العزف على القانون في دولة القانون

طلال بركات
2010 / 1 / 29

لم نشاهد دولة في العالم تستهتر في مشاعر شعبها كما هو حاصل اليوم في العراق الجديد. مشاهد مضحكة في وسائل الاعلام لقد بات الجميع يتحدث عن القانون وخصوصا الدستور كأنة كتاب مقدس منزل من السماء ولا يمكن المساس بة او مخالفتة، ونسي المطبلون لة انة كتب في اربعة شهور وفي ظل اوضاع شاذة تحت حراب الاحتلال بعد ان وضع اليهودي نوح فيلدمان فصولة الرئيسية، في الوقت الذي تم الاتفاق بموجب نص دستوري على تعديل المواد التي عليها خلاف خلال سقف زمني لايتجاوز الاشهر ومرت اربعة سنوات ولم يتمكن أحد من تعديل اي فقرة من تلك المواد بسبب الخلافات التي تعصف باللجنة المشكلة لهذا الغرض، ويطالبون الشعب العراقي احترام هذا الدستور بعد كل هذا التخبط الاعمى، والجميع يعلم ان ولادتة المتعسرة تمت وفق صفقات بين اطراف طائفية وعنصرية ولخدمة اجندات اجنبية. هذا الدستور الذي يعتبر اعلى سلطة قانونية في الدولة كان نائما قبل اقتراب موعد الانتخابات، وصحى فجأةً من غفوتة حينما اشتدت المنافسة على الكراسي والسطوة والنفوذ، حتى بات المزمرون في دولة القانون يعزفون اجمل الالحان لا صوت يعلو فوق صوت القانون، وخصوصا القرارات اللاقانونية لهيئة المسائلة والعدالة التي هي امتداد لهيئة اجتثاث البعث والتي تم الغائها بعد جدال طويل حول ما يسمى بالمصالحة بموجب الفقرة 1 من المادة الثانية من قانون المسائلة والعدالة رقم (10) لسنة 2008 الذي اقرة مجلس النواب دون اقرار تشكيل الهيئة الخاصة بتنفيذة، بيد ان الحكومة قامت باعادة تشكيلها من نفس اعضاء هيئة اجتثاث البعث المنحلة دون موافقة المجلس صاحب الصلاحية في اقرار تسمية الاعضاء بموجب الفقرة 4 من المادة الثانية من القانون المشار الية في اعلاة، لهذا اثير الجدل القانوني حول عدم شرعيتها والطعن بقانونية قراراتها كونها هيئة ذات صفة سياسية منبثقة من الحكومة وليس من مجلس النواب، لذلك اعتبرت قراراتها تصب في خانة اهواء واجندات الاحزاب المهيمنة على السلطة بأقصاء واجتثاث شخصيات وكتل سياسية مشاركة في العملية السياسية لتصفية الساحة امام قائمة الحكومة التي تسعى الى الفوز بازاحة منافسيها لأستحالة فوزها من غير الاقصاء او التزوير. ان ما يحصل حالة غير مسبوقة في العرف القانوني بتطبيق القانون بصورة معكوسة وذلك بقيام هيئة سياسية لا تمت للقضاء بصلة وتصدر احكام قضائية بدلاً عن المحاكم المختصة وتقوم باجتثاث واقصاء من تريد ومن ثم تقول للمتضرر اذهب لمحكمة خاصة تم تشكيلها على اثر هذة الازمة، بدلا من الذهاب الى القضاء او محكمة التمييز، مما اثير حول هذة المحكمة هي الاخرى شبهات التسيس والعودة من جديد الى المربع الاول، لعدم وجود نص في القانون المذكور انفا على تشكيلها، وانما الغرض منها الالتفاف على القضاء من اجل الاسراع في تثبيت قرارات الاجتثاث الصادرة عن هيئة المسائلة والعدالة ليتسنى اضفاء صبغة شرعية وقانونية على تلك القرارات. هذة العملية المعكوسة اشبة بدعوة نائب الرئيس الامريكي بايدن باجراء الانتخابات ومن ثم الاجتثاث، اي مغفل يعقل ذلك، في الوقت الذي تتعالى الاصوات بعدم السماح لأي شخص التدخل في الشأن الداخلي للعراق ولا بد من التمسك في القانون، الا ان سيناريو جديد قد لاح في الافق بعد زيارة بايدن للعراق مؤخراً لأيجاد تخريجة معينة تحفظ ماء الوجة، وما تصريحات الجنرال بترايوس بأتهام الهيئة كونها أداة بيد فيلق القدس الايراني الا تأكيد على ملامح السيناريو الجديد ومنحى خطير لمتغيرات الاحداث. هكذا يستغل القانون في دولة اللاقانون الذي اصبح حزام مطاط يتم تكيفة بشكل مفصل على مرام جهات متنفذة بدعم من جهات خارجية، والمساومة على كبت كل صوت عروبي في العراق ومحاربة اي مشروع وطني يدعو لأنقاذ الوطن من محنة الاحتلال والمحاصصة الطائفية، ونحن لسنا بصدد الدفاع عن شخصيات هم اصلا شركاء في العملية السياسية المنخورة. ولا يعنينا استبعاد كائن من يكون لان الذي حصل كان متوقع وهذا هو مصير كل من يمسك العصى من الوسط، ولكن اطلاق الاتهامات الجزافية بهذا الشكل يعني تقويض لحقوق المواطنة واستخفاف برأي الناخب وخرق فاضح للعدالة وجعل الشعب العراقي داخل قفص الاتهام، لانة اصبح كل من يطالب بخروج المحتل من ارض العراق بعثي، وكل من يعترض على العملية السياسية فهو بعثي ويجب اجتثاثة، وكل من يواجهة الجرائم التي ترتكب بحق الابرياء فهو بعثي، وكل من يتصدى للطائفية والمحاصصة والفساد فهو بعثي، وكل من يفضح فشل الاحزاب الطائفية والعنصرية وسوء اداء الحكومة في تحمل مسؤوليتها في ادارة الدولة فهو بعثي ويجب اجتثاثة، وكل من ينتقد جرائم ايران واحتلالها لبئر حقل الفكة فهو يروج لأفكار حزب البعث، فأذا كانت هذة افكار حزب البعث فأن شرف الانتساب الية سبة لة لا علية. واللة اعلم ربما غداً تجتث القلوب من الصدور لانها تنبض حباً للعراق وتقلع عيون الغيارى اذا ادمعت على مأسات الوطن، لقد بانت الحقيقة وتبين ان سبب عزف الحكومة على انغام الخوف من عودة البعث هو ليس فقط لتحويل الانظار عن فشلها في ادارة شؤون الدولة والفساد الاداري والمالي الذي اصبح معروفاً للقاضي والداني، وانما بسبب تعالي الاصوات الشعبية بالحنين الى ايام البعث، بالرغم من رفض قياداتة مراراً وتكراراً الدخول في العملية السياسية لعدم الايمان بها، فضلا عن فشل جميع محاولات امريكا المتكررة لاقناع تلك القيادات للمساهمة فيها، اذن لماذا هذا الخوف من شخصيات وكيانات لا علاقة لها بالبعث، ان حجج رفض تلك الترشيحات التي هندس فصولها احمد الجلبي المطلوب للانتربول وعلي اللامي الذي كان ولازال قائداً لمليشيات كتائب حزب الله والمرشح للانتخابات، ليست الا فصل جديد يضاف الى مسلسل الضحك على الذقون وخداع المواطن البسيط، وكان من الاولى بهيئة المسائلة والعدالة ان تطبق المادة السابعة من الدستور التي تؤكد حضر جميع الاحزاب التي تروج وتدعم وتمارس العنصرية والطائفية والارهاب، وان جميع احزاب الاسلام السياسي المهيمنة على السلطة في العراق هم احزاب عنصرية وطائفية ولها ميليشيات قامت بارتكاب افضع الجرائم خلال السنوات الست الماضية كجيش المهدي وقوات بدر وعصائب اهل الحق وكتائب حزب الله وجميعهم مدعومين بشكل مباشر من ايران، ويروجون للعنف والقتل والارهاب والتهجير القسري والتمييز الطائفي والعنصري والفكري حتى في مجال الخدمات والتعينات، بالاضافة الى القرارات النازية والاجرامية التي تبنتها مجالس محافظات النجف وذي قار والديوانية والمثنى الخاصة بتهجير ومطاردة البعثيين، في الوقت الذي لا يوجد نص دستوري او قانوني يمنح تلك المجالس سلطات قضائية، كما ان الدستور والقانون العراقي ينص على ان المتهم بريء حتى تثبت ادانتة وكذلك لا جريمة الا بنص ولا عقوبة بدون جريمة. اين هم دعاة القانون من تلك الجرائم التي يتم تسويفها بصمت حكومة دولة اللاقانون، اليس هذا بدليل على عدم حيادية قرارات الهيئة واستخدامها المعايير المزدوجة في تطبيق القانون والتحيز في اقصاء من تريد داخل العملية السياسية وتغض النظر عن اطراف اخرى حسب رغبات الحكومة. هذة هي الديمقراطية المزيفة التي جعلت العراق في غفلة من الزمن حاضنة للدخلاء الذين زوروا التاريخ والسجلات من اجل الانتساب لهذا الوطن زورا وبهتاناً بعد تغيير اسمائهم الفارسية الى اسماء عربية لغرض الانتقام والاستحواذ على السلطة وسرقة المال العام. وتلك هي السيادة التي جعلت مرتزقة الشركات الامنية تقبض الملايين من اموال العراق ثمن الخوض في دماء ابناءة من اجل حماية النفايات الحاكمة في المنطقة الخضراء، بينما القضاء الامريكي العادل يبرئهم من التهم المنسوبة اليهم لان القضية سويت بدفع الدية الفين دولار ثمن لكل راس ضحية، فأذا كان هذا هو القانون في دولة عظمى فلا عتب على قانون دولة المسائلة التي تتغاضى عن جرائم القتل على الهوية وجرائم السطو المسلح من قبل عصابات حكومة الاحزاب التي تنفذها عناصر ترتدي الزي الرسمي للدولة وبالآليات التابعة للاجهزة الامنية، وعندما تنكشف الجريمة او يلقى القبض على المجرمين تقوم الحكومة بتهريبهم الى ايران، كما حصل مع مجرمي سرقة بنك الزوية وقبلها مختطفي دائرة البعثات، فضلا عن جرائم الفساد الاداري والمالي، بل ماذا فعل القانون لوزير التجارة الذي ادين بجرائم سرقة المال العام وبدلا من احالتة الى القضاء تفتح لة ابواب العراق للهروب بجوازة الاجنبي الى امريكا لينعم باموال السحت الحرام المسروقة من افواة الشعب العراقي. وهذا وزير النفط الذي يبيع ثروات العراق للاجنبي من سكات من غير حسيب ولا رقيب بحجة عدم مصادقة مجلس النوام على قانون النفط والغاز، هكذا هي دولة اللاقانون الغارقة في ازدواجية التعامل بمسائلة من ينتقدها وتحمي القتلة واللصوص الذين يغردون لها، وهناك آلاف الابرياء في المعتقلات والسجون بسبب الدعاوى الكيدية الكاذبة، بل اين هي هيئة المسائلة من محاسبة مزوري الشهادات التي يتبؤون اعلى المناصب في الدولة، اليس التزوير جريمة يحاسب عليها القانون!. واين هي من تطبيق الفقرة رابعاً من المادة (18) من الدستور التي تنص: ( يجوز تعدد الجنسية للعراقي، وعلى من يتولى منصبا سياديا او امنيا رفيعا التخلي عن اي جنسية اخرى وينظم ذلك بقانون) في الوقت الذي نجد هرم السلطة في العراق من القمة الى القاعدة من التبعيات الاجنبية ومن مزدوجي الجنسية ابتداء من رئيس الجمهورية الى سبعة عشر وزير وثلاثون سفير واكثر من خمسين نائب في البرلمان المزعوم وغيرهم الكثير من قادة الكيانات السياسية الذين يتبوؤن مواقع سيادية في الدولة العراقية المجيرة مؤسساتها لأحزابهم العميلة ويتعاملون مع الدستور المزعوم بحالة انتقائية حسب مصالحهم، بل القيام بتغيير اغلب قوانين الدولة وفق ما يتلائم مع اجنداتهم الطائفية واغلبهم من اصحاب الجنسيات المزدوجة وحملة الشهادات المزورة وجل اعمالهم الانتقام وسرقة المال العام وزيادة رواتبهم المليونية، اليس هذا بدليل اخر على انحياز تلك الهيئة وازدواجية عملها بالتغطية على تلك الجرائم وتحاسب الشركاء الاذلاء في العملية السياسية على خطابات يعرفها الشعب العراقي جيدا بأنها لا تعدو سوى شعارات تستخدم للاستهلاك الانتخابي .
واخيرا لقد أكدت مسرحية الانتخابات تفاهة العملية السياسية، وان حديث الشراكة والتوافق والمصالحة وتطبيق القانون هراء في هراء، بعدما تكشفت نوايا الاحزاب المهيمنة على السلطة باقصاء شركاء الامس باستخدام لعبة نبش الماضي ونسو ماضيهم الاسود الذي كان سبب في احتلال العراق وأختزال ثرواتة في جيوب سلطات الاحتلالين الامريكي والايراني، وفي خظم هذة الاحداث الشائكة ثبت بشكل قاطع عدم جدوى العملية السياسية المنبثقة عن سلطات الاحتلال، وان ما تمخض عنها من قوانين ومؤسسات باطلة وغير شرعية لان ما بني على باطل فهو باطل، لذلك لم يعد هناك حاجة لتلك الانتخابات الشكلية، ويتحتم على الشعب العراقي مقاطعتها لان الطبخة قد بانت والمرحلة القادمة باتت معروفة وليست سوى توزيع ادوار وفق محاصصات طائفية وعرقية، وان المقاعد والمناصب قد تم توزيعها من قبل الامريكان على القوى الحليفة لهم، وسوف يتبعها ولادة متعسرة لحكومة احزاب طائفية لاتختلف عن سابقتها، ومن ثم ستكون لنا عودة مع وتيرة الاتهامات وتصفية الحسابات والصرعات على السلطة والنفوذ والضحية هو المواطن، هذا هو المشهد العراقي القادم الذي تريدة امريكا!!!. نعم الافضل للشعب العراقي مقاطعة هذة الانتخابات الهزيلة التي لا تعدو سوى مكياج لاضفاء صفة شرعية للاحتلال ولمافيات الاحزاب الحاكمة تحت مسميات الديمقرطية والقانون والعدالة وفاقد الشيئ لا يعطية. وعلى الكتل والشخصيات السياسية التي تم اقصائها، التصرف بصحوة ضمير وعليها ان تحترم ذاتها كونها اجتهدت في المشاركة بالعملية السياسية كما تدعي، بدعوى تقويمها وإصلاحها ومعارضة أقطابها من الداخل، فقد بات لزاما عليها الوقوف بحزم وصمود وثقة بوجة المشروع الطائفي الذي يرمي الى تقسيم البلاد، وان تثبت مصداقيتها امام الشعب وتعلن الانسحاب من العملية السياسية او الانسحاب من الانتخابات على اقل تقدير ليتسنى لها التعفف ورفع الشبهة عن الاتهامات الموجهة لها كونها كانت تلعبت دور انتهازي لشرعنة الاحتلال من اجل تحقيق امتيازات ومكاسب شخصية، فالكرة الان في ملعب تلك الشخصيات والكتل السياسية وليس لديهم من خيار، اما التخندق مع الشعب العراقي والوقوف بجد مع المقاومة الوطنية المناهضة للاحتلال لأسقاط المشروع الطائفي، او السقوط بالمشاركة الهامشية في العملية السياسية الغارقة في وحل الانهيار والتفكك، والتكالب مع الاخرين على مغانمها.