هل كسوف بعض -نُخَب- لبنان بلا شفاء؟*

حبيب فارس
2009 / 12 / 30

في نص هو أقرب إلى "الموعظة الكنسية" منه إلى المقالة السياسية بعنوان "هل كسوف مسيحيي لبنان بلا شفاء؟" (النهار 06/11/2009)، يحاول الأستاذ سمير فرنجية تفنيد أسباب هذا "الكسوف" وتبشيرنا بـ"الشفاء" منه، من خلال ما يشبه "خارطة طريق" ليس جوهرها أكثر من "وداوني بالتي كانت هي الداء"، مع اختلاف خمرة أبي نوّاس، نوعاً ومغزى، عن خمرة الأستاذ فرنجيّة الطائفية قاتلة محتسييها وندمائهم وأهل بيتهم من مخمورين وغير مخمورين.

يبدأ المقال/الموعظة بالإجابة عن سؤال له من قبل "شخصية مسيحية مرموقة، أكنُّ لها كل التقدير والإحترام" وينتهي دون أدنى شك من القارىء بأن "الشخصيّة المسيحيّة المرموقة" ليست سوى الكاتب نفسه أي الأستاذ فرنجيّة، الذي يعلن بما يشبه اليقين بأنه "على قاعدة هذه الإلتزامات الأخلاقية والثقافية والوطنية والإنسانية نستطيع، نحن المسيحيين، أن نأمل في إستعادة الدور الذي كان لنا...". لكن قبل محاكمة مضمون خاتمة المقال المتطلعة باسم "نحن المسيحيين" إلى التشييد "مع اللبنانيين الآخرين مستقبل سلام لجميعنا، على أساس ثقافة الوصل، فنعود بذلك الى معانقة، الحلم اللبناني، الذي أبصر النور ذات يوم من عام 2005". قبل ذلك، من الضروري تسجيل بعض النقاط الأساسية التي تضمنها المقال، بدء بميل الكاتب إلى "جواب قد يؤكد مخاوف هذا السؤال الوجودي..."، مروراً بأسئلة:"لماذا وصلنا الى هنا؟"، "هل تراجُع المسيحيين اللبنانيين إذاً حالةٌ ميؤوسٌ منها؟"، "هل يجب ان نستسلم للأمر الواقع ونتقبله؟" و"هل بامكاننا اليوم أن نأمل بتغيير مجرى الأحداث وأن نصعد التلّة؟" وصولاً إلى الأجوبة عليها، المفعمة بالتناقضات الصارخة والحجج غير الموضوعيّة.

يؤكد الأستاذ فرنجية بأنه "لم يعد لدينا [نحن المسيحيين] رؤية واضحة لمستقبل لبنان ولمستقبلنا فيه"، ليجزم فوراً بأنه "مع أننا كنا أول المبادرين إلى طيّ صفحة الحرب من خلال السينودس من أجل لبنان (1995) والإرشاد الرسولي (1997)، بالإضافة إلى دور كنيستنا الحاسم في تثبيت اتفاق الطائف لسلام لبنان. ومع نداء المطارنة الموارنة (20 ايلول 2000) ولقاء قرنة شهوان (30 نيسان 2001) كنا ايضاً أول المنخرطين في معركة الإستقلال الثاني". لكنّ المفارقة لا تتوقف وحسب على عدم دقة "مع أننا كنا أول المبادرين إلى طيّ صفحة الحرب" بدليل التصريحات والمواقف المتعاقبة لسيد الكنيسة نفسه وبعض زملاء الأستاذ فرنجية في "الأمانة العامة لـ 14آذار" من الصقور و"الميليشياويين السابقين" والتي لا تخلو من استحضار "أمجاد تلك الحرب"، بل والإسهام بتهيئة ظروف تجديدها، كلما "دقّ الكوز بالجرّة". وتتجاوز هذه المفارقة الإدعاء أعلاه إلى الإدعاء الذي تتضمنه نفس الفقرة من المقال"كنا ايضاً وايضاً في طليعة مسيحيي الشرق الذين دعوا إلى التمييز الصريح بين الدين والدولة، إلى حدّ الفصل، مطالبين بإقامة دولة مدنية في لبنان؛ وذلك من خلال المجمع البطريركي الماروني (ايار 2006)". فإن كان بوسع القارىء الإعتراف بهذا الإدعاء، سيكون من المستحيل عليه "هضم" صدقيّة مضمون هذه الدعوة من قبل الصرح الدينيّ الذي لا يكاد يفوّت فرصة واحدة دون التذكير بأن "مجد لبنان أعطي له". بيد أنّ المفارقة الأهمّ هي في محاولة الأستاذ فرنجيّة إقناعنا بما نشك بأنه هو ذاته مقتنع به.

في معرض الإجابة عن سؤاله " هل بامكاننا اليوم أن نأمل بتغيير مجرى الأحداث وأن نصعد التلّة؟"، يجيب الأستاذ فرنجية بنعم: "نعم، إذا عدنا الى جوهر رسالة الإنجيل المقدس الذي يكرّم الإنسان انطلاقاً من فرديته وفرادته لا من قطيعيته، والذي يعلّم الناس كيف يتجنّبون السقوط في فخ العنف ليعيشوا معاً بسلام. ذلك أن إنسانية الإنسان الفرد لا تتحقّق وتتجوهر إلا بوجود ‘الآخر‘. نعم، إذا تمكنّا، على قاعدة قيمنا الأصيلة، من وضع حدّ لهذا التزاحم المجنون حيث يطمع كل منا بما لغيره، واذا تمكنّا من مغادرة الثأر كي، ندع الموتى يدفنون موتاهم. نعم، اذا تمكنّا من الإجابة عن السؤال الجوهري الذي يحدّد مصيرنا: ‘كيف نعيش معاً، متساوين في الحقوق والواجبات، ومختلفين في إنتماءاتنا الدينية واختياراتنا الشخصية‘".

كلام جميل هذا الذي يبوح به "ماركسيّ" سابق و"علمانيّ" إلى يوم الدين! والأجمل منه تساؤلاته اللاحقة "كيف نعيش معاً، متخفّفين من مخاوفنا الطائفية الموروثة، وغير باحثين عن ‘أمان‘ زائف داخل قبيلة ما، أكانت قبيلة طائفية أو حزبية، تقليدية أو ‘حديثة‘، متوارثة أو مختارة، محكومة لرمزية دينية أو محدودة بلون أو راية؟ كيف نعيش معاً من دون تشكيك متبادل، ومن دون أن نجعل من الفروق سبباً لتراتبية تخوّلنا السيطرة على ‘الآخر‘ أو إقصاءه. كيف نعيش معاً مدركين أن العلاقة مع الآخر ليست ضرورة تفرضها الحياة المشتركة في مجتمع متنوع فحسب، بل هي أيضاً وخصوصاً مصدر غنى لكل منا ولجميعنا".

غير أنّ الأستاذ فرنجية وفي معرض توصيفه للـ"دواء" أوقع نفسه في جملة من المتناقضات تجعلنا لا نجد الوصفة في أية صيدليّة منطق كي لا نقول منهج - علميّ. ليس أقلّها "إعادة نسج الروابط في ما بيننا كمسيحيين"،"توحيد كنائسنا في ‘كنيسة العرب‘ التي تحدّث عنها الأب يواكيم مبارك، والتي بإمكانها التعاون المخلص مع الإسلام لتجديد الشرق، هذا الشرق الإسلامي المسيحي، كما تستطيع إقامة علاقة أكثر توازناً مع الكنيسة الغربية التي تشعر اليوم بحاجة للعودة إلى الينابيع المشرقية (...) بعد أن اضحت هذه الكنيسة اكثر فلسفية واكثر قانونية واكثر تنظيماً". "كذلك علينا أن نساهم في إعادة نسج الروابط بين الطوائف اللبنانية جميعاً، لا سيما بين المسلمين..."، "علينا أيضاً أن نساهم في إعادة نسج الروابط وتمتينها بين لبنان والعالم العربي..."،"علينا اخيراً المساهمة في تصويب وتمتين العلاقة بين العالمين العربي والغربي، على أساس مقاربة ذات أبعاد ثلاثة:
• بُعد السلام، استناداً الى مبادرة السلام العربية التي انطلقت من قمة بيروت (2002) ...
• بُعد الحوار بين الديانات التوحيدية الكبرى الثلاث....
• بُعد متوسطي، حيث يستطيع العرب أن يقدّموا نموذجاً لخبرة أصيلة في العيش المشترك ترقى الى تجربة مضيئة في تاريخهم، ألا وهي تجربة الأندلس".

ليس أدلّ على مجانبة الخطاب أعلاه للحقيقة، أكثر من الخطاب "الأربعتعشآذراي" (والأستاذ فرنجيّة من مبتدعيه) بمواجهة زيارة الجنرال ميشال عون للمقدسات المسيحيّة في سوريا. ناهيك عن ربط سيد بكركي مؤخراً زيارته الرعوية لسوريا، مباشرة بمواقفه السياسة.

إلى جانب الإستناد الأساسي للمشروع اللبناني – العربي "السميرفرنجيي" إلى "دورنا نحن كمسيحيين" وإلى مبادرة الأمير/الملك عبدالله المتداخلة مع البعد المتوسطي (تجميل لمشروع الشرق الأوسط الكبير البائد)، دون نسيان "المساهمات الرائدة في هذا المجال مع ميشيل شيحا وجورج نقاش ورينه حبشي وآخرين كُثُر"، من الواضح تقديم قضايا من نوع وحدة المسيحيين في لبنان، الحوار بين الديانات التوحيدية الكبرى الثلاث ، والنموذج العربي لخبرة أصيلة في العيش المشترك (إسرائيل معنية بالبعد المتوسطي، حوار الديانات الكبرى الثلاث، العيش المشترك)، على الحلول العادلة للقضايا والنزاعات الإقليمية الكبرى المتداخلة، وفي مقدمتها حقوق الشعب الفلسطيني.

بالرغم من العديد من الإعترافات التي يمكن أن تدرج في خانة النقد الذاتي (الذي تلغيه فوراً رؤى ومضامين المقال)، فإنّ أول ما يتبادر لذهن القارىء هو أن الأستاذ فرنجيّة يعرف بالتأكيد، الحقائق الأهمّ التي لم يتضمنها مقاله. وأكثر ما يستدعي التساؤل هو المرامي الفعليّة للمقال، خاصة وأن الكاتب لم ينس تذكيرنا بـ"هذا الفصام (شيزوفرينيا) الذي نلاحظه في المواقف، حيث المطالبة بالشيء ونقيضه في آن واحد...". فهل أكثر بلاغة ودلالة على هذا الفصام "المطالبة بمحاكمة الفاسدين ورفض محاكمة القتلة!..." على حدّ توصيف الأستاذ فرنجية، من التنظير لشفاء مسيحيي لبنان من الكسوف كشرط لـ"التمييز الصريح بين الدين والدولة... وإقامة دولة مدنيّة في لبنان"؟! أم أنه أكثر بلاغة ودلالة على هذا الفصام أن يعيب الأستاذ فرنجية على اللبنانيين البحث عن "أمان زائف داخل قبيلة ما، أكانت قبيلة طائفية أو حزبية" في مقال يعبق من أليفه إلى يائه بدفء الكاتب داخل ذات "الحُضن" من "الأمان"؟! من المشكوك به إمكانية إ/ شفاء "نخب" اختارت، عن سابق وعي وعمد وإصرار، هذا النوع من الكسوف!