أحداث كركوك في تموز 1959

جاسم الحلوائي
2010 / 1 / 18

نشر د. سيّار الجميل بتاريخ 5 كانون الثاني 2010 في موقع "الناس" وربما في مواقع أخرى، دعوة تحت عنوان "مشروع ذاكرة تاريخية عراقية.. القسمان -1- و-2-". و كان القسم الأول بعنوان " نصف قرن على مأساة الموصل 8 آذار / مارس 1959" وبدأه بعنوان فرعي "دعوة للجميع". وسبق أن ناقشنا أحداث الموصل قي آذار عام 1959 كرد على الجميل في مقال تحت عنوان "لم نصمت"، ونشر على العديد من المواقع الاليكترونية في 10 كانون الثاني 2010.

لقد ذكر الكاتب د. سيًار الجميل في القسم الثاني من مقاله ما يلي: "إن أحداث الموصل عام 1959 ، قادت أيضا إلى أحداث كركوك المأساوية ، فهي وليدة ما كان يجري وقت ذاك من انفصامات قومية يشهدها العراق لأول مرة منذ تأسيسه بين العرب والكرد والتركمان..الخ".

ولم يتطرق الكاتب إلى أحداث كركوك، إلاّ أن بعض القراء طالبوني بالكتابة عن أحداثها كي لا نتهم مرة أخرى بالصمت، بالرغم من كل ما كتبه الشيوعيون حول هذا الموضوع، وذلك بهدف إزالة الانطباعات السيئة التي علقت بأذهان الناس، جراء افتراءات وتشويهات خصوم الحزب الشيوعي العراقي والتي لم تتوقف حتى يومنا هذا.. ومما نهدف إليه في هذا الجهد هو أن يصوّت الناخب العراقي للشيوعيين وحلفائهم في الانتخابات التشريعية القادمة في 7 آذار 2010 بعد أن يزال ما علق في أذهان البعض منهم من تشويهات. وستجري الإشارة إلى بعض كتابات الشيوعيين في سياق هذا المقال. وبما أن الحزب هو المتهم في هذه القضية، فمن المفيد الاستشهاد، قدر الإمكان، بمؤرخين وكتاب محايدين. وتكتسب الشهادة مصداقية أكبر عندما تأتي من مؤرخين مشهود لهم بمهنيتهم العالية.

أحداث كركوك في تموز 1959
يقول الباحث حنا بطاطو: " لا شيء آذى الشيوعيين بقدر ما فعلت أحداث كركوك الدموية في 14 ـ 16 تموز (يوليو). ومع ذلك، فقد أصبح مؤكداً الآن أن هذه الأحداث لم تكن مدّبرة من قبل زعمائهم، ولا هم سمحوا بها. ويمكن أن تعزى هذه الأحداث جزئياً إلى طبيعة تلك الأزمنة، من أفعال القسوة القصوى التي كانت شائعة في لحظات عدم الاستقرار الاجتماعي والغليان غير الطبيعي" [1].

أما الكاتب جرجيس فتح الله، فيكرر ما قاله بطاطو ولكن بصيغة أخرى فيبدأ مقالته عن الموضوع بالقول:" لم يلحق الحزب الشيوعي العراقي والشيوعيين العراقيين من أذى ... قدر ما ألحقتهما بهم وقائع الرابع عشر والخامس عشر من شهر تموز 1959. ولم يفعل شيئاً كثيراً في تخفيف الشعور العام ضدهم، انكشاف حقائق كثيرة كانت محض خيال ابتدعه أعداؤهم للنيل منهم، وبعد أن عُريت أعمال النهب والقتل عما ألبستها أجهزة الإعلام الخارجية من مبالغات وتهويل. وما أحدثته هجوم الصحف المحلية المعارضة لحكم (قاسم) المعادية للشيوعيين من آثار عميقة في النفوس". ويضيف فتح الله قائلاً: " على أن ما بات في حكم المؤكد الآن وبالشكل الذي لا يقبل الجدل أن تلك الأحداث الأليمة لم تكن مدبرة، وإنما هي بنت ساعتها. إن قادة الحزب الشيوعي في العاصمة لم يكونوا وراءها ولم يأمروا بها ولم يوطئوا لها عن قصد وإنما فوجئوا بها مثل غيرهم" [2].

ويقول المؤرخ ألن دان: "وليس ثمّ دليل قانوني يثبت صدور أمر من مركز ح. ش. ع. (الحزب الشيوعي العراقي) في بغداد لتنفيذ مخطط مذبحة. ولكن يمكن التأكيد وبصورة معقولة إن أمراً كهذا لم يصدر قط"[3].

هذه ثلاث شهادات محايدة تبرئ ساحة الحزب من تدبير مجزرة كركوك. وسنرى أن كل الوقائع والأدلة تقف إلى جانب هذه الشهادات.

كركوك
تقع كركوك على بعد 280 كيلومترا إلى الشمال من بغداد. وطبقاً لإحصاء السكان في عام 1957 كان يسكن المدينة 120402 نسمة، يؤلف التركمان منهم قرابة 52% وثلث سكانها من الأكراد الذين صاروا يتكاثرون فيها بعد اكتشاف النفط في المنطقة، والشروع باستثماره. وإلى جانب هؤلاء يقطن العرب المدينة أيضاً. وكان ما يزيد عن 12600 نسمة من سكانها من المسيحيين. وإلى جانب هؤلاء كان يسكنها بضع مئات من الصابئة والأيزيديون والطوائف الأخرى. ولا يوجد ما يقطع في أصل وجود التركمان في كركوك، إذ أن هناك تفاوت كبير في تاريخ وجودهم يتراوح بين نهاية القرن العاشر والقرن الثامن عشر! [4]. وقد جاء في قاموس الأعلام، "الذي يعد موسوعة تاريخية وجغرافية عثمانية مهمة، نشر في استانبول سنة 1896: تقع كركوك ضمن ولاية الموصل التابعة لكردستان، وهي مركز ايالة سنجاق شارزور ولها من النفوس (30.000) ألف نسمة ثلاثة أرباعها من الكرد والبقية من الترك والعرب". [5]

ثورة 14 تموز
كان التركمان أيام الحكم العثماني يتمتعون بمكانة خاصة في المجتمع، فهم من نفس المجموعة الإثنية الحاكمة. ومع مرور الأيام نشأ بين التركمان تمايز طبقي، إذ ظهرت عوائل أرستقراطية ثريِّة صارت تهيمن على اقتصاديات المدينة. وحظيت المدينة، بعد اكتشاف النفط، بأهمية خاصة، وازداد نشاطها الاقتصادي، وتحسنت أحوالها. وصارت المدينة مركزاً لجلب الأيدي العاملة، لاسيما من الأكراد والعشائر العربية المحيطة بها. ومع أن كثير من الأتراك كان يعاني الفقر، إلا أن نفوذ القلة الميسورة، والوجاهة التي ظلت تتمتع بها في العهود السابقة، استمر قائماً بين الجماعات التركمانية، بحكم كونهم يؤلفون أقلية قومية يقوم بينها ولاء خاص، يغذيه، إلى جانب تميزها الاقتصادي في ميادين التجارة والصناعة، وحظوتها لدى الدولة، الولاء لتركيا- للوطن الأم، التي ظلت تركيا تشجعه طوال العهود بألوان مختلفة. وهكذا فقد كان للبرجوازية التركمانية، والرجعية منها بشكل خاص، نفوذها الكبير بين أوساط الجماهير التركمانية. وكان معظم نشاط الحزب الشيوعي يجري بين الأكراد والعرب والأقليات القومية والدينية في الأساس، ولم تتغير الحال كثيراً حين انتصرت ثورة 14 تموز1958 [6].

تحولت كركوك بعد الثورة إلى مركز لنشاط دعائي مكثف. وكانت الشائعات التي تثير الكراهية ما بين الجماعات القومية نشطة بشكل ملفت للنظر. وقد أكد هذا الأمر قائد الفرقة العسكرية الثانية، ناظم الطبقجلي، في إفادته أمام المحكمة العسكرية الخاصة، إذ يقول: "حين تسلمت قيادة الفرقة الثانية، قام ممثلو الهيئات القنصلية بفعاليات حيث خشيت ضررها على المصلحة العامة، وإشاعة الفرقة وحرب الأعصاب. وكانت أعمال هذه الهيئات يشوبها كثير من الشك والريبة، فحددت إقامتهم في المدن، وسعيت لغلقها [القنصليات]، وخاصة بعد الاشتباك الأول الذي حصل في كركوك في أواخر الشهر العاشر سنة 1958، أي بعد حادث المظاهرات، حيث شوهد معاون القنصل الأمريكي عن بعد، عدا خروج بعض ممثلي القنصليات الأجنبية عن العرف الدبلوماسي وانحرافهم عن واجباتهم" [7]

حين انتصرت ثورة 14 تموز لم تندفع الأسر التركمانية الثريِّة لتأييدها في بادئ الأمر. واتخذ التركمان، بشكل عام، موقفا انعزالياً منها. وحين تأسست المنظمات الديمقراطية، ترددوا في الانضمام إليها بأعداد كبيرة. لهذا كان أغلب الذين انتموا إلى تلك المنظمات من الأكراد والعرب والأقليات القومية، وصارت تميل للمشاعر الكردية. وقد بُذلت مساع جدية للتقريب بين أهالي كركوك على اختلاف قومياتهم. وتألفت لهذا الغرض بدفع من آمر الفرقة العسكرية، لجنة خاصة، دعيت لجنة الدفاع الوطني لمنطقة كركوك، ضمت ممثلي الجماعات المختلفة بمن فيهم ممثلين عن التركمان وكان أحدهم الرئيس الأول المتقاعد عطا خير الله. وعلى إثر صدام وقع في أواخر تشرين الثاني 1958، أصدرت اللجنة المذكورة بياناً، نبهّت فيه إلى المساعي التي يحيكها المستعمرون وعملاؤهم لبث سموم التفرقة والعداء بين القوميات ودعا إلى وحدة وتآخي ويقظة الجميع من أجل صيانة الجمهورية ومحاربة الإشاعات التي يروّجها عملاء الاستعمار[8].

وفي 25 آذار 1959 أصدرت اللجنة المحلية للحزب الشيوعي العراقي في كركوك بياناً تحت عنوان: "عاشت الأخوة بين العرب والأكراد والتركمان والآثوريين"، نبهّت فيه إلى ضرورة محاربة الميول الانعزالية بين القوميين، والمخربين الذين يثيرون العنعنات والنعرات العنصرية، والمخاوف بين جماعة ضد جماعة أخرى، والافتراء عليهم. ودعا إلى الوحدة ...الخ. وقبيل الأحداث بأيام، أصدرت جبهة الاتحاد الوطني في المدينة، وتضم الحزبين الشيوعي، والديمقراطي الكردي (البارتي)، والمنظمات الديمقراطية، بياناً أكدت فيه، على غرار ما ذهبت إليه اللجنة المحلية للحزب الشيوعي، في بيانها الذي أشرنا إليه، على الضرورة الملحة لوحدة الشعب بقومياته المختلفة [9].

ورغم المحاولات التي بذلت لتنظيم مسيرة شعبية واحدة في يوم الاحتفالات بالذكرى الأولى لثورة 14 تموز، إلا أن التركمان أصروا على أن ينظموا مسيرة خاصة بهم إلى جانب المسيرة التي كانت المنظمات الديمقراطية قد هيأتها، فنشأت بذلك إمكانية جدية للاحتكاك. واستنادا إلى عدد من الشهادات والتقارير الرسمية، يشير سباهي إلى أن المسيرة الشعبية التي قدرت بعشرة آلاف متظاهر، قد انطلقت، كما كان مقرراً، من ساحة المدرسة الثانوية. وكان الأطفال، الذين يحملون الزهور، يتقدمون المسيرة. وسار أمام الجميع مدير شرطة اللواء (المحافظة) وعدد من كبار ضباط الفرقة العسكرية. وتوافدت المواكب وفق الترتيب المرسوم لها. والتحق بالمسيرة جنود كثيرون. وقد شاركت فيها جماهير من مختلف القوميات. وحين وصلت الجسر القديم، واجهت تظاهرة تركمانية تركب سيارات الجيش، فتدخل مدير الشرطة، وحول التظاهرة التركمانية إلى طريق فرعي. وحين اقتربت المسيرة من شارع "الاستقلال"، اقتربت منها، في الجهة المعاكسة، مجموعة من الجنود يقارب عددهم الستين جندياً، فحولتهم الشرطة التي تحرس المسيرة إلى طريق فرعي أيضاً.

ولما اقتربت المسيرة الجماهيرية من مقهى 14 تموز، وهو من المقاهي التي يرتادها التركمان، انهالت عليها الحجارة من السطوح. ودوت بعدها إطلاقات نارية لا يعرف مصدرها، فساد الهرج والمرج، وتدافع الناس إلى الطرق الجانبية، وارتبك النظام، وما عاد من الممكن ضبط الجماهير. وانطلق الجنود وجماعات من الجماهير نحو بعض المحلات والدور، ونهبوا بعضها، وسقط عدد من القتلى والجرحى وكانت غالبيتهم الساحقة من التركمان. استغل مفوض شرطة مفصول، يدعى نوري ولي، كان ينتمي إلى الحزب الشيوعي، اضطراب الوضع، فذهب هو وجماعة من أقاربه إلى مركز شرطة (إمام قاسم)، واستولى على بعض أسلحة المركز ووزعها على أصحابه، واتجه لتصفية بعض الحسابات الشخصية في هذا الوضع المضطرب، وراح هو وجماعته يطلقون النار في الهواء لإثارة الفزع.
ومع أن الحال قد هدأت بعدئذ، إلا أن عدد من الجنود الأكراد خرجوا من ثكناتهم في اليوم التالي، وقصفوا بمدافع الهاون دارين للسينما عائدتين إلى التركمان وبعض دور التركمان في محلة القلعة، بدعوى أنها كانت مصدراً للنار. فأرسلت قوات عسكرية إلى القلعة لحفظ الأمن فيها، إلا أن هذه القوات ذاتها شاركت في الضرب. واستمر تبادل النيران حتى اليوم الثالث، ولم تهدأ الحال في المدينة إلا بعد وصول نجدات عسكرية في 17 تموز من خارج اللواء. وخلال الأسبوعين التاليين، عاشت المدينة في حالة من الرعب الحقيقي، لاسيما في المحلات التركمانية. وقد بلغ مجموع القتلى 31 قتيلاً، من بينهم 28 من التركمان، أحدهم الرئيس المتقاعد عطا خير الله (عضو لجنة الدفاع الوطني التي مر ذكرها)، وكان عدد الجرحى 130، بينهم ستة أكراد. وأصابت الأضرار 70 دكاناً ومقهى وكازينو ودارين للسينما [10].

راحت الأطراف المختلفة تكيل التهم بعضها لبعض، وباتت الإشاعات والمبالغات التي تتحدث عن مظلومية التركمان، الذين ظلموا فعلا، تنتشر وتصدق بسرعة. ووجدت أجهزة الدعاية في الجمهورية العربية المتحدة فرصة سانحة لتشدد من هجومها على توجه الجمهورية الديمقراطي ونشطت، بوحه خاص، لإذكاء نار العداء للشيوعية. وظلت الدوائر المعادية للشيوعية تذكر بها، كلما وجدت في الأمر مصلحة. حتى أن أحد الكتاب الغربيين (فرنييه) ذكر في كتابه أن أهل كركوك الشيوعيين نصحوا قبل 14 تموز بإخلاء النساء والأطفال في المدينة. ولكن كاتباً غربياً آخر (اوريل دان) رد عليه بأن هذه الحكاية، بقدر ما استطاع أن يتتبعها، هي مصرية المصدر، مما يجعلها عرضة للشك. وحتى ولو كانت الرواية حقيقية، فإنها تنطلق من حكم مسبق، وليس على سبق تصميم [11]. وهناك ما يكذب رواية (فرنييه) من الأساس، وهو وجود موكب الأطفال في مقدمة المسيرة وموكباً خاصاً بأعضاء رابطة المرأة العراقية ضمن مواكبها.

قاسم يستغل الحادث ضد الحزب الشيوعي
وجاءت هذه الأحداث في فترة كان عبد الكريم قاسم قد شرع بتوجيه نيرانه على الحزب الشيوعي، فاستغلها ليوجه اتهاماته ضد الحزب، بصورة غير مباشرة أولاً، ثم جعلها أوضح فأوضح من بعد، حتى قبل أن يتلقى تقرير الهيئة التحقيقية الرسمية، التي ألفها بنفسه. ففي الحفل الذي أقيم بمناسبة افتتاح كنيسة مار يوسف في 19 تموز قال: "إن ما حدث أخيرا في كركوك إنني أشجبه شجباً تاما، وباستطاعتنا، أيها الإخوان، أن نسحق كل من يتصدى لشعبنا بأعمال فوضوية نتيجة للحزازات والأحقاد والتعصب الأعمى". لكنه ذهب إلى أبعد من التلميح حين أوعز إلى الهيئة التحقيقة التي أرسلها إلى كركوك باعتقال قادة المنظمات الديمقراطية في المدينة. ويؤكد هذه الحقيقة جرجيس فتح الله ويضيف بأن خطاب قاسم في كنيسة مار يوسف كان "بمثابة أمر للمسؤولين في كركوك بل وللجنة التحقيقية لتصوير الأحداث وترتيبها بالشكل الذي يتفق مع الخطبة"[12].

وفي المقابلة التي أجراها عبد الكريم قاسم مع الصحفيين الذين استدعاهم بعد أيام، راح يكيل التهم إلى القوى الديمقراطية بالتحديد، قائلاً: " أولئك الذين يدّعون بالحرية والديمقراطية لا يعتدون اعتداء وحشياً". وقد وُضع، كما يشير جرجيس فتح الله، أمام الصحفيين في المؤتمر مئات الصور، ولم يكن بالإمكان مطلقاً تشخيص وجه قتيل واحد فيها. وقد تمكن بعضهم أن يعثر على أصول لعدد كبير من الصور في ما نشرته جبهة التحرير الجزائرية كجرائم ارتكبها الجنود الفرنسيون أثناء حرب التحرير. ويضيف نفس المصدر، بأنه في الثاني من شهر آب 1959 ذكر قاسم أن عدد الضحايا 79، لكنه عاد في الثاني من شهر كانون الثاني للعام نفسه مؤكداً أن عدد القتلى لم يتجاوز اﻟ 31 قتيلاً. وأضاف قاسم إن مصدر الالتباس كان، أن كل جثة من الجثث صورت عدة مرات من جهات مختلفة [13].

شهادة مهمة
وهذه شهادة مهمة ومسؤولة، وهي شهادة الرفيق عزيز محمد السكرتير السابق للجنة المركزية. وكان في حينها عضو المكتب السياسي للحزب ومسؤولاً عن لجنة إقليم كردستان. التي تتخذ من كركوك بالذات مقراً لها، وكان قد شاهد بعينه ما جرى، وأفاد بالتالي:

"كانت علاقتنا بعبد الكريم قاسم جيدة طوال السنة الأولى من عمر الثورة، غير أنها بدأت تنتكس بعد ذلك بسبب خوفه من تنامي نفوذ حزبنا وتأثيره في مجرى السياسة العراقية، ربما خلافاً لما يريده هو من الانفراد بالقرارات المهمة، ولكبح التطورات الاقتصادية والاجتماعية التي كنا ندعو اليها، وهي، بطبيعة الحال، أكثر مما كان هو مستعداً لقبولها".

"واستُغلت أحداث كركوك أبشع استغلال لتعكير العلاقة بيننا وبين عبد الكريم قاسم. كنت مسؤولاً عن منظمة حزبنا في كردستان، ولهذا أستطيع أن أعطي شهادة دقيقة عما حصل. كان الجو في كركوك عشية الذكرى الأولى للثورة متوتراً. وتقرر إقامة موكب موحد للاحتفال بالذكرى. الأخوة التركمان أرادوا موكباً مستقلاً. وهو من حقهم، غير أنه في الأجواء المتوترة تلك بدا غير مقبول لأطراف أخرى لسنا من بينها".

"تعرض الموكب لإطلاق رصاص، ولم تعرف الجهة التي أطلقت منها وسببت الفوضى، بل الهستيريا، حتى الآن. فقدت السيطرة على الوضع. وحدثت انتهاكات، وأعمال تصفية ضد التركمان، ولم يكن لنا فيها، كمنظمة، أي دور. بالعكس بذلنا أقصى ما نستطيع من جهود لحقن الدماء ولم نوفق".

"ومع ذلك وجه الاتهام إلى حزبنا وكانت هناك أوساط مستعدة لتقبل هذا الاتهام، إن لم تكن مستعدة لتلفيقه والنفخ فيه. ولفقت فعلاً صور عن فظاعات، وأرسلت إلى الزعيم امرأة على مستوى عال من البراعة في التمثيل. وزعمت أنها عُذبت، وشرعت بالتعري أمامه لتريه آثار التعذيب المزعومة. فأستثير الزعيم أيما استثارة ومنعها من ذلك. ولابد أنه صدّق ما زعمته. وألقى بعدها خطاباً في كنيسة مار يوسف استخدم فيه نعوتاً قاسية ضدنا. وبعد هذا الوقت الطويل الذي مر على الأحداث أستطيع أن أؤكد أن منظمة حزبنا لم تكن لها يد في ما حدث، ولا أستطيع أن أنفي ممارسات قد يكون أعضاء أو مناصرون لنا قد ارتكبوها بخلاف موقفنا"[14].

إن الشهادات المحايدة التي صدرت تؤكد ما ذهب إليه الرفيق عزيز محمد "بأن منظمة حزبنا لم تكن لها يد في ما حدث"، هذا فضلا عن أن قادة الحزب قد "فوجئوا بها مثل غيرهم"، كما مر بنا، على لسان جرجيس فتح الله. ومع الإقرار بدور دسائس الدوائر الاستعمارية وشركة النفط في أحداث كركوك، فللأحداث أسبابها الذاتية في المجتمع الكركوكلي"وعلى العموم، وبشكل عام، كما يقول بطاطو، عن حق، كانت جذور الضراوة الوحشية التي أمسكت بتلابيب المدينة تعود إلى العداوة المتأصلة بين الأكراد والتركمان"[15]. إن معالجة هذا الجذر وما نشأ عنه يتحمل مسؤوليته قادة الأكراد والتركمان في المدينة. وكان للشيوعيين دورٌ في الأحداث "لا كشيوعيين بل كأكراد" على حد تعبير بطاطو، عندما تصرفوا "خلافاً لموقف المنظمة". وهنا بالذات تكمن مسؤولية المنظمة. فقد كانت منظمة كركوك بالذات تحتاج إلى جهود مضاعفة، أكثر بعشرات المرات من أية منظمة أخرى من منظمات الحزب في العراق، في التثقيف بالثقافة الأممية. وتحتاج إلى اليقظة والحذر تجاه العناصر المندسة أو المتعصبة إزاء التركمان أكثر من أي منظمة أخرى. فهل قامت قيادة المنظمة بهذه المهمة وعلى الوجه المطلوب؟ إن تصرف بعض أعضاء المنظمة وأنصارها خلافاً لموقفها، دليل بيّن على تقصير قيادة المنظمة والإقليم، وهذا ما لم يشر إليه الرفيق عزيز محمد في مقاله. أما مسؤولية التصرفات الخاطئة للجماهير، وحتى الوحشية أحياناً، فهي ليست مسؤولية محلية فحسب، بل وتتحمل مسؤوليتها الحكومة والأحزاب الوطنية كافة ويتحمل حزبنا قسطه منها، باعتباره حزباً جماهيرياً كبيراً، وهذا ما عالجه تقرير الاجتماع الكامل للجنة المركزية في تموز والذي نشر بشكله الكامل في 28 آب 1959.

في الأجواء التي أحاطت بأحداث كركوك، انعقد الاجتماع الكامل للجنة المركزية. وكرّس حيزاً واسعاً في التقرير الصادر عنه لمعالجة الحركة الجماهيرية بعد ثورة 14 تموز تحت عنوان " الاندفاعات الخاطئة في الحركة الجماهيرية، أسبابها وعلاجها". يلاحظ التقرير أن الجماهير اندفعت في بعض الحالات للدفاع عن نفسها، يحّفزها في ذلك، الحرص الشديد على مكتسباتها، وعلى الجمهورية. إلاّ أن الجماهير الغاضبة كانت تذهب أحيانا، إلى حد التجاوز والتنكيل المفرط، وهو أمر لا يمكن الإقرار به. ويؤكد التقرير أن من الضروري دراسة أسباب هذه الاندفاعات دراسة جديّة، بغية تحديد آثارها لبذل جهد تثقيفي مثابر لتوجيه ثورية الجماهير الوجهة الصحيحة، وإلا، فإن التدابير العقابية وأساليب الزجر، لا يمكن أن تعالج هذه الظاهرة معالجة صحيحة. وأن معالجة مشكلة التطرف تقتضي جهداً تثقيفياً مستمراً. تساهم فيه كل القوى الوطنية.

ثم يشير التقرير إلى أن الحزب الشيوعي العراقي قد بذل جهداً خاصاً في هذا الشأن، إلا أن هذا الجهد لم يكن حازماً، ومن المحتمل أن تكون العناصر المندسة بين الجماهير قد استثمرت بعض هذه الاندفاعات، وساقتها في اتجاهات تدميرية أحياناً. إن " لجوء بعض الجماهير المتأخرة سياسياً إلى أساليب (السحل)، وتعذيب الموقوفين، ونهب الممتلكات، والتجاوزات على حقوق وحريات بعض المواطنين الأبرياء، هو أسلوب لا يجمعه جامع مع الكفاح الثوري الموجه ضد أعداء الجمهورية. وهو على النقيض تماماً من الأهداف النبيلة لحركتنا الوطنية، والسجايا الثورية الأصيلة لشعبنا وحزبنا"، "إن حزبنا ــ وهو يعمل في سبيل سعادة الشعب وطمأنينته وسلامته، ويتطلع إلى سعادة إنسانية شاملة ــ يشجب بحزم كل مظهر من مظاهر الانتهاك لإنسانية المواطن وحقوق الأفراد... ويؤكد على ضرورة احترام قوانين الجمهورية" [16].



[1] ـ راجع حنا بطاطو، العراق ـ الطبقات الاجتماعية والحركات الثورية، الجزء الثالث، ص223.
[2] ـ جرجيس فتح الله المحامي، "العراق في عهد قاسم"، الجزء الثاني، دار نبز للطباعة والنشر السويد ـ 1989، ص733. خط التشديد ليس في الأصل.
[3] ـ اوريل دان، "العراق في عهد قاسم" الجزء الأول، ترجمة جرجيس فتح الله، دار نبز للطباعة والنشر 1989، ص282. خط التشديد ليس في الأصل.
[4] ـ راجع جرجيس فتح الله، مصدر سابق، ص739، هامش رقم4.
[5] ـ د. عبد الفتاح علي بوتاني " من كان وراء حوادث الموصل وكركوك الدامية 8 آذار 14 تموز 1959؟" ص80. اقتبسه الكاتب إبراهيم الحريري في مقال مكرس لقراءة الكتاب المذكور، والمقال موجود على مستخدم google.
[6] ـ راجع عزيز سباهي، "عقود من تاريخ الحزب الشيوعي العراقي"، الجزء الثاني، ص435. راجع كذلك جرجيس فتح الله، مصدر سابق، ص734.
[7] ـ محاكمات المحكمة العسكرية العليا الخاصة ج18 ص265. راجع سباهي، مصدر سابق، ص435 والهامش رقم 6.
[8] ـ الحسني، تاريخ الوزارات العراقية في العهد الجمهوري، ج3 ص22. راجع سباهي، مصدر سابق، ص436، هامش رقم 7.
[9] ـ الحسني، مصدر سابق، 25. سباهي، مصدر سابق، ص436.
[10] ـ راجع سباهي، مصدر سابق، ص439 و443 وما يليها. تستند رواية سباهي للحادث على تقرير يعقوب مصري شاهد عيان وجرجيس فتح الله والتقارير الرسمية، بما فيها تقرير مدير الشرطة الذي ساهم في المسيرة، وقد شذبت منه بعض التفاصيل غير المهمة، وزودتها ببعض المعلومات من كتاب بطاطو. راجع بطاطو، مصدر سابق، ص227. (جاسم)
[11] ـ اوريل دان، مصدر سابق، ص 282، هامش رقم 1. راجع أيضا سباهي، مصدر سابق، ص 445.
[12] ـ جرجيس فتح الله. مصدر سابق، ص756. راجع كذلك سباهي، مصدر سابق، ص444 وما يليها.
[13] ـ راجع جرجيس فتح الله، مصدر سابق، ص758
[14] ـ مقابلة مع عزيز محمد أجرتها مجلة "الوسط" الصادرة في لندن العدد 288 التاريخ 4 آب 1997. عزيز سباهي، مصدر سابق، ص446 وما يليها. والهامش رقم 21.
[15] ـ بطاطو، مصدر سابق، ص224.
[16] ـ راجع سباهي، مصدر سابق، ص450 ـ 452. راجع كذلك ثمينة ونزار، مصدر سابق، نص التقرير، الملحق الأخير في الكتاب.