مغامرات كهيعص - روايه ( 8 )

أمجد المصرى
2009 / 12 / 22

قضى أزميل ليلته مؤرقاً يتقلب فى فراشه تتناوبه الأفكار , منشغلاً بأمر القصر و كيف ألهاه عن المضى فى خطته التى جاء من أجل إتمامها , و ما أن إنبلج الصبح و غزا النور أرجاء المنظرة حتى نهض إلى صندوق له , أخرج منه صحائف كتابه و أقلام بوص و محبره . إعتدل أزميل على مقعده أمام المنضده و بسط صحيفه دوَّن عليها صك مبايعة و إنتقال حيازه إنتقل بموجبه ذلك القصر من ملكية قاعود الحارث إلى ملكيته , و زين الصك بأختام تواقيع و بصمات أصابع , ثم رفع الصحيفه بحرص و بسطها على فراشه تحت الشمس تجففها , و عاد الى منضدته فبسط صحيفة أخرى طفق يحرر عليها صك شراكة و مرابحه بين أطراف ثلاثه هم : أزميل بن شولح - المكنى بـ(نعمان القبانى السكندرى) , و بهيجه بنت قويلح بن قسوره , و كهيعص بن عبد اللات الداحسى - المكنى بـ(معمر),حدد فيه المهام و حصص الأطراف من العوائد .

عندما سمع أزميل طرقاً على الباب أسرع بطى لفائفه و إلقائها بالصندوق , ثم هرع لفتح الباب
بهيجه : عمت صباحاً يا عزيزى , إنى أتأهب للمغادره , و أردت الاطمئنان قبل ذهابى أن شيئاً لا يعوزك
أزميل : عمت صباحاً خالتى العزيزه , أحسنت صنعاً , فأنا أريد إفطاراً يكفينى و الصبيه صوفيا , كما أريد أن تجهَّز راحلتى
بهيجه : على الرحب و السعه , أتريد شيئاً آخر ؟
أزميل : أين معمر ؟ و فيم يقضى وقته ؟
بهيجه : معمر منذ حاز اسمه الجديد يقضى نهاره جائلاً بين الناس على صهوة فرسه فى ثياب الوجهاء بحسب أوامرك , و الحارسان فى أثره يناديانه يا سيد معمر.. يا سيد معمر , و أمسيته يقضيها كعادته مع رفقاء فى كوخ قريب يحتسون الشراب و يتسامرون , أما اليوم فسأرسله إلى سوق النخاسين ليخلصنى من صفقة تورطت فيها.
أزميل (مستفسراً) : أية صفقه ؟
بهيجه : ثلاثة عبيد و اثنتين من الإماء إبتلانى بهم تاجر رذيل كبقية ثمن بضائع , كم أمقت تجارة العبيد .
أزميل : كم كلفتك صفقة العبيد التى عكرت صفوك ؟
بهيجه : ثمانية دنانير , العبد بدينارين و الأمة بدينار
أزميل : أنا قد إشتريتهم , و لك فى ذمتى ثمنهم و ربحك أيضاً , دعى معمراً يقضى نهاره كما اعتاد و عند الغروب يلتقى ثلاثتنا
بهيجه : هو كذلك , دعنى أذهب لأرسل إفطارك و أكلف مَن يجهز لك الراحلة قبل إنصرافى
أزميل ( مودعاً ) : صحبتك السلامه
أقبلت جاريتان فوضعتا طعام الإفطار على المنضده و إنصرفتا
أزميل ( قارعاً باب صوفيا برفق ) : صباحاً مشرقاً يا صغيرتى , هلا شاركتنى إفطارى ؟
صوفيا (فاتحة الباب) : صباحك أكثر إشراقاً , إنى حقاً جائعه , هيا بنا .
أزميل (يناولها كأساً) : هل واتاك النوم بعد سهرة الأمس ؟
صوفيا : نعم , نعمت بنوم هادئ و أشعر الآن بالراحه
أزميل : بعد قليل سأغادر لإنهاء عمل بدأته بالأمس ، لعلى أنتهى منه فأعود قبل الغروب .
صوفيا : عندما تعود ستجدنى قد رتبت المنظرة و أعدت لها رونقها .
أزميل : أوافقك بشرط البدء بترتيب مخدعك أولا .
صوفيا : هو كذلك ، أنتظر عودتك سالما ... ثم انصرفت إلى مخدعها .

أسرع أزميل بارتداء ثوب جارية فوق ملابسه ، و هبط فحلَّ عقال راحلته وغادر متجها إلى القصر ، و فى الطريق خلع ثوب الجارية و اعتلى متن ناقته متخذا طريقه إلى القصر . عند بوابة القصر أناخ أزميل راحلته و أوثق عقالها ، و ولج فوجد خادميه يستقبلانه و قد فرغا من ترتيب و تنظيف البهو الذى بدا بديعا و قد أضيئت قناديله و أزيل التراب عن أرضه و أثاثه .
أزميل : عمتما صباحا ، كيف حالكما ، أحسنتما صنعا ، آن لكما الذهاب لتناول الإفطار فى مكان قريب ، هذا دينار لكل منكما مكافأة على عمله ، أتتذكران أننا لم ننجز شيئا فى شأن أبى قاسم حتى الآن ؟
أجاب أحدهما : لم ننس ذلك يا سيدى .
أزميل : ليكن اليوم ، بعد أن تتناولا إفطارا فى الطريق إذهبا لإعادة الكـرّة
بعد انصراف الرجلين على صهوة الفرس ، أغلق أزميل البوابة بالمزلاج و توجه من فوره إلى حيث جذوع النخل المتراصة التى تخفى القبو فوجدها مغطاة ببساط وضعه الخادمان ، و لما رفعه وجد الجذوع كما تركها ، فأعاد البساط إلى موضعه و تنفس الصعداء .
صعد أزميل إلى الطابق العلوى يتفقده ، فوجد أربعة أبواب مغلقة فتحها الواحد تلو الآخر ليلقى نظرة على الغرف ، فى المخدع وجد فراشاً و ثيراً و تأثيثاً ثرياً و ستائر مخملية تتدلى على النوافذ ، و حوض اغتسال ... ... فى الغرفة المجاورة وجد منضدة محاطة بمقاعد أربعة ، فتمتم محدثا نفسه : هنا أضع خبيئتى .... من هنا أزاول عملى ... هذا هو وكرى الجديد ... ... فى الغرفة الثالثة وجد فراشا متواضعا يشى بأنه لخادم أو خادمة ... ... أما فى الغرفة الرابعة فوجد عشرة صناديق خشبية فتح أغطيتها فإذا بكل منها صنف من الحبوب ، أسرع أزميل بإفراغ الصناديق من محتواها و نقلها إلى وكره الجديد ، ثم أخذ صندوقا هبط به إلى القبو و راح يملأه من صندوق الدنانير الذهبية و يصعد به الدرج إلى وكره فيفرغه فى أحد الصناديق و يعيد الكرة لاهثا حتى فرغ الصندوق الذى بالقبو و امتلأت الصناديق التسعة التى بالوكر بالسبائك و الدنانير ، ثم عاد بصندوقه الفارغ فالتقط عظام الرجل و جمجمته من صندوق اللفائف فأودعها صندوقه الذى صعد به الى وكره عامداً ترك القبو مكشوفاً.

أحكم أزميل إغلاق الوكر و عاد أدراجه الى البهو , فنفض الغبار عن ثيابه , و جلس يلتقط أنفاسه , تغمره مشاعر الغبطة و السرور .