المشروع الوطني الفلسطيني ليس الدولة فقط بل اللاجئون ايضاً

معتصم حمادة
2009 / 12 / 10

دعوة الأستاذ جهاد الزين الفلسطينيين أن يرفعوا شعار 6260 كلم2(•) تبدو متأثرة بالتجربة اللبنانية التي رفعت شعار 10452 كلم2 للمطالبة بإخراج القوات غير اللبنانية من لبنان، وبحيث يستعيد هذا البلد الشقيق استقلاله وسيادته كاملين. لكن الفارق بين التجربتين اللبنانية والفلسطينية كبير جداً، ولا نعتقد أن الأخذ بالتجربة اللبنانية باختصار المشروع الوطني الفلسطيني بشعار 6260 كلم2 من شأنه أن يخدم الحقوق الوطنية الفلسطينية وأن يعبر عنها بشكل تام.
فلبنان، رغم التقلبات السياسية التي شهدها، يبقى بلداً معترفاً له باستقلاله وسيادته حتى من قبل الذين انتهكوا هذا الاستقلال وهذه السيادة. له حدوده المعترف بها محلياً (في وثائقه الرسمية) وعربياً (لدى جامعة الدول العربية) ودولياً (لدى المنظمة الدولية للأمم المتحدة). وعندما رفع اللبنانيون شعار 10452كلم2 فإنهم كانوا يشيرون إلى حق لبنان في كل شبر من أرضه وهذا أمر ليس موضع خلاف أو إنكار أحد.
في المقابل لا تزال الدولة الفلسطينية حتى الآن مجرد مشروع سياسي لم يتحقق.
ولا يخفي الأستاذ الزين تخوفه من خطر موت هذا المشروع بسبب ما يحيط به من مخاطر، وهو محق في تخوفه هذا. في مقدم هذه المخاطر الكتل الاستيطانية التي تلتهم (وتهدد بالتهام) مساحات واسعة وإستراتيجية من الضفة الفلسطينية، بحيث تكاد، بعض مناطق الضفة، تتحول ما يشبه دولة للمستوطنين تقيم في وسطهم تجمعات فلسطينية. وما زالت حدود الدولة الفلسطينية هذه حتى الآن (وباعتراف الطرف الفلسطيني نفسه ورضاه) موضع تفاوض، ولم يتم رسمها بشكل نهائي حتى الآن.
وفي هذا السياق، لا يخفي المفاوض الفلسطيني - ويا للأسف - استعداده للقبول بمبدأ تبادل الأراضي مع الجانب الإسرائيلي، وإن كان يشترط أن يكون التبادل بنسب معينة لا يتم تجاوزها. أي أن المفاوض الفلسطيني، ونظراً الى موقعه الضعيف، يسلم في قرارة نفسه بصعوبة بل باستحالة التخلص من المستوطنين. لذلك تراه يسلم (وهذه واحدة من أخطائه الكثيرة) بمبدأ تبادل الأرض، وفق ضوابط، يعتقد واهماً أنه يستطيع السيطرة عليها، أو أن المفاوض الإسرائيلي سيلتزم بها. كما يعتقد واهماً أن هذا من شأنه أن يعوض له ما سيخسره من أراض سوف تضمها إسرائيل إليها، أهمها الكتل الاستيطانية الكبرى والقدس الشرقية.
الجانب الإسرائيلي لا يعارض مبدأ تبادل الأراضي، بل هو صاحب هذه الفكرة، لأن فيها خدمة لمشروعه السياسي، الداعي إلى توسيع دولة إسرائيل، دولة يهودية "لا يتهددها" الخطر الديموغرافي الفلسطيني. لذلك ليس خافياً أن الأهداف الإسرائيلية من التبادل هي ضم الكتل الاستيطانية، ليس باعتبارها تجمعات يهودية فحسب، بل وكذلك تقوم على الأرض الأكثر خصوبة في الضفة، كما تقوم فوق خزانات المياه الجوفية فيها ( خاصة منطقة قلقيلية). كذلك يهدف من عملية التبادل إلى التخلص من مئات الآلاف من الفلسطينيين داخل إسرائيل، من خلال ضم مناطق "إسرائيلية" مكتظة بالوجود الفلسطيني "كأم الفحم وغيرها" إلى الدولة الفلسطينية. ويعتبر ضم القدس الشرقية أمراً لا مفر منه وكذلك ساحل البحر الميت، وهو أمر، إن وقع فعلاً، سيحرم الفلسطينيين من حقهم في ثلث هذا البحر. خطوات الضم هذه تكاد تكون موضع إجماع إسرائيلي، بل تشكل كما يبدو، الحد الأدنى من "القواسم المشتركة" بين الأحزاب الإسرائيلية في رؤيتها للحل الدائم مع الفلسطينيين. في المقابل تتنبه بعض الشخصيات الإسرائيلية، كشاؤول موفاز، وشمعون بيريس، وإيهود باراك، في مبادرات سياسية تقدمت بها اخيراً، كأساس لاستئناف التفاوض مع الفلسطينيين، إلى ضرورة تعويض الفلسطينيين عن كل شبر سيضم لإسرائيل، بحيث يكون بحوزة الفلسطينيين «دولة» لا تقل مساحتها عن مساحة ما احتله الإسرائيليون في حرب حزيران 67.
طبعاً، من الضروري التنبيه هنا، إلى أن تساوي المساحتين رقمياً لا يعني تساويهما من حيث النوعية ووفرة المياه والتوازن الديموغرافي والكثافة السكانية. وبالتالي إذا اكتفى الفلسطيني برفع شعار 6260 كلم2، كما يقترح عليه الأستاذ الزين، باعتباره سيضمن له استعادة كل شبر من أرضه المحتلة (كحد أدنى مقبول لا يجوز التنازل عنه) فإن فكرة التبادل الجهنمية من شأنها أن تلتف على هذا الشعار، وأن تحتال عليه، وأن تفرغه من مضمونه، وأن تحوله مجرد شعار شكلي. فالمسألة ليست رقمية بحتة بل تتعلق كذلك بتعقيدات تفاوضية، استطاع لبنان بحكمة أطرافه أن يتجنب الغامها حين اعتبر نفسه غير معني بالتفاوض مع الجانب الإسرائيلي بموجب القرار 425.
لذلك نعتقد أن شعار "دولة في حدود الرابع من حزيران 67” هو الأكثر دقة والأكثر قدرة على التعبير عن الحقوق الوطنية الفلسطينية، وهو يقطع الطريق على مشاريع التبادل، ويشير بوضوح إلى الضفة (كاملة) والقدس الشرقية وقطاع غزة، وإلى ضرورة رحيل المستوطنين خلف هذه الحدود، وعودة إسرائيل إلى ما كانت عليه عشية الحرب. فضلاً عن كونه، كشعار، يستمد قوته من قرارات الشرعية الدولية، ومبدأ عدم جواز الاستيلاء على أراضي الغير بالقوة، والأعراف والقوانين الدولية والقرار الاستشاري لمحكمة العدل الدولية في لاهاي بشأن جدار الفصل والضم العنصري. المسألة ليست مجرد مساحة ستقوم عليها الدولة الفلسطينية بل هي أيضاً مسألة وإسقاط مشروع الاستيطان (في سياق محاولة إسقاط المشروع الصهيوني برمته) إسقاط مشروع تهويد القدس، وإسقاط مشروع جدار الفصل. ونعتقد أن شعار "حدود الرابع من حزيران" هو الذي يعبر بدقة أكثر عن هذه المسألة بما تختزنه من أهداف بعيدة المدى.
إلى ذلك فإن الشعار الذي يقترحه الأستاذ الزين قد يفسر من قبل البعض وكأن المشروع الوطني الفلسطيني بات يقتصر على إقامة الدولة الفلسطينية فقط، علماً أن الاستقلال هو أحد عنصري المشروع الوطني الفلسطيني، وعنصره الثاني هو عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى الديار والممتلكات التي هُجِّروا منها منذ العام 1948. ولا يمكن وطنياً، الفصل بين الاستقلال وحق العودة.
فالصراع مع إسرائيل ليس سببه الاحتلال عام 76 فقط، بل كذلك نتائج حرب 1948 وفي مقدمها تشريد الفلسطينيين خارج وطنهم وديارهم وممتلكاتهم. ومفاوضات الحل الدائم، كما هو معروف، تربط بين هذين العنصرين حين تعتبرهما من الملفات التفاوضية الرئيسة الستة المدرجة على جدول الأعمال. لذلك ربط الفلسطيني في خطابه السياسي بين "الاستقلال" و"ضمان حق العودة"، في رفض مسبق لمبدأ المقايضة بين العنصرين والتخلي عن حق العودة لمصلحة الاستقلال، وهو مبدأ اقترحه البعض فلسطينياً، لكنه قوبل بردود فعل صاخبة من ملايين اللاجئين على اختلاف انتماءاتهم السياسية والحزبية بمن فيهم اللاجئون المؤيدون لـ"فتح"، مع أن المساومة على حق العودة جاءت كلها من مصادر فتحاوية بشكل عام.
ونعتقد أن الشعار المقترح من الأستاذ الزين يصب (بغض النظر عن نيات صاحبه) في طاحونة الأطراف الفلسطينية الداعية إلى إعادة صوغ المشروع الوطني الفلسطيني ليصبح سقفه القبول بالسلام مع إسرائيل مقابل دولة مستقلة في الضفة والقطاع (مع مبدأ تبادل للأراضي بنسب معينة) وحل "متفق عليه" "مع الجانب الإسرائيلي" لقضية اللاجئين، لا يتجاوز التعويض والتوطين في الضفة والقطاع وبعض الدول العربية ودول الاغتراب والمهجر.

(•) راجع جهاد الزين "6260 كلم2 محتضرة" - قضايا "النهار" 24/11/2009

)رئيس تحرير مجلة "الحرية" الناطقة بلسان "الجبهة الديموقراطية لتحرير فلسطين)