنظام المختلط، مقابل كل الأطراف الأخرى بمن فيها "القيادة العامة" و"الصاعقة" (حلفاؤها المقربون). في المقابل وافقت على هذا المبدأ في انتخابات المجلس الوطني، مما يوضح كيف تنتقل "حماس" من صيغة إلى صيغة، في النظام السياسي الواحد، لا لشيء، سوى لخدمة مصالحها الخاصة، بعيداً عن المصالح الوطنية العليا.
2 - ما زالت "الجبهة الديموقراطية" تعارض المحاصصة بين "فتح" و"حماس" في إعادة بناء الأجهزة الأمنية الفلسطينية، لأن في ذلك تأسيساً لأزمة سياسية جديدة، وتطالب على الدوام بأجهزة محترفة، محايدة، تتبع مرجعيتها السياسية كما يرسمها القانون، بعيداً عن الولاءات الحزبية، كما هي حال أجهزة "حماس" في القطاع، أو أجهزة السلطة في رام الله.
3 - أعلنت "الجبهة الديموقراطية" رفضها لجنة التنسيق بين حكومتين (رام الله وغزة) لان هذا من شأنه أن يكرس الانقسام، ودعت إلى حكومة وحدة وطنية، بديلاً من الحكومتين، تضم ممثلين عن الفصائل وشخصيات وطنية وكفاءات مستقلة تمهد لانتخابات جديدة تنهي الانقسام على أسس ديموقراطية.
4 - ترفض "الجبهة الديموقراطية" صيغة المحاصصة بين "فتح" و"حماس" في تشكيل لجنة الانتخابات المركزية، وهي الصيغة التي يدافع عنها منير شفيق وتدعو للجنة محايدة من شخصيات وطنية مستقلة مشهود لها بنظافتها، وهي كثيرة في الحالة الفلسطينية.
وبناء على هذا دعت "الجبهة الديموقراطية" إلى استئناف الحوار الوطني وتطوير الورقة المصرية لأنها ما زالت ترى فيها نواقص لا تعالج الانقسام، بل تفتح الباب لتكريس أزمات سياسية جديدة أو تؤسس لها. وندعو في هذا السياق الزميل منير شفيق ليلاحظ انه في الوقت الذي تدعو فيه "الجبهة الديموقراطية" لاستئناف الحوار الشامل، لتطوير الورقة المصرية، تكتفي "حماس" بمطالبة المصريين باستقبال ملاحظاتها وحدها. وتدعو إلى تكريس الحوار الثنائي (وهذا ما أكده خالد مشعل أكثر من مرة)، للاتفاق بين الطرفين، يتم بعدها دعوة باقي الأطراف لـ"مباركة" هذا الاتفاق. صيغة محاصصة ثنائية فاقعة، تحتقر الشراكة الوطنية، وتستبعدها في كل المسارات.
أخيراً، وليس آخراً، أدعو شفيق لقراءة المتغيرات السياسية في مواقف "حماس" وخطابها، وأدعوه ليتأمل هذا "الاكتشاف" الذي توصل إليه خالد مشعل أخيراً، داعياً إلى المزج ما بين المقاومة والعمل السياسي. تُرى أليست المقاومة في حد ذاتها عملاً سياسياً. إذا نظرنا إلى تجربة "حزب الله"، يمكن القول صحيح أنه يمارس المقاومة ضد العدو الصهيوني، ولا يفاوضه، لكن الصحيح أيضاً ان "حزب الله" يقطف الثمار السياسية لمقاومته في المعادلة اللبنانية الداخلية، وفي معادلة تحالفاته الإقليمية. أما "حماس" فإنها قطفت ثمار مقاومتها على الصعيد الداخلي في الانتخابات التشريعية ثم في الانقلاب على السلطة، ثم في علاقات إقليمية ودولية. وهاهي ترشح نفسها الآن، لتكون جزءاً من المعادلة السياسية في حل القضية الفلسطينية، خاصة أنها اقتربت كثيراً من مشروع المفاوضات مع الجانب الإسرائيلي. وهذا ما يدعونا لنقول: إن سياسة عباس واضحة، ولا غموض فيها، نعارض بعضها ونلتقي معه في بعضها الآخر. أما الأمر الذي يحتاج إلى توضيح فهو مشروع "حماس" السياسي والذي تحاول تغليفه بعبارات مبهمة بين فترة وأخرى. وبالتالي بات على "حماس"، لتقيم تحالفات ذات جدوى في الحالة الفلسطينية، أن تكشف عن مشروعها السياسي بشكل واضح وصريح، وأن تكف عن سياسة التلاعب بالألفاظ، وأن تكف في الوقت نفسه (وأن يكف معها أيضاً منير شفيق) عن لوم الآخرين.
النهار - بيروت / دمشق

(صحافي، قيادي في "الجبهة الديموقراطية لتحرير فلسطين" )