حكايتى مع نون

أمجد المصرى
2010 / 1 / 3


ذهبت بالأمس لأداء واجب العزاء لصديق مات والده ، و أثناء جلوسى بقاعة العزاء فى دار المناسابات ، دخل رهط من البشر بصحبة ( شيخ / قارئ قرآن ) جاء ليشنف الآذان بما تيسر من محفوظاته

جلس الشيخ القارئ فى المكان المخصص له خلف الميكرفون ، و طلب كوبا من الينسون احتسـاه قبل أن يبدأ الوصلة ، بعدها خلع الشيخ نعليه و اعتلى بقدميه فوق المقعد و ثنى ركبتيه فجعل كعب يمناه تحت فخذه الأيسر و كعبه الأيسر تحت فخذه الأيمن ، كجلسة الكاتب المصرى القديم ، ثم مد يده وضبط صوت الميكروفون ، و تنحنح أمامه نحنحة خبير أصوات ، ثم افتتح قراءته بالبسملة ، و بعدها قال : ن و القلم و ما يسطرون

لم أفهم ما قال بعد البسملة ، و لم أسمع ما قال بعد ذلك ، فقد سرحت بفكرى فيما سمعت و لم أفهم ، بينما انتبهت الى أصوات آهات الطرب من بعض الحاضرين ، ظللت أفكر - بينما الشيخ يعوى - فى معنى تلك النون و فى علاقتها بالقلم ، و علاقتهما بما يسطرون رغم أن الذين يسطرون مجهولون ، سكت الشيخ بعد أن أنجز وصلته الأولى ، و تناهى الى سمعى من يخاطب جاره حانقا : لماذا رفعها وهى مجرورة ؟ فقال له جاره : تنفع كده و تنفع كده ، فسألت صديقا بجوارى علام يختلفان ، فأجابنى بأنهما يتناقشان حول الـنــون

أعجزنى الحياء عن الاستفسار عن معنى هذه النون ، فغادرت عازما على اللجوء للشبكة العنكبوتية

على الانترنت وجدت ( سورة القلم ) طويلة عريضة كأخواتها ملأى بكلام عجيب عن المجنون و المفتون والممنون و غير ذلك ، فقررت الاكتفاء بالآية الأولى التى قرأت فى تفسيرها الآتى

-----------------------------------------------

أخرج النحاس وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال ‏:‏ نزلت سورة ‏{‏ن والقلم‏}‏ بمكة‏.‏

الآية الأولى : ن و القلم و ما يسطرون

أخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة والحاكم وصححه والبيهقي في الأسماء والصفات والخطيب في تاريخه والضياء في المختارة عن ابن عباس قال‏ قال رسول الله :‏ إن أول شيء خلق الله القلم، فقال له‏:‏ اكتب، فقال‏:‏ يا رب وما أكتب‏؟‏ قال‏:‏ اكتب القدر، فجرى من ذلك اليوم ما هو كائن إلى أن تقوم الساعة، ثم طوي الكتاب وارتفع القلم، وكان عرشه على الماء، فارتفع بخار الماء ففتقت منه السموات ثم خلق النور فبسطت الأرض عليه، والأرض على ظهر النون، فاضطرب النون، فمادت الأرض فأثبتت بالجبال، فإن الجبال لتفخر على الأرض إلى يوم القيامة، ثم قرأ ابن عباس ‏{‏ن والقلم وما يسطرون‏}‏‏.‏

وأخرج ابن جرير والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏إن أول ما خلق الله القلم والحوت قال‏:‏ اكتب قال‏:‏ ما أكتب‏؟‏ قال‏:‏ كل شيء كائن إلى يوم القيامة، ثم قرأ ‏{‏ن والقلم وما يسطرون‏}‏ فالنون الحوت والقلم القلم‏"‏‏.‏

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والترمذي وصححه وابن مردويه عن عبادة بن الصامت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"‏إن أول ما خلق الله القلم، فقال له‏:‏ اكتب، فجرى بما هو كائن إلى الأبد‏"‏‏.‏


وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن ابن عباس قال‏:‏ أول ما خلق الله القلم فأخذه بيمينه، وكلتا يديه يمين، وخلق النون، وهي الدواة، وخلق اللوح، فكتب فيه، ثم خلق السموات، فكتب ما يكون من حينئذ في الدنيا إلى أن تكون الساعة من خلق مخلوق أو عمل معمول بر أو فجور، وكل رزق حلال أو حرام رطب أو يابس‏.‏

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏ن والقلم‏}‏ قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏النون السمكة التي عليها قرار الأرضين " والقلم القلم

وأخرج الحكيم الترمذي عن أبي هريرة قال‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"‏إن أول شيء خلق الله القلم، ثم خلق النون، وهي الدواة، ثم قال له‏:‏ اكتب قال‏:‏ وما أكتب‏؟‏ قال‏:‏ ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة، من عمل أو أثر أو رزق، فكتب ما يكون وما هو كائن إلى يوم القيامة، وذلك قوله‏:‏ ‏{‏ن والقلم وما يسطرون‏}‏ ثم ختم علي في القلم فلم ينطق، ولا ينطق إلى يوم القيامة، ثم خلق الله العقل، فقال‏:‏ وعزتي لأكملنك فيمن أحببت ولأنقصنك فيمن أبغضت‏"‏‏.‏

-----------------------------------------------------

الخلاصة

نـــــــــــون عند الرواة المفسـرين و فى الأحاديث المحمدية هى : الدواة ( لزوم القلم ) ، أو اللـــوح المـحـفـوظ ( لزوم القلم ) ، أو السمكة التى عليها قرار الأرضين ، أو الحوت الذى كبس الله على ظهره الأرضين السبع و لما اضطرب مادت الأرض فثبتتها الجبـال و ظلت الجبال و سـتظل تتفاخر على الأرض بذلك الى يوم القيـامة ( شـوف إزاى ) هذا بخصوص النـون .... أما القلم فله حكايات أخرى ، إنه يتكلم و يفهم و يحاور خالقه و ينفذ أوامره و يعلم الغيب وغير ذلك من المواهب التى لا تتوفر سوى للنبهاء من الأقلام " ثم ختم علي في القلم فلم ينطق، ولا ينطق إلى يوم القيامة " ........ ثم خلق الله العقل، فقال ‏:‏ وعزتي لأكملنك فيمن أحببت ولأنقصنك فيمن أبغضت‏"‏‏.‏

و أستأذنكم فى ترك مسألة العقل لنناقشها فى مقال آخر