مغامرات كهيعص - رواية - 11

أمجد المصرى
2010 / 1 / 7

فى الصباح نهض العروسان منتشيين بعد ليلة زفافهما ، و فى البهو العـلوى تناولا الإفـطـار الذى وجداه معـدا لهما ، و احتسيا قدحى نبيذ معتق ، ثم عادا الى المخدع و أغلقا الباب لبعض الوقت ، بعدها خرج أزميل من خدره و دلف إلى وكره فأودع فى جواله مائة من الدنانير التى بأحد الصناديق و قلادة ذهبية كبيرة ، ثم عاد إلى المخدع فقدم القلادة إلى صوفيا قائلا : هذه هدية عرسك يا حبيبتى ، و طبع قبلة على وجنتها ، ثم ارتدى عباءة فوق ملابسه واعتمر عمامة كبيرة خضراء ، و قال لها : الآن ينصرف الشيخ نعمان ليرعى تجارته و يعود إليك أزميل قبل الغروب، فودعته صوفيا بابتسامة رقيقة قبل أن ينصرف
فى البهو السفلى وجد أزميل عامليه فى انتظاره يهنئانه بالزيجة الشريفة و بالأميرة سيدة القصر فبادرهما قائلا : كيف حالكما ؟ عليكما بترك الحراسة للرجال الثلاثة و التوجه الى سوق النخاسين ، أريد أربعين من الرجال الأشداء ، كما أريد ما لا يقل عن مائة رأس من الأغنام ، هذا الجوال به مائة دينار ، و بعد العـودة يأتينى ياقـوت إلى دار السيدة بهيجة ، هيا اسرعا بعد تجهيز فرسى
عباس : الفرس مجهز و فى انتظارك بالباب يا سيدى
انطلق أزميل على صهوة فرسه إلى دار بهيجة ، و هناك أخبر عاملا لها أنه الشيخ نعمان القبانى وقد جاء فى طلب مقابلتها فى شأن تجارة بينهما ، فقال له العامل : السيدة فى انتظارك منذ حين فتفضل بالدخول
نعمان : عمت صباحا يا سيدة بهيجة ، مالى أرى الإبل باركة بالخارج بلا عمل ؟
بهيجة : عمت صباحا يا شيخ نعمان ، تفضل بالجلوس ، ماذا عسانى أقدم لك قبل أن أصرف العامل ؟
نعمان : لا شيء ، دعينا نبدأ العمل
بهيجة ( بعد أن صرفت العامل ) : إن المصائب لا تأتى فرادى ، فقد تعرضت قافلة كنت أنتظرها للسطو و ليس لدى ما يكفى من البضائع ، المخازن شبه خاوية و الإبل باركة كما ترى
نعمان : أخبار محزنة حقا ، و لكن لا بأس يمكنك تشغيل بعض الإبل فى نقل صناديقى إلى القصر
بهيجة ( متجهة الى الخارج ) : نعم ، إنها فكرة جيدة ، سأعطى الأوامر بذلك و أعود فورا
نعمان ( بعد رجوع بهيجة ) : و ماذا عن السيد معمر ؟
بهيجة : مازال يغـط فى النوم ، فقـد عاد بالأمس حزينـا و روى لى كل ما كان معـه فى ذلك اليوم فى دار أبى قاسم ، و سوف أحكى لك بالتفصيل
نعمان : أرجوك أن تخبرينى بسرعة و دون إغفال لأى من التفاصيل ، فالتفاصيل هامة جدا
بعد أن استمع نعمان إلى ما روت بهيجة طلب إليها ألا تخبر معمر أن أزميلا قد حضر اليوم ، و أن تطلب إليه البقاء بالدار و عدم المغادرة .... ثم امتطى جواده و انطلق عائدا إلى قصره ، فوجد عامليه قد عادا بالعبيد و الأغنام . أمر أزميل عباس بالبقاء فى انتظار الصناديق القادمة على متون الإبل لتخزينها بالقبو حتى يعود ، بينما أمر ياقوت أن يمتطى الجواد ويغادر معه الى دار السيدة بهيجة ، و فى الطريق توقف أزميل و قال لياقوت : لتواصل السير و تلتقى السيدة بهيجة فتخبرها أن السيد أزميل فى الجوار يبتغى مقابلة السيد معمر ، ثم تنتظر حتى تأتى به إلى هنا .. خلع أزميل العمامة و العباءة و ألقى بهما على ظهر الجواد و جلس فى ظله ينتظر قدوم معمر الذى ما لبث أن أقبل بصحبة ياقوت ، فبادره أزميل قائلا : مرحبا بالسيد معمر ، تفضل بالجلوس لأسمع أخبارك
معمر ( و قد ترجل عن جواده ) : الأخبار ليست على ما يرام يا سيد أزميل
أزميل : إجلس يا معمر و ارو لى ما عكر صفوك و كدرك ، سأصمت و أنصت إليك حتى تنتهى ، إبق على بعد منا أيها الفارس ، تفضل يا معمر
بدأ معمر بالحكى ، و أزميل ينصت متظاهرا بأنه يسمع الرواية لأول مرة ، و معمر مستمر فى الحكى حتى انتهى
أزميل : لا تحزن يا معمر ، إطمئن و اهدأ بالا فأنت الرابح فى تلك الجولة
معمر : كيف ذلك يا سيد أزميل بعد كل ما كان ؟
أزميل : ثق أنك الرابح فى تلك الجولة ، و سوف ترى بأم عينك ، إذهب و خذ حارسيك و امض فى الأسواق و بين الناس كعادتك ، لكن الأفضل أن تقضى الأمسية بدارك ، لا فى ذلك الكوخ الحقير
معمر ( منصرفا ) : السمع و الطاعة ياسيدى ، متى أراك و كيف ؟
أزميل : لا تنشغل بهذه الأمور ، أنا الذى سيجدك
إمتطى أزميل صهوة جواده وانطلق إلى قصره و ياقوت فى أثره ، و لما اقترب من القصر تدثر بالعباءة و اعتمر العمامة و هناك وجد ستة صناديق قد وصلت على متون الإبل و أنزلت بواسطة رجاله أمام البوابة ، فأشار إلى أحدها مخاطبا عباس : هذا الصندوق يرفع إلى الطابق العلوى و الباقى يخزن بالقبو ، و لا يتم تخزين الصناديق التى بالطريق إلا بعد أن أحدد لك أماكن تخزينها
عباس : السمع و الطاعة يا سيدى
صعد أزميل ليلقى التحية على صوفيا التى فرحت لقدومه و قالت له : حسنا أن عدت مبكرا ياحبيبى ، فأجابها : لا لم أنته من عملى بعد ، ولكن مررت بالجوار فآثرت أن آتى لأراك و أنصرف ثم أعود قبل الغروب ، سيصعد الرجال ببضعة صناديق فأرشديهم لتخزينها فى هذه الغرفة التى ستكون مكتبة القصر ( و أشار الى الغرفة الخالية التى كانت مخزنا للحبوب ) ، أراك على خير قبل الغروب
هبط أزميل الدرج ، و خارج البوابة استدعى ياقوتا ، وسار و ياقوت فى أثره صوب ربوة على بعد قبالة القصر ، و فى الطريق بدأ بينهما حوار استمر بعد وصولهما
أزميل : كم لدينا من الرجال يا ياقوت ؟
ياقوت : اليوم اشترينا أربعين رجلا كأوامرك يا سيدى ، و بباقى المال اشترينا مائة و ستين رأس غنم
أزميل : أصبح لدينا ثلاثة و أربعون رجلا ، لكن العمل كثير و المهام عاجلة
ياقوت : ننتظر أوامرك فنبدأ التنفيذ فورا يا سيدى
أزميل : أنظر الأرض المنبسطة أمامك حول القصر يا ياقوت ، علينا الاسراع بتشييد مخازن لتجارتنا ، و علينا تشييد مأوى للرجال فلن يعيشوا بمربط الخيل إلى الأبد ، و علينا حفر بئر ماء فيشرب الرجال و تشرب الأنعام و تروى الزراعة التى ستملأ المكان ، و علينا حفر بئرين هنـاك جهة الشرق لقضاء الحاجة ، أمامنا الكثير من العـمل يا ياقوت لـنـنجزه
ياقوت : ننتظر أوامرك فنبدأ التنفيذ على الفور يا سيدى
أزميل ( هابطا الربوة و ياقوت فى أثره ) : هيا نستخدم بعض الأحجار كعلامات ، ضع حجرا كبيرا هنا و آخر قبالته هناك ثم اتبعنى ، و ضع حجرا هنا و حجرا هناك قبالته ، هذه الأحجار الأربعة هى حدود مخازن البضاعة التى ستشيد بالأحجار و أسطحها من الجذوع و الجريد ، و هناك فى المنخفض يكون بئر الماء
ياقوت : اليوم نبدأ فور تخزين الصناديق
أزميل : اليوم يستريحون بعد تخزين الصناديق ويبدأ العمل الجاد فى الصباح
عباس ( مهرولا نحوهما و بيده لفافة مطوية ) : سيدى ، هذه رسالة من السيدة بهيجة ينتظر حاملها جوابا
أزميل (طاويا الرسالة بعد أن قرأها ) : إصرفه يا عباس و جهز فرسين ، سأنطلق و معى ياقوت لأعالج الأمر ، ثم استرسل بعد انصراف عباس : سأعطيك رسالة يا ياقوت تسلمها ليد السيدة بهيجة ، و تسرع بالعودة فتذبح و تشوى حتى أعود
صعد أزميل الى الطابق العلوى و دلف إلى وكره ، و جلس يحرر رسالة إلى السيدة بهيجة ، و أغلق باب الوكر و هبط مسرعا فأعطاها لياقوت و صرفه ، ثم التفت الى عباس مخاطبا : هذا الصندوق أيضا يرفع إلى المكتبة ، و الباقى إلى القبو ، كم صندوقا مازلت تنتظر يا عباس ؟
عباس : كلها وصلت يا سيدى و غادرت الإبل ، و بعد قليل ينتهى التخزين
أزميل ( معتليا صهوة فرسه ) : سأعود بعد قليل تكون قد أنهيت عملك
انطلق أزميل إلى كهف الشيخ يرقة حتى بلغه ، فقابل الشيخ و أطلعه على رسالة بهيجة التى تنقل إليه إلحاح معمر فى طلب لقائه ، و أبلغ أزميل الشيخ أنه رد على بهيجة برسالة يأمرها بمغادرة الدار للإقامة ببيتها القديم و أن ترسل معمرا للقاء الشيخ فى الكهف
يرقة : ماذا عساه قد لاقى حتى يتلهف هكذا للقائك ؟
أزميل : علمت أن بعض العبيد قد فروا من دار أبى قاسم و لجأوا إلى دار بهيجة ليلازموا معمرا ، فقد آمنوا به بعد ما رأوا و سمعوا ما كان بالأمس ، أرى أن تسمع منه و تبلغه رسالة تخبره أنها منى ، وتعطيه بعض النصائح
يرقة : أرى الأمور تسير كالمرسوم لها تماما ، و لكن لماذا لا تبقى لنلقاه سويا ؟
أزميل : تعلم أن عروسى بانتظارى أيها الشيخ الفاهم ، و فى الصباح ألقاك هنا لتخبرنى بما كان بينكما

يرقة : صاحبتك السلامة

إنطلق أزميل عائدا إلى قصره ، و هناك وجد عامليه بانتظاره يباشران الشواء ، وقد انتهيا من تخزين الصناديق و إيواء الخدم ، فصعد الدرج قاصدا التأهب لتناول الطعام بصحبة صـوفيا