مغامرات كهيعص ( رواية ) - الجزء 12

أمجد المصرى
2010 / 1 / 18

بعد مغادرة أزميل ، أقبل معمر إلى كهف الشيخ يرقـة ، فأوثق عقال فرسه و دلف حاملا صرة طعام أحضرها للشيخ الهرم الذى أحنى الدهر ظهره ، و بعد أن ألقى السلام على الشيخ و قبل يده ، جلس بين يديه
يرقــة : كيف حالك يا معمر ؟ تبدو مؤرقا مرتبكا و الحيرة تقتلك كما أرى
معمـر : لقد نطقت بالصدق أيها الشيخ الجليل ، و لكن كيف عرفت بإسمى الجديد ؟ هل زارتك بهيجة ؟
يرقـة : بل زارنى السيد أزميل و أخبرنى ، دعنى أصغى إليك ثم نرى ما سوف يكون
معمـر : أأنت تعرف السيد أزميل أيها الشيخ ؟ المفاجأة تكاد تلجمنى ، أشعر أن نوبات الصرع القديمة سوف تعاودنى
يرقـة : إهدأ يا معمـر ، نعم أنا أعرف السيد أزميل ، و لتعلم أنه الذى اصطفاك منذ البداية ، وكلفنى أن أرعاك و أن أزوجك السيدة بهيجة على الشريعة الأبيونية ، و أن أعلمك قصص الغابرين و أساطير الأولين ، و أن ألقنك أشعار القعقاع و امرئ القيس و وابن أبى الصلت وغيرهم من شعراء العرب
معمـر ( مرتعشا متهدج النبرات ) : يا ويلى ، أكاد أجن ، دثرونى دثرونى ، أهو شيطان من الجن ؟
يرقـة : ليس شيطانا يا معمـر ، هو جنى طيب يتلبس رجلا ، وقد أراد لك الخير ، لقد وجدك عائلا فأغنى ، و وجدك ضالا فهدى ، لقد صنع منك شيئا و لم تكن شيئا على الإطلاق
معمـر ( يتصبب عرقا ) : أيعرفنى السيد أزميل منذ ما قبل زواجى ببهيجة ؟
يرقـة : نعم يا معمـر ، و هو الذى أوصانى بك و بكل ما كان ، كنت أنت المستفيد الأول من كل ذلك ، و غدا تصبح السيد بين أهلك و الملك بين عشيرتك ، ستكون منصورا بالرعب مسيرة شهر يا معمـر ، فقط عليك السمع و الطاعة
معمـر : بحق اللات و الوزة و زبل ، إنى لخائف و مرتعب
يرقـة ( مقاطعا ) : ما الذى أتى بك اليوم يا معمـر ؟
معمـر : أخبرتنى بهيجـة أن أحضر لزيارتك الآن ، و قالت أنها أوامر السيد أزميل ، فأتيت
يرقـة : علمت بما كان من عمك عبد الوزة أمس فى دار عمك أبى قاسم ، وعلمت أيضا بأن بهيجة قد غادرت الى بيتها القديم لتقيم مع بناتها ، ماذا لديك بعد ؟
معمـر : لقد فر بهى بن أبى قاسم من دار أبيه و أوى إلى دارى و تبعه بعض عبيد و إماء أبيه ، و أتى الى دارى أيضا أبو صقر بن قلاحة و معه امرأته وابنتاه ، و لا أدرى ماذا أفعل بهؤلاء
يرقـة : لقد آمنوا يا معمـر أنك من الصالحين فتبعوك و أووا إليك ، و عليك أن تلتزم أوامر السيد أزميل حتى تجنى الثمار و تعلو بين قومك و تكون ملكا عليهم ، سيأتيك كثيرون غير هؤلاء إن أنت أحسنت التصرف
معمـر : لم تخبرنى يا سيدى ماذا أفعل بهؤلاء
يرقـة : بهى تزوجه لدعيتك الصغرى طماطم إبنة بهيجة فتتقى شر أبيه و تأمن جانبه ، و أبو صقر تمنحه كنية يحبها و يفرح بها فينفق على الباقين من الأموال التى جناها من سقاية زوار العتبة ، لتطلق عليه ( أبو صقر الإبريق ) ، أما العبيد فاعتق رقابهم فيدينون لك بالولاء و لا يقدرون على الارتداد عنك ، و استخدمهم و علمهم
معمـر : فيم أستخدمهم و ماذا أعلمهم ؟
يرقـة : إستخدم النساء فى رعى أغنامك ، و الرجال فى صيد الضب و الجراد و اليرابيع لطعامهم
معمـر : و ماذا أعلمهم ؟
يرقـة : علمهم القتال بالسيف و الرمح ، علمهم ركوب الخيل ، علمهم الدين الجديد
معمـر : أى دين جديد ؟
يرقـة : الدين الذى ستدعو له لتهدم عباداتهم ، ستقول لهم أنك نبى ، و أن أزميل رسول يأتيك من عند الإله
معمـر : ما اسم إله هذا الدين أيها الشيخ ؟
يرقـة : إسمه الباب الأكبر ، و يسكن فى السماء السابعة
معمـر : و من أتباعه على الأرض ؟
يرقـة : ليس له أتباع على الأرض حتى اليوم ، ملائكته معه فى السماء ، و شياطينه فى باطن الأرضين ، و لكن سنجعل له أتباعا كثيرين من الناس عما قريب
معمـر : أغثنى أيها الشيخ الجليل فأنـا جد خائف و لا أدرى كيف أتدبر أمرى
يرقـة : لا تخف يا معمـر ، أخبرك السيد أزميل أنك كنت الرابح فى جولة الأمس ، و قد تحققت نبوءته على الفور و صار لك أتباع ، وقد ترك لى السيد أزميل ما أقرأه عليك فتقرأه على الذين فى دارك الليلة
معمـر : ماذا أقرأعليهم ؟

يرقـة : قل خسأ أبو نار و خاب

معمـر : قل خسأ أبو نار و خاب

يرقـة : هو مـغرور كذاب
معمـر : هو مـغرور كذاب



يرقـة : وامرأته طويلة الناب
معمـر : وامرأته طويلة الناب

يرقـة : قد حملت الأحطاب
معمـر : قد حملت الأحطاب

يرقـة : وحبل مربوط بالوتد
معمـر : وحبل مربوط بالوتد

يرقـة : و كان الباب خير الرابطين

معمـر : و كان الباب خير الرابطين


يرقـة : قلـها كاملة يا معمـر
معمـر : قل خسأ أبو نار و خاب ، هو مـغرور كذاب ، وامرأته طويلة الناب ، قد حملت الأحطاب ، وحبل مربوط بالوتد ، و كان الباب خير الرابطين
يرقـة : أرأيت كم هى سهلة ؟ هكذا تتلوها عليهم و يرددونها خلفك
معمـر : أهذا كل شيء ؟
يرقـة : نعم هذا كل شيء لليلة ، هذا ما تركه لك السيد أزميل ، وغدا و كل يوم تأتينى عند الغروب لتلتقى بالسيد أزميل أو أخبرك بأوامره و ألقنك ما ترك لك عندى
معمـر : لتسمح لى بالمغادرة حتى أعود لأولئك القابعين بالدار
يرقـة : إذهب يا معمـر ، و غدا موعدنا هنا عند الغروب ، لا تدع أحدا يتتبعك أو يعرف أنك تزورنى

إمتطى معمـر جواده عائدا إلى داره غير مسرع و ظل طوال رحلة عودته يردد الكلمات التى لقنها له الشيخ يرقـة ، و عند الدار ترك الجواد للحارسين و صعد الى المنظرة دون أن ينطق ببنت شفة ، و هناك وجد أبا صقر و بهيا اللذين نهضا لاستقباله
أبو صـقر : أين كنت يا معمـر ؟ لقد قتلتنا لهفا عليك
معمـر : كيف حال الصاحبين ؟ أين الرجال ؟
أبو صقر : أسكنا العبيد و الإماء فى المخازن التى وجدناها خالية ، و أخذنا غرفتين لسكنانا بالأسفل بجوار غرفة الحارسين حتى نتدبر أمورنا ، أين كنت يا معمـر ؟

معمـر ( متهدج الصوت ) : لقد دعانى داع للخروج إلى الخلاء فالتقانى أزميل و استبقانى حتى أقرأنى آيات عجبت لها ، و أمرنى أن أقرأها عليكما و على كل من نطمئن إليه و نأمن جانبه
بهى : و من هو أزميل يا معمـر ؟
معمـر : أزميـل جنـى طيب ، أرسله خالق الأرض و السماء ليرعانى و يرشدنى و يهدينى ، يأتينى فى صورة رجل مهيب جميـل
بهى : و من خالق الأرض و السماء ؟ هل صبأت يا معمـر ؟
معمـر : الباب الأكـبر ساكن العلا مع ملائكته ، الذى تعمل بأمره الشياطين الساكنة باطن الأرضين السبع ، و هو صاحب الجنة التى أعدها لمن يطيعه و لا يعصى أوامره ، و خلق الثعبان الأقرع يعذب به العاصين فى قبورهم
أبو صقر : هلم يا معمـر ، أقرئنا ما أقرأك أزميل فنكون أول أهل الجنة
معمـر ( و الاثنان يرددان وراءه ) : قل خسأ أبو نار و خاب ، هو مـغرور كذاب ، وامرأته طويلة الناب ، قد حملت الأحطاب ، وحبل مربوط بالوتد ، و كان الباب خير الرابطين
أبو صقر : حقا إنه كلام متين ، بلسان عربى مبين ، ولكنى لا أفهم ما المقصود به
معمـر : أرأيت ؟ لقد أهداك أزميل كنيـة ستسعد بها يا أبا صقر ، أنت من اليوم ( أبو صقر الإبريق ) جزاء عطائك الذى ستبذل على هذه الدعوة ، الإبريق كناية عن البرق ، و يكون لك إبريق فى الجنة تشرب فيه و تسقى أصحابك خمرا من أنهارها
أبو صقر ( متهللا ) : أيعرفنى أزميل ؟ يالها من هدية
بهى ( حانقا ) : ألم يهدنى أزميل شيئا ؟ أم أنك لم تخبره عنى و أنا ابن عمك و صفيك و رفيق دربك ؟

معمـر : بل أهداك يا بهى ، أهداك ابنتى طمطم زوجة لك تنكحها أنى شئت ، و يأمرك أن تهدينى العبيد و الإماء فأعتقهم و أعتقهن ، فيصيروا و يصرن عبيد الباب و إماءه
أبو صقر : ماذا علينا أن نفعل الآن ؟
معمـر : أدع الرجال و النساء إلى اجتماع بالبهو السفلى ، فنتلو عليهم الآيات ، ثم نكلفهم بما يعملون
بهـى ( أمام العبيد والحارسين ) : يا أيها الناس ، اليوم صرتم أحرارا فقد أعتقكم معــمـر ، و اليوم اجتمعنا فى حضرته لنسمع منه ما أتاه من وحـى ، إسمعوا و عوا و لا تقاطعوا
معمـر : قل خسأ أبو نار و خاب ، هو مـغرور كذاب ، وامرأته طويلة الناب ، قد حملت الأحطاب ، وحبل مربوط بالوتد ، و كان الباب خير الرابطين
أبو صقر : إن هو إلا وحى يوحى ، إنه كلام متين
معمـر : من صباح الغد يخرج الرجال لصيد الضب و اليربوع و الجراد فنأكل ، و تخرج النسوة للماء و الكلأ ترعين الغنم ، ثم نجتمع هنا عند الظهر ، فنعلمكم الفروسية و قتال السيف و الرمح