احترام رأي المخالفين نص في النظام الداخلي مصدر عافية ونجاح لحزب الشيوعيين

جاسم الحلوائي
2010 / 1 / 2


نشرت بعض المواقع الالكترونية مقالة باسم هادي گاطع المالكي تحت عنوان تهكمي وهو "آباء الشيوعية والنحت في الحجر!"
إن لحمة المقالة وسداها هما دفاع كاتب المقالة عن مقالة الكاتب رضا الظاهر المعنونة " ننحت في حجر .. هذا هو مجدنا !". ومن اللافت للنظر ومن المفارقة أن الكاتب لم يعرف نفسه وبدا مجهولاً وهو يدافع عن كاتب معروف لا يحتاج إلى محامي. والأنكى من ذلك أنه يناقش بأسلوب لا يخلو من تهكم يربأ الكاتب رضا الظاهر بنفسه اللجوء إليه في حواره مع رفاقه، حسب معرفتي ومعرفة الآخرين بخلقه الجم.
في تعليقي على مقالة الرقيق رضا الظاهر قلت " ولست بصدد التوقف عند كل ما جاء في المقالة [بعد أن أعطيت رأيا عاماً بها] ولكنني أود تناول قضية واحدة وردت في المقالة أعتبرها هامة جداً. فقد جاء في التعليق ما يلي: " لن نختار مقاطعة الانتخابات، كما يدعو متطرفون وعدميّون، لأن هذا الاختيار لن يعني سوى الخنوع والانعزال عن الناس والحياة".
وعلقت على ذلك،مخاطباً الظاهر، بالقول: لابد وأنك على علم بأن الرأي الداعي للمقاطعة موجود داخل الحزب أيضاً، وليس من الصحيح اعتبار الرفاق الذين يحملون هذا الرأي بأنهم متطرفون وعدميون، وينبغي "تكفيرهم".

فالنظام الداخلي للحزب ينص على "الاستماع إلى الآراء المخالفة واحترامها والاستفادة منها". من الضروري محاججة هؤلاء الرفاق ولكن ليس من الصحيح عدم احترام آرائهم".

إنني لست من دعاة مقاطعة الانتخابات وقد كتبت مقالة عنوانها "كل صوت أينما كان مهم لقائمة اتحاد الشعب". ولكنني لا أرى من الصواب قمع الآراء المخالفة لسياسة الحزب.
لقد جاء في مقال الكاتب هادي گاطع المالكي ما يلي"ومنذ متى كانت محاولة دحض او تفنيد آراء الأقلية، قمعاً لها؟ ألا يحقّ للظاهر، كما لغيره أن ينتقد، ويفند، ويوصِّف آراء الآخرين، أقليةً كانوا أم أكثرية؟ ألم يفعلها فهد وسلام عادل في صراعهما مع الأقلية؟ والرفيقان العزيزان، [كاظم حبيب وجاسم الحلوائي]، عندما كانا يمارسان مسؤولياتهما القيادية ، كيف تصرفا، إزاء أصحاب المواقف الانتهازية اليمينية أو اليسارية،؟ كيف كانا يصفانها؟ على سبيل المثال".
وهنا أيضاً سوف أتوقف فقط عند المسألة التي توقفت عندها في تعليقي على مقال الظاهر والمتعلقة بكيفية التعامل مع الأقلية ورأيها. وهذه القضية هي ركن أساسي في الديمقراطية والتجديد اللذان حصلا في الحزب في مؤتمره الوطني الخامس المنعقد في عام 1993. فقد جاء قي تقرير المؤتمر السياسي والتنظيمي ما يلي: " ومن جوانب إشاعة الديمقراطية في حياة الحزب الموقف من الرأي الآخر، رأي الأقلية، فنحن الآن أكثر احتراما وسعة صدر في التعامل مع الرأي المخالف، وسعينا ونسعى لضمان حقه بالتبشير بقناعاته في الصحافة الحزبية".
إن الكاتب هادي، كما أشرنا، يتساءل، "ومنذ متى كانت محاولة دحض أو تفنيد آراء الأقلية، قمعاً لها؟ ألا يحقّ للظاهر، كما لغيره أن ينتقد، ويفند، ويوصِّف آراء الآخرين، أقليةً كانوا أم أكثرية؟ أنا الآخر لا أعتبر ذلك قمعاً، بل اعتبرته أمراً ضرورياً بقولي " من الضروري محاججة هؤلاء الرفاق ولكن ليس من الصحيح عدم احترام آرائهم". والمحاججة تشمل النقد والدحض والتفنيد، ولكن ليس الإدانة والتكفير. فهذه الممارسة لم تبررها تجارب الأحزاب الشيوعية ولا غير الشيوعية، وهي ممارسة خاطئة كنا نمارسها اتجاه الآراء المخالفة لسياسة الحزب قبل التجديد ضمن الثقافة الحزبية والبناء الحزبي الذي قامت عليه كل الأحزاب الشيوعية والتي شاع فيها نعوت اليسارية واليمينية والانتهازية ونغمة "الارتداد" وسواها. وقد خلت أدبيات الحزب الشيوعي العراقي منها منذ عام 1993 في معالجاته الفكرية الداخلية. إن وصف المخالفين داخل الحزب بالعدميين هو أسوء من كل تلك النعوت الخاطئة التي حدّت من النقاش وتبادل الرأي، والتي تخلينا عنها في الحزب الشيوعي العراقي منذ مؤتمره الوطني الخامس. فأي احترام للرأي في مثل هذا الوصف ؟ واحترام رأي المخالفين نص في النظام الداخلي وهو ملزم للجميع بدون استثناء.
ويتساءل الكاتب هادي أيضاً: "ألم يفعلها فهد وسلام عادل في صراعهما مع الأقلية؟ والرفيقان العزيزان، [كاظم حبيب وجاسم الحلوائي]، عندما كانا يمارسان مسؤولياتهما القيادية ، كيف تصرفا، إزاء أصحاب المواقف الانتهازية اليمنية أو اليسارية،؟ كيف كانا يصفانها؟ على سبيل المثال".
هذا هو بيت القصيد، إذن هو حنين لما هو سلبي في الماضي، حنين إلى زمان غير زماننا وإلى لغة خاطئة كانت شائعة في الحركة الشيوعية العالمية وكنا جزءاً لا يتجزأ منها، ولم يستخدمها قادة الحزب فقط، بل وجميع من كان عضواً في الحزب قبل تجديده بمن فيهم كاظم حبيب وجاسم الحلوائي. إن المقولة الفلسفية تؤكد أن "التجربة محك الحقيقة"، وإن التجربة أشارت إلى خلل في بعض المفاهيم والممارسات في حركتنا. ولذا جدير بنا أن نتعلم من ما هو ايجابي في تاريخ الحزب الشيوعي العراقي وقادته الأماجد فهد وسلام عادل، لا من ما هو سلبي ولم تبرره الحياة وخطأناه من ذلك التاريخ المجيد. وإذا يرغب كاتب المقالة معرفة رأيي بما هو سلبي وايجابي في تاريخ الحزب وقادته فأنني أحيله إلى كتابي الذي صدر حديثاً تحت عنوان "محطات في تاريخ الحزب الشيوعي العراقي". والكتاب موجود في مكتبة التمدن وكذلك مكتبتي موقعي الناس وينابيع العراق.
إن تجديد الحزب ودمقرطته هما عملية ضرورية وصحيحة بلا ريب، ولو كان الرفيقان فهد وسلام عادل بيننا لكانا على رأس المجددين، لأنهما كانا الأكفأ بين قادة الحزب الآخرين باعتراف معاصريهم. إن المناقشة المسؤولة هي ينبوع لأي حزب في تطوير قدراته، ولكن التهكم ما هو إلا ضرب من القمع.
2 كانون الثاني 2010