هل يحق لآمريكا ان تقود العالم

نجم الدليمي
2009 / 11 / 24

اولاً: هدف غير مشروع

بالرغم من انه لم يمض على ظهور الولايات المتحدة الاميركية اكثر من مائتي سنة الا ان بروزها كدولة عظمى على الصعيد الدولي ظهر بعد الحرب العالمية الثانية ويعد ذلك لعدة اسباب من اهمها :
اولا :ان دخول اوروبا في الحرب العالمية الثانية ادى الى تدمير اقتصادها الوطني في حين ان امريكا لم تدخل الحرب بشكل مباشر بل عملت على زيادة انتاجها وتزويد الحلفاء بالسلاح والعتاد والسلع الغذائية وبسبب ذلك حصلت على ثلثي الاحتياطي الذهبي لدول اوروبا من خلال تصدير السلع وبالتالي كونت لها رصيدا ذهبيا كبيرا .
ثانيا:ان المشاكل المالية الدولية بما فيها التسويات المالية بين الدول جعل من الدولار الاميركي العملة الدولية القابلة للتحويل لحل هذه الالتزامات المالية الدولية.
ثالثا : الثبات النسبي لمستوى الاسعار في امريكا بالمقارنة مع البلدان الراسمالية الأخرى .
ان اتفاقية (برايتون وودز)التي تم التحضير لها في عام 1944 وظهور صندوق النقد والبنك الدوليين في عام 1945 وبدء نشاطهما الفعلي عام 1946 من اجل تشجيع التجارة الدولية ومعالجة العجز في ميزان المدفوعات والعمل على ثبات سعر الصرف وتقديم القروض وفق شروط معينة كل هذا ساعد على ان تبرز امريكا كدولة تملك القوة الاقتصادية والعسكرية وبالتالي فرضت هيمنتها على الحلفاء .
ومن نتائج الحرب العالمية الثانية ظهور المعسكر الاشتراكي الذي كون الاتحاد السوفيتي ودول اوروبا الشرقية الجزء الهام والاساسي له وهذا النظام الجديد كان النقيض الرئيسي للنظام الراسمالي وبالتالي انقسم العالم الى نظامين او تشكيلتين اجتماعيتين –اقتصاديتين متناقضتين في فلسفتهما واساسهما الاقتصادي والاجتماعي للتطور اللاحق للمجتمع البشري.
ان اشتداد الصراع الاقتصادي والاجتماعي والايديولوجي بين النظام الرأسمالي والاشتراكي’بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي ورغبة امريكا في قيادة العالم من خلال إضعاف ثم تصفية النظام الاشتراكي والاتحاد السوفياتي على اعتبارهما العدو رقم واحد فان الولايات المتحدة من اجل تحقيق هدفها بدأت "بالحرب الباردة" كخطوة اولى من خلال تطوير ترسانتها العسكرية وتشكيل حلف الناتو كما تؤكد المعطيات ان (الولايات المتحدة تحتل المركز الاول بين جميع دول العالم في مجالات الميزانية العسكرية والتكنولوجيا العسكرية وعدد القوات العسكرية التي تملكها في انحاء العالم وضخامة اسطولها البحري وعدد طائراتها وعدد مفاعلاتها النووية وعدد الرؤوس النووية والقنابل الذرية )
كما ان الحرب غير العادلة صفة ملازمة للنظام الرأسمالي وخاصة في مرحلتة المتقدمة – الامبريالية اذ انها تستخدم كاسلوب لتصريف ازمتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية ومن خلالها يتم بسط النفوذ وتراكم الارباح الخيالية لمصلحة الطغمة المالية الحاكمة وخلال الفترة من عام 1946 حتى عام 1989 وقع في العالم اكثر من 4000 نزاع ولجأت امريكا الى 254 مرة الى استخدام القوات المسلحة من أجل تحقيق مصالحها وفي عام 1986حدث 36 نزاعا عسكريا شارك فيه اكثر من 5 ملايين مقاتل من41 دولة ومات ما بين 3-5 ملايين شخص وفي عام 1985 حدث 23 انفجارا نوويا في العالم كانت حصة امريكا منها 14 تفجيرا نوويا وفرنسا 8 حين ان الاتحاد السوفياتي لم يجر أي تفجير نووي .
ان تصعيد الحرب البادرة من قبل امريكا وحلفائها كان يهدف الى عرقلة النمو الاقتصادي السوفياتي وحلفائه من اجل الاخلال بالتوازن الاقتصادي وبالتالي العسكري لصالح النظام الرأسمالي وبالمقابل فان الاتحاد السوفياتي عمل على تحقيق التوازن العسكري والاقتصادي مع النظام الرأسمالي وخاصة امريكا من اجل الحفاظ على منجزات الاشتراكية السياسية والاقتصادية والاجتماعية وعليه يمكن القول ان تصعيد سباق التسلح كان اسلوبا قذراً تم فرضه على الاتحاد السوفياتي من قبل الادارة الاميركية مما انعكست آثاره السلبية على الحياة الاجتماعية والاقتصادية للمجتمع السوفياتي وهذا كان احد الاهداف المخطط لها من قبل الطغمة المالية في النظام الرأسمالي .
وفي هذا السياق لابد من التأكيد على حقيقة موضوعية وهي ان الاتحاد السوفياتي اعتمد في خلق التوزان العسكري والاقتصادي على قواه الذاتية البشرية والمادية وحتى بعض الدول التي كانت تعلن صداقتها معه وعداءها لامريكا والغرب الا ان علاقاتها الاقتصادية مع امريكا كانت قوية حتى تجاوزت 75% وهي كانت تطبق المثل المعروف (القلب مع معاوية والسيف على رقبة علي ).
ان تطور النظام الراسمالي منذ نشوئه حتى الوقت الحاضر قائم على نهب ثروات الشعوب واستغلالها في ظل غياب التكافؤ في العلاقات وخاصة العلاقات الاقتصادية اذ حول هذه البلدان الى سوق لتصريف انتاجه وبلدان مصدرة لاهم المواد الخام الاساسية من اجل تطوير عجلة الاقتصاد الراسمالي اضافة الى الاموال الطائلة المودعة في المؤسسات المالية الغربية بشكل عام والامريكية بشكل خاص من الدول الغنية في بلدان اسيا وافريقيا وامريكا اللاتينية فعلى سبيل المثال بلغت الودائع المالية العربية اكثر من ترليون دولار منها 3% مستثمرة والباقي على شكل ودائع بفائدة بسيطة وهي تتأكل بفعل التضخم النقدي ان كل هذا يصب في خدمة تحقيق اطماع الامبريالية الصهيونية العالمية لقد دامت الحرب الباردة اكثر من اربعة عقود وكانت كلفتها باهظة الثمن على الشعوب وارهقت الاقتصاد الوطني وخاصة الاقتصاد الاشتراكي حيث تشير معظم المصادر المختلفة الى ان كلفة الحرب الباردة وصلت الى ما يقارب ما بين(13- 15) تريلون دولار اكثر من ثلثه انفقته الولايات المتحدة الاميركية ان التفوق الاقتصادي العسكري الذي حققتة امريكا للاسباب التي تم ذكرها خلق لديها الغرور والتطرف ومرض (داء العظمة ) وخاصة في بداية التسعينات بعد غياب الاتحاد السوفياتي اذ بدأت تطرح فكرة قيادة العالم من قبلها واصبح العالم كله يمثل مصالح نفوذ لها وهي مسؤولة عن استقرار العالم وغيرها من الاطروحات اللاعقلانية .
لقد ركزت الاستراتيجية الاميركية وفق منطق الصراع الاقتصادي والايديولوجي بين المعسكر الرأسمالي والاشتراكي على العمل لتفكيك الاتحاد السوفياتي الى دويلات صغيرة وبعدها يتم تصفية الاشتراكية كنظام سياسي واقتصادي –اجتماعي ايديولوجي وعسكري كما ادرك واضعوا هذه الاستراتيجية حقيقة موضوعية هي ان تحقيق هدفهم لا يمكن ان يتم من خلال الحصار الاقتصادي ولا من خلال تصعيد وتيرة سباق التسلح ولامن خلال الحرب العالمية الثالثة لانها تمثل نهاية اكيدة للبشرية جمعاء بل ادركوا مسالة غاية من الاهمية الا وهي ان لابد من اختراق الحزب الحاكم وخاصة قيادته ورئيسه. ان مجيء غورباتشوف للسلطة عام 1985 قد سهل تنفيذ المخطط من خلال ما يسمى ب (البريسترويكا )سيئة الصيت اذ وجدوا لهم عملاء في قيادة الحزب والسلطة وهم مايعرفون اليوم ب(العملاء ذوي التاثير) او (الطابور الخامس) بهذا الخصوص يشير البروفسور اناتولي تيلين الى (( ان الخطة الاميركية من اجل تفكيك الاتحاد السوفياتي اعتمدت على القوى الداخلية (الطابور الخامس ) وان اندروبوف قد قدم تقريرا الى بريجنيف حول الموضوع)) ؟!
وفي عام 1991 تم تحقيق الهدف في ظل قيادة غورباتشوف –ياكوفليف –شيفرنادزه وبلتسين في حين كانت الخطة المرسومة وفق جدولها الزمني هو حتى نهاية عام 2000.
ان الاستراتيجية الاميركية الجديدة بعد غياب الاتحاد السوفياتي تطمح لقيادة العالم والعمل بكل السبل لمنع ظهور أي قوة منافسة لها بما فيها حلفائها ومن أجل تحقيق ذلك تعمل وبجدية على تفوقها العسكري من خلال زيادة التخصيصات المالية لوزارة الدفاع الاميركية في سبيل تطوير سلاحها وخاصة النووي كقوة رادعة وحاسمة مع الابقاء على اكثرية قواعدها العسكرية المنتشرة في مناطق عديدة من العالم والتي يبلغ عددها اكثر من 1600 قاعدة عسكرية لضمان مصالحها السياسية والاقتصادية علما ان الولايات المتحدة الاميركية تضم اراضيها اكثر من نصف المفاعلات النووية في العالم .
ان الصراع الاقتصادي الاجتماعي الايديولوجي يدور حاليا بين القوى المحبة للسلام الحقيقي و الرافضة له أي بين الاشتراكية والرأسمالية ان القوى المحركة للصراع في سبيل الاشتراكية يتمثل بالبلدان الاشتراكية الصين وكوريا الشمالية وفيتنام وكوبا ... والطبقة العاملة في رابطة الدول المستقلة (الاتحاد السوفياتي سابقا) ودول اوروبا الشرقية والطبقة العاملة في البلدان الرأسمالية وحركة التحرر الوطنية في بلدان اسيا وافريقيا وامريكا اللاتينية. ان هذه القوى تناضل اليوم من اجل السلام والديمقراطية الحقيقية والتعايش السلمي وتحقيق العدالة الاجتماعية والاقتصادية للمواطنين وضد هيمنة القطب الواحد بزعامة الولايات المتحدة الاميركية .

ثانيا: اتفاقية (برايتون – وودز)

لقد انشات الولايات المتحدة الاميركية بعد الحرب العالمية الثانية ادوات ضاربة لها ومتخصصة في الميدان الاقتصادي والعسكري والمخابراتي من اجل تنفيذ ستراتيجيتها ولعبت امريكا دور هاما وفاعلا من خلال هذه الاتفاقية التي ادت الى ظهور الشقيقين وهما صندوق النقد الدولي والبنك الدولي’ ومن خلالهما يتم بسط نفوذها الاقتصادي على شعوب العالم بالاضافة الى ربط اقتصادها بالاقتصاد الرأسمالي وهذا ادى تكريس التبعية والتخلف لهذه البلدان اضافة الى ذلك فان هاتين المؤسستين تخدمان النظام الرأسمالي بالدرجة الاولى فهما تفرضان وصفتهما سيئة الصيت على بلدان اسيا وافريقيا وامريكا اللاتينية وعلى جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق ودول اوروبا الشرقية وجوهر هذه الوصفة يكمن في تحجيم دور الدولة الاقتصادي والاجتماعي ثم الغاؤه فيما بعد ثم فسح المجال امام القطاع الخاص بحجة الكفاءة والخبرة وتحرير الاسعار والتجارة وتنفيذ برنامج الخصخصة وفتح الابواب على مصراعيها امام الاستثمارات الاجنبية وضمان حقوق المستثمرين ورفع الحواجز الجمركية امام السلع الاجنبية وغير ذلك.
يطرح سؤال:- ماذا حصلت البلدان التي طبقت (الوصفة السوداء) مثل مصر والبرازيل والمكسيك والارجنتين ورابطة الدول المستقلة ودول اوروبا الشرقية ؟ انها حصلت على ما يلي:
1- تدهور الانتاج مما جعل هذه البلدان ان تكون بلدانا مستوردة لغالبية السلع الغذائية والكمالية والمنتهية مدتها أي بلدانا كنما مهمتها الاولى هي تصريف الانتاج الرأسمالي مما ادى الى ظهور عجز في الميزان التجاري وميزان المدفوعات وعجز مستمر في الميزانية الحكومية ومن النتائج الكارثية المرافقة لذلك هو زيادة معدل البطالة واستفحال الجريمة وانتشار المخدرات في المجتمع وخاصة بين الشباب .
2- الوقوع في فخ المديونية الداخلية والخارجية وظهور بدعة جديدة هي ان الدولة عاجزة عن دفع الاجور والمرتبات لفترات مختلفة من ثلاثة اشهر حتى اكثر من سنة كما اصبحت هذه الدول عاجزة عن تسديد خدمة ديونها وناهيك عن العام كما تعاني هذه الدول من ظاهرة التضخم المستورد من البلدان الرأسمالية بسبب غياب التكافؤ في العلاقات الاقتصادية والتبعية الاقتصادية والسياسية للبلدان الرأسمالية الصناعية المتطورة .
3- تعمق التفاوت الاقتصادي والاجتماعي داخل المجتمع بشكل حاد ومرعب حيث يزداد الاغنياء غنى وهم يمثلون الاقلية التي لا تزيد نسبتهم في المجتمع عن 3 الى 5% ويزداد الفقراء فقرا وهم يشكلون الغالبية العظمى من المجتمع لقد ادى هذا التفاوت الكبير الى ظهور فئة طفيلية وبيروقراطية وادارية ليس لها علاقة بخلق الانتاج المادي وهي التي تتحكم في السلطة السياسية وبيدها القرار السياسي والاقتصادي وتشابكت مصالحها مع مصالح الطغمة المالية في البلدان الرأسمالية كما تم زرع نمط استهلاكي ترفي وخيالي وغير عقلاني للاغنياء الجدد في هذه البلدان مقابل ذلك انتشار الفقر والجوع والامراض والمتشردين بدون سكن وغيرها من الظواهر .
4- تم خلق نظام سياسي مشوه وفق (التعددية والديمقراطية )الغربية غير واضح المعالم فهو خليط من النظام البرلماني والنظام الرئاسي في ان واحد وعلى ما يبدو يغلب هذا الشكل او ذاك حسب ظروف كل بلد ولمصلحة الاقلية الحاكمة فالسلطة التشريعية – البرلمان منتخب على الطريقة الامريكية ولكن في واقع الحال ليس لديها أية صلاحيات فاعلة واساسية في الحياة السياسية والاقتصادية مقابل ذلك يوجد رئيس يملك صلاحيات وفق الدستور ليس لها حدود فهو الدستور والدستور هو وبالتالي فان هذا النظام ولد نظاما بوليسيا قمعيا يستخدم العنف بلا حدود عندما تتعرض مصالح الاقلية الحاكمة الى خطر جدي ماعدا ذلك فالبطالة والجريمة والمخدرات والاغتيالات السياسية والاعتقالات ... لا يتخذ لها أي اجراء حقيقي وحاسم من قبل السلطة التنفيذية لانها على ما يبدو لا تمس مصالح النخبة الحاكمة والامثلة كثيرة سوء في البلدان النامية او في رابطة الدول المستقلة ودول اوروبا الشرقية .
5- تنفيذ برنامج الخصخصة والذي يعني بالاساس بيع مؤسسات الشعب الانتاجية والخدمية الى القطاع الخاص المحلي والاجنبي وبثمن بخس هادفين من وراء ذلك اعادة توزيع ثروة الشعب وفق (الشرعية والقانون) لصالح الطفيليين والبيروقراطيين وقادة وكوادر الاحزاب البرجوازية الجديدة والقديمة مما ادى الى انتشار ظاهرة الجوع والفقر والامراض وتفشي الرشوة والسرقة وتكريس التخلف والامية في المجتمع .
6- تأجيج النزاعات القومية والدينية في هذه البلدان والعمل على تقسيمها الى دويلات صغيرة كما حدث للاتحاد السوفيتي السابق ويوغوسلافيا وتشيكوسلوفاكيا وتنتظر دول اخرى في اسيا وافريقيا وامريكا اللاتينية المصير نفسه .


قرار ترومان

في عام 1947تم بقرار من الرئيس الاميركي هاري ترومان تشكيل وكالة المخابرات المركزية الاميركية المعروفة ب(سي أي أي )هادفا من ذلك تحقيق الاستراتيجية الاميركية في بسط نفوذها عالميا وليس من باب الصدفة ان يتم وصفها (بانها عصا الرئيس الاميركي الصامتة )ونظرا لأهمية دورها الفاعل فقد وصفت اعمالها ونشاطاتها المختلفة تحت الاشراف المباشر للرئيس الاميركي وقد لعبت وكالة المخابرات المركزية الاميركية دورا فاعلا في تنفيذ السياسة الحكومية على الصعيد الداخلي والخارجي فهي تسعى باستمرار شراء ذمم بعض رؤساء الدول وقادة احزاب سياسية كما تستخدم اسلوب التأمر والانقلابات ضد الانظمة الوطنية والتقدمية والاغتيالات السياسية ضد خصومها الايديولوجيين من امثال لومومبا وجيفارا والرئيس الافغاني نجيب الله والدكتور مصدق والزعيم الوطني عبدالكريم قاسم والرئيس الشرعي لتشيلي السلفادور الليندي ... كما تقوم بتهريب السلاح والمتاجرة به والتأمر على اقتصاديات البلدان المناهضة للنهج الاميركي كما لعبت دورا قذرا في التأمر والتخريب السياسي و الاقتصادي ضد الاتحاد السوفيتي ودول اوروبا الشرقية من خلال تجنيد عملاء محليين أي (الطابور الخامس ) .
ان تنفيذ هذه المهام اللانسانية وغيرها يكلف الشعب الاميركي مبلغا فلكيا اذ تشير الكاتبات الاميركيات الفن وهايدي تولفر في كتابهما (الحرب والحرب الباردة ) بان عملية التجسس تكلف امريكا سنويا ب30مليار دولار كما تؤكد جريدة (الرأي) التونسية في 18/10/1998 ان (الدور الذي تلعبه امريكا في عملية المنح الدراسية للطلاب في الجامعات الغربية والتي تهدف الى تكوين شبكات من العملاء المحليين لامريكا في البلدان التي تأتي منها هؤلاء الطلاب) ومنذ نهاية الحرب العالمية الثانية فان امريكا تهتم بكل من شغل منصب مدير عام فما فوق .
يمكن القول ان وكالة المخابرات المركزية الاميركية هي دولة داخل دولة فلديها استثمارات في الداخل والخارج وتحظى بدعم مالي حكومي فعلى سبيل المثال بلغت مخصصاتها في عام 1997 بـ 27 مليار دولار وهذا المعلن رسميا ؟ علما ان هذه المخصصات تعادل ميزانية ثلث دول العالم الفقير في اسيا وافريقيا ويكفي هذا المبلغ لاعانة مالا يقل عن نصف مليار شخص من فقراء هذا العالم .

ثالثا : الدور التخريبي لجهاز (سي أي آي )

لقد عانت شعوب العالم بشكل عام وشعوب البلدان النامية بشكل خاص وبدأت الحروب غير العادلة التي شنها النظام الراسمالي وخاصة في مرحلتة المتقدمة – الامبريالية ولعبت الولايات المتحدة دورا كبيرا في اشعال الحروب غير العادلة من خلال استخدامها لادواتها القمعية فالتداخلات العسكرية المباشرة وغير المباشرة والانقلابات الحكومية والتصفيات الجسدية لخصوم النظام الراسمالي وغير ذلك قد كلف شعوب البلدان النامية ثمنا باهظا لموارده البشرية والمادية و بسبب ذلك فان شعوب البلدان النامية تعاني التخلف الاقتصادي والاجتماعي والثقافي ونورد فيما يلي بعض الامثلة على التداخلات المباشرة وغير المباشرة التي قامت بها (الديمقراطيات الكبرى) وادواتها القمعية :
1- التدخل في الصين الشعبية لمنع انتصار الثورة الشعبية في اعوام 1945 -1949 وشارك في هذا التدخل 113 الف عسكريا و600 طائرة حربية و150 سفينة كما تدخلت في كوريا بمشاركة 350 الف عسكريا و1000 دبابة و1600 طائرة و300 سفينة في اعوام 1950-1955 وارتكبت مجازر وحشية ضد الشعب الكوري من اجل تقسيمة الى شعبين ودولتين .
2- لعبت دورا رئيسا في اسقاط حكومة محمد مصدق في ايران عام 1953 واعادة الشاه الى السلطة كما ساهمت في غزو غواتيمالا عام 1954 والاطاحة بحكومة سوكارنو في انقلاب دموي عام 1965 وتنصيب عميلها سوهارتو واختلفت التقديرات بخصوص ضحايا الانقلاب مابين نصف ميلون الى مليون شخص من قيادات الحزب الشيوعي الاندنوسي واعضائه والشخصيات الوطنية الكبرى كما قمعت قوات الاسطول السادس الاميركي مظاهرات الشعب اللبناني عام 1958 .
3- محاولة غزو كوبا الاشتراكية عام 1961 بهدف الاطاحة بحكومة الرئيس الشرعي فيدل كاسترو ناهيك عن محاولات الاغتيال التي لا تعد ولا تحصى التي دبرتها وكالة المخابرات المركزية الاميركية ضد كاسترو وفشلت والعدوان السافر على الشعب الفيتنامي خلال فترة 1963- 1974 وراح ضحية هذا العدوان البربري مئات الالاف من الابرياء الفيتناميين اذ القت 72 مليون لتر من السموم الكيميائية 62%منها سموم قاتلة وكان للاطفال والشيوخ حصة الاسد من ذلك الجرم الاميركي وفي العراق عام 1963 دبرت وكالة المخابرات المركزية الاميركية بالتعاون مع بعض القوى السياسية العراقية مجزرة مروعة راح ضحيتها خيرة ابناء الشعب العراقي كما ذكرت الصحف العربية والتي استندت في معلوماتها على هذه المؤسسة والتي قدرت ضحايا انقلابها الدموي ب 5000 مثقف عراقي في حين واقع الحال يقول انه اكثر بكثير مما اعلن ان ما تعرض له الشعب العراقي منذ ثورة 14تموز1958 حتى الوقت الحاضر يقع على مسؤولية امريكا واجهزتها القمعية والمتعاونين معها .
4- التدخل المسلح في جمهورية الدومنيكان في عام 1965 بقوة عسكرية تعدادها 40 الف عسكريا و275 طائرة حربية و50 سفينة ومحاولة قمع الشعب الكميوتشي في نضاله العادل خلال فترة 1970-1975 .
5- العدوان الامبريالي والبربري على الشعب المصري عام 1956 والاطاحة بالحكومة الشرعية في تشيلي عام 1973 وراح ضحيتها مئات الالاف من القتلى والجرحى من الابرياء الشيليين والانزال العسكري الاميركي في لبنان عام 1982 وغزو حكومة غرينادا عام 1983 والهجوم اللصوصي والوحشي على الشعب الليبي عام 1986 وغزو جمهورية بنما عام 1989 والخطط والسيناريوهات غير المعلنة لازالت قائمة ضد الدول التقدمية الرافضة لسياسة القطب الواحد .
6- ان حرب الخليج الاولى والثانية يتحمل مسؤوليتها النظام الحاكم في العراق وقوى اقليمية ودولية و بسبب هذه المغامرة الطائشة تكبد الشعب العراقي خسائر بشرية ومادية مذهلة فالخسائر البشرية اكثر من مليون شخص بين قتيل وجريح ومشوه وهذه الخسارة لايمكن تعويضها اضافة الى انتشار ظواهر اجتماعية غريبة على تقاليد المجتمع وانتشار الامراض المختلفة وفي مقدمتها الامراض السرطانية والنفسية والهجرة الواسعة للخارج والتي تضاربت الارقام حولها فهي تتراوح ما بين 2-3 ملايين مهاجر عراقي من اصحاب الكفاءات العلمية والفنية وكانت حصة الاسد لاوروبا وامريكا وهذه تعد خسارة اضافية على الشعب العراقي . اما الكارثة الاقتصادية فبلغت 582 مليار دولار تمثل 232 مليار دولار قيمة البنية التحتية المدمرة و67مليار دولار تصليح الاصول المدمرة خلال فترة الحرب 1980- 1988 و97 مليار دولار تعويضات الى ايران بسبب الخسائر الاقتصادية التي لحقت بها بسبب الحرب و100مليار دولار عن الاضرار التي لحقت بالكويت و86مليار دولار الديون الخارجية وعلية فان الخسارة المادية تعادل تقريبا 60 مرة الناتج المحلي الاجمالي لعام 1993 لكن هذه الارقام اغفلت ابعاد تبديد الموارد النادرة في البلاد اذا اضيف اليها الخسائر الاخرى كاستنزاف الاحتياطات الاجنبية وخسائر ايرادات النفط ونضوب المخزون السلعي والتجهيزات العسكرية وفقدان الناتج وخسارة النمو والقوة البشرية وهجرة المتعلمين والمهنيين وهذا يعني ان الشعب العراقي واقتصاده قد ارتهنا بالكامل للقوى الخارجية لمدة لاتقل عن 50 سنة . ان هجوم امريكا وحلفائها على الشعب العراقي يعد هجوما بربريا ووحشيا تحت الشعار سيئ الصيت (عاصفة الصحراء )وحشد لهذا العدوان اكثر من نصف مليون جندي وضابط و1500طائرة حربية وغيرها من المعدات والالات القتالية العسكرية الاخرى ان (كارثة الصحراء )تعد نقطة اخرى سوداء في تاريخ امريكا انها اكبر جريمة عدوانية ارتكبت نهاية القرن العشرين ضد الشعب العراقي اذ اسقطت طائرات العدوان بمعدل 200طن من القنابل يوميا على اطفال العراق ونسائه وشيوخه لماذا هذه الحرب؟ ولمصلحة من يتم تنفيذها ؟ ومن المستفيد منها ؟
7- لقد نفذت وكالة المخابرات الاميركية 900عملية تخريبية ضد البلدان الوطنية والتقدمية والشخصيات الوطنية في اسيا وافريقيا وامريكا اللاتينية خلال الفترة من عام 1961حتى عام 1976 وخصصت ادراة ريغان في وقتها 10 مليارات دولار لهذه المؤسسة لاعمال التجسس والاغتيال والارهاب والانقلابات وشراء الذمم ... في حين ادت ادارة كلينتون (الديمقراطية ) هذه المخصصات الى ثلاثة اضعاف تقريبا لعام 1997 ؟
8- لقد صرح فالنتين بافلوف رئيس وزراء اتحاد السوفيتي السابق عن الدور السيء الذي لعبته المؤسسات المالية الغربية الدولية وغيرها في اغراق السوق السوفيتية بمئات الملايين من الروبلات وكانت تهدف من وراء ذلك الى تدمير الاقتصاد الاشتراكي السوفيتي اذ عبر عن هذا النشاط الهدام التخريبي بانه انقلاب اقتصادي من اجل خلق الفوضى الاقتصادية والاجتماعية في البلد . لقد اكد رئيس المخابرات السوفيتية السابق الجنرال فلاديمير كريوشكوف ان حركات المعارضة السوفيتية تتلقى دعما من قوى خارجية واكد ايضا على ان تضخيم بعض الحركات ليس نتيجة للمصادفة وانما امر مخطط له وبعضها يحظى بمساعدة مادية من الخارج .
9- تدبير وتنفيذ مذابح ايلول الاسود التي سقط فيها 20 الف قتيل فلسطيني عام 1970 كما نشرت بعض صحف امريكية قوائم تضمنت اسماء بعض الشخصيات العالمية التي جندتها وكالة المخابرات المركزية الاميركية وامدتها باموال بصفة دورية ودائمة فاذا بعض الملوك والرؤساء العرب بين تلك الشخصيات وقبل الثمانينات اوجدت هذه الوكالة ظاهرة العرب الافغان .


رابعا: الناتو اداة قمع عسكرية

تستخدم امريكا حلف الناتو كاداة قمع عدوانية ضد الانظمة السياسية المناهضة لها ولحلفائها من جل تحقيق اهدافها التوسعية على الصعيد العالمي كما يلعب المجمع الصناعي- الحربي في البلدان الرأسمالية المتطورة دورا كبيرا في تعزيز القوة العسكرية للحلف وتطوريها من خلال عقد صفقات السلاح التي تحقق له ارباحا خيالية ويتم تحقيق ذلك على حساب افقار الشعوب وخاصة شعوب البلدان النامية اذ تعتبر ضحية هذا التوجه العدواني للبلدان النامية بشكل عام ومنطقة الشرق الاوسط بشكل خاص هي السوق الرئيسي لتصريف (تجارة الموت).
بعد عام 1991 بدأ حلف الناتو بزحف نحو الشرق واستطاع ان يؤثر على بعض رؤساء دول اوروبا الشرقية المواليين للغرب للانضمام للحلف بحجة واهية (الخطر الروسي ) ولم يكتف بذلك بل سعى حثيثا نحو جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق تحت شعار (الشراكة من اجل السلام ) وكانت اوكرانيا اول الدول التي وقعت على ذلك وجمهوريات البلطيق على الابواب بخصوص قبولها في الناتو وعلى ما يبدو فان الناتو وضع جدولا زمنيا خاصا به بخصوص انضمام جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق الا ان التسريع بالانضمام وتاجيله لفترة زمنية لاعتبارات متعددة يعتمد كما نعتقد على مستقبل روسيا اللاحق وهي على ابواب الانتخابات البرلمانية والرئاسية ان الحرب غير العادلة صفة ملازمة للنظام الرأسمالي ونابعة من جوهره وان تاريخ الولايات المتحدة الاميركية تاريخ ملطخ بدماء الشعوب فجريمة هيروشيما وناكازاكي التي راح ضحيتها اكثر من 250 الف قتيل والحروب غير العادلة ضد الشعب الفيتنامي والحرب ضد الشعب العراقي عام 1991 حيث جربت امريكا وحلفائها احدث اسلحتهم على رؤوس اطفال العراق حيث القيت اكثر من 90 الف طن من القنابل والمتفجرات وهناك تقدير اخر يضاعف الرقم المذكور. ان هذا العدوان يدل على مدى "تحضر" النظام الرأسمالي "وانسانيته" وخاص امريكا التي وضعت لها (هدفا) هو قيادة العالم كما ان هذا العدوان يبين ان امريكا وحلفائها لا يحترمون القانون الدولي ولا الشرعية الدولية وان مفهوم (الديمقراطية وحقوق الانسان) وفق مصالحهم فقط ان امريكا تريد تحويل العالم الى مزرعة خاصة بها وتعين نفسها المالك الاقطاعي لهذه المزرعة وتصبح الشعوب عبيدا لها من اجل تعظيم الارباح للطغمة المالية الحاكمة وفق (الشرعية الدولية )؟.
ان ازدواجية المعايير اصبح نهجا ثابتا لامريكا فهي مثلا مع (مناصرة) و(حماية) الشعب الكردي في العراق في حين تلتزم الصمت او السكوت او اعطاء الضوء الاخضر للقيادة العسكرية التركية بإبادة الشعب الكردي واعتبرت نضال الشعوب من اجل تحررها ارهابا هي مع مبدأ تمزيق وتفكيك وحرق يوغسلافيا ولكنها لن تعطي ابسط الحقوق للامريكان السود كما وضعت فيتو على العرب بعدم امتلاكهم أي سلاح متطور في حين يحق لاسرائيل ان تمتلك كل شيء بما فيها اسلحة الدمار الشامل ؟
بعد غياب الاتحاد السوفيتي يواجه العالم اليوم خطرا جدياً الا وهو سياسة القطب الواحد ويكمن جوهر هذه السياسة في ان تحكم الولايات المتحدة الاميركية العالم لا الامم المتحدة وتوجهه تحت شعار (النظام العالمي الاميركي الجديد )فلغة الحصار الاقتصادي والسياسي والتدخل السافر في شؤون الدول الداخلية بحجة (حقوق الانسان ) وغياب (الديمقراطية) ’خلق (حركات سياسية ) موالية لها في هذا البلد او ذاك وفرض النمط الثقافي والحياتي الاميركي على شعوب العالم وغير ذلك’ ان هذه الفلسفة’ اذا استمرت ونحن على ابواب الالفية الثالثة سوف يتم تدمير الشعوب وتجويعهم واذلالاهم وتجريدهم من حقوقهم الاجتماعية والثقافية والاقتصادية وحتى تجريدهم من انسانيتهم .ان لغة الحصار الاقتصادي المدعوم بالقوة العسكرية من قبل امريكا والناتو على اساس من (الشرعية الدولية ) قد الحقا اضراراً بالغة بالشعوب من الناحية الاقتصادية والاجتماعية وحتى النفسية فقائمة الدول المشمولة بالحصار هي في ازدياد مستمر في ظل النظام الاميركي العالمي الجديد وبالرغم من ان هذه السياسة قد الحقت اضرار بالشعب الاميركي وبهذا الصدد يقول (ريتشاد لوغار) الاميركي ان بلاده انزلت مابين عام 1993 وحتى عام 1996 عقوبات اقتصادية ب 35 بلدا كما خسرت امريكا لعام 1995 على سبيل المثال اكثرمن20 مليار دولار وتشرد اكثر من ربع مليون عامل من العمل .ان الحصار الاقتصادي الذي تفرضه امريكا تحت المظلة (الشرعية القانونية )وبالقوة العسكرية هو بالاساس ضد الشعوب وهادفين منه اذلال هذه الشعوب وترويضها وبالتالي لتقبل بالحلول والشروط الاميركية ووضع الشعب العراقي خير دليل على ذلك ان امريكا تطبق سياسة القبول بالامر الواقع في ظل قانون الغاب كالحصار المفروض على الشعب العراقي والليبي والسوداني والايراني والكوبي ... هل يملك الشرعية الدولية وهل له ما يبرره ؟ كما ان سياسة الحصار الاقتصادي قد فشلت في تحقيق الهدف اذا كان الهدف منه سياسيا (أي الاطاحة بهذا الرئيس او ذاك ) وعليه فلماذا هذا الحصار ؟


(العولمة) ليست حتمية

تحاول الولايات المتحدة ان تروج لفكرة العولمة وكانها الشيء الجديد من خلال نفوذها وتاثيرها الكبير على المؤسسات المالية والاقتصادية الدولية وتمارس ايضا الدور التوجيهي والمنظم من خلال مؤسساتها المالية والثقافية والاعلامية وبالتنسيق والتعاون مع (البلدان الحليفة والصديقة )في اسيا وافريقيا وامريكا اللاتينية وعبر كافة وسائل اعلامها وخاصة عبر القنوات الفضائية والتي معظمها موجه ويخضع لرقابة خبراء متخصصين ويملك قسطا محددا من الديمقراطية الاعلامية’ان يبرزوا مفهوم العولمة واهمية السياسية والاقتصادية والاجتماعية (علما ان العالم لم يعرف العولمة من 1917- 1991) وفي حالة تحقيق ذلك سيشهد العالم نوعا من (الرخاء والاستقرار وتحقيق العدالة ...)
ان النظام الرأسمالي وصل الى اعلى مراحله المتقدمة وهي الامبريالية وبالتالي فهو يعيش ازمة عامة لتشمل كل ميادين الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وحتى الاخلاقية وبالتالي فان منظري النظام الرأسمالي يبحثون اليوم عن مخرج من هذه الازمة العامة ان ازمة النظام الرأسمالي الامبريالي تكمن في السوق ومعالجة البطالة كمرض مزمن وخطير فالسوق الجديد سوف يساعد على تصريف الانتاج وخلق فرص عمل جديدة وتبدأ الدورة الاقتصادية بالعمل وليس من باب المصادفة ان يظهر التيار اللبرالي الجديد في امريكا وبريطانيا بزعامة فريدمان مؤسس مدرسة شيكاغو والتي يؤكد على فتح الحدود امام الشركات المتعددة الجنسية وتوفير الشروط الاقتصاديةو الاجتماعية والقانونية للاستثمارات الاجنبية والخاصة المحلية للعمل ورفع يد الدولة عن ممارسة دورها وتوجيهه وهذا سوف يحقق مجتمع الرفاهية .
ان ظهور الاتجاه الليبرالي المنفلت عقاله وخاصة بعد عام 1991 قد وضع العالم في ظروف سياسية واقتصادية – اجتماعية وعسكرية معقدة جدا وتنذر بخطر جدي على كافة الشعوب ومن اهم هذه المخاطر هي : غياب التوازن العسكري عالميا وغياب الرقابة الصارمة على اسلحة الدمار الشامل وخاصة في رابطة الدول المستقلة وانتشار السلاح النووي والكيمياوي والجرثومي في اكثر من دولة من دول العالم الثالث والوضع المتأزم بين الهند وباكستان وامتلاكهما للسلاح النووي والوضع المتأزم في منطقة الشرق الاوسط بين العرب واسرائيل الذي هو قابل للانفجار في أي وقت والوضع المتأزم بين الكوريتين والانحياز الاميركي الكامل لكوريا الجنوبية ضد كوريا الشمالية كما يواجه الاقتصاد العالمي مشكلات اقتصادية واجتماعية خطيرة متمثلة بتعمق كبير بين الطبقات الاجتماعية في كل مجتمع وعلى الصعيد الدولي انتشار ظاهرة البطالة والجريمة والمخدرات و المافيا واصبح لهذه المشاكل طابع دولي وليس محليا وانتشار مرض الايدز الذي يعد اليوم معضلة اقتصادية واجتماعية تواجه العالم كله .
ان العولمة ليست حتمية على الشعوب انها تمثل في جوهرها ايديولوجية القطب الواحد وهي تهدف فرض الهيمنة على العالم وبمعنى اخر تصدير الرأسمالية وفرضها كنظام اقتصادي و اجتماعي قسرا على شعوب العالم وان الخرافة التي يروج لها الاعلام البرجوازي سواء اكان في البلدان الرأسمالية او البلدان النامية ومنها بلداننا العربية بان العولمة سوف تحقق العدالة والرفاهية الاجتماعية والاقتصادية ودولة الرفاه هي غير صحيحة بل العكس هو الصحيح وغالبية الشعوب تلمس ذلك في حياتها اليومية .
ان جوهر العولمة يكمن ايضا في تكريس التبعية والتخلف انها تخدم الاقلية والنخبة الحاكمة التي لاتتعدى في احسن الاحوال 5% والعولمة اليوم تطبق في ظل ارهاب دولي بأسم (الشرعية الدولية ) انها اسلوب لتصريف ازمة النظام الرأسمالي انها العصا الدولية من اجل نهب ثروات الشعوب وتراكم الارباح الاحتكارية للشركات المتعددة الجنسية وما حرب الخليج الثانية الا نموذج حي وملموس لفكرة العولمة الكارثية اذ حصل صانعوا هذا القرار وخلال بضعة اسابيع على ارباح صافية قدرت ب 60 مليار دولار .








خامسا :هل تستطيع امريكا قيادة العالم

ان قيادة العالم لايمكن ان تتحقق لمجرد رغبات واماني هذا الرئيس او ذاك او هذه الطبقة الحاكمة او تلك بل لابد لمن يريد لنفسه الحق في ذلك كما نعتقد ان يملك نموذجا سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا مقبولا من قبل غالبية الشعوب او حتى يترك للشعوب حريتها في اختيار هذا النظام ليس بالقوة العسكرية او الاقتصادية او الاثنين معا فانه اسلوب فاشل فالشعوب لايمكن ترويضها واخضاعها باستمرار .
ان من يرغب في قيادة العالم لابد من ان يكون نظامه السياسي والاقتصادي والاجتماعي متعافيا ونموذجا مقبولا طواعية.نموذجاً لايعاني من ازمات دورية ان التطور الاقتصادي الناجح وتحقيق العدالة الاجتماعية والاستقرار وضمان المستقبل للمواطنين هي خير دليل على قبول هذا النظام او ذاك عالمياً .
لقد نشرت جريدة (نيويورك تايمز)في شهر اذار سنة 1992 وثيقة عسكرية عن الخطة الاستراتيجية الاميركية لعالم ما بعد الحرب الباردة وقد ادى نشر هذه الوثيقة الى ردود فعل شديدة من جانب دول اوروبا الغربية بما اثارته من مخاوف حول هيمنة امريكا على العالم .
فلنفحص اهم المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية للنظام الرأسمالية الاميركي فهل تستطيع اميركا من خلال هذه المؤشرات ان تحقق هدفها المعلن ؟ وهل نموذجها المرغوب فيه .
1- يواجه المجتمع الاميركي ازمة عامة وشاملة بما فيها ازمته الاخلاقية وفضيحة المتدربة في البيت الابيض مونيكا لوينسكي وهي دليل ساطع على تعفن النظام الراسمالي واحتضاره كما تعبر امريكا اكبر دولة مدينة في العالم اذ بلغت ديونها سنة 1994 – 4,6 تريليون دولار ثم زادت في سنة1996 الى 5 تريليون و244مليار دولار ويتوقع ان تصل مديونيتها الى 8 تريليونات دولار سنة 2000 وبهذا الخصوص يقول دومنيك شوفالييه بجامعة السريون بفرنسا (لايجوز ان ننسى ان الولايات المتحدة هي اكثر دول العالم مديونية فمن سيدفع ديون الولايات المتحدة هل تتحمل هي عبء تسديدها ام يتحملها بقية العالم ثم أن الدولة التي تريد السيطرة على العالم لابد ان تبدأ بالسيطرة على نفسها وتعرف ان في الولايات المتحدة اليوم مشكلات اجتماعية وعرقية كبيرة تؤدي الى خلل في التوازن داخل المجتمع الاميركي كما تعاني العجز المستمر في الميزان التجاري اذ اعلنت وزارة التجارة الاميركية ان اجمالي العجز التجاري في سنة 1998 بلغ 115,9 مليار دولار وهو اسوء عجز تجاري واجهته امريكا وفي عام 1997 بلغ 113,7 مليار دولار .
2- يؤكد الاقتصادي الاميركي (روبرت رايتش )ان المشكلة الاقتصادية المتزايدة للولايات المتحدة الاميركية تكمن في ضعف الانتاجية للاقتصاد الاميركي وما ينجم عن تدهور طاقة ما يصنعة الاقتصاد الاميركي من قيمة مضافة في الاقتصاد العالمي كما يلاحظ انخفاض حصة الناتج القومي الاميركي الى الناتج العالمي من نحو 35%سنة 1960 الى 26%سنة1994 وانخفضت حصة الصادرات الاميركية من الصادرات العالمية من 26%الى 16% خلال الفترة نفسها وانخفضت حصة الدولار من الموجودات الرسمية من الصرف الاجنبي من نحو 66% سنة 1981 الى نحو 35%سنة 1994 وكان الاقتصاد الاميركي يمثل اكثر من 50%من الناتج العالمي في اواخر عقد الستينات بينما انخفض في الوقت الحاضر الى اقل من 25% من الناتج العالمي .
3- زيادة معدل البطالة ومايرافقها من فقر وجوع وتفشي الجريمة والرشوة والمخدرات في المجتمع الاميركي حيث يشكل عدد سكان اميركا 5%من سكان العالم الا انها تستهلك 50%من المخدرات العالمية وكما يلاحظ تعمق التفاوت الاقتصادي والاجتماعي في المجتمع الاميركي بشكل كبير حيث ان 1%من الشعب الاميركي يملكون ثروات تفوق قيمتها مجمل ما يملكه 90%من الشعب الاميركي ويؤكد الكاتب الاميركي (فيرونا فولوندبيرج) هناك في اغنى بلدان العالم (المقصود امريكا )يعيش ما بين 40% - 50% مليون مواطن في حالة شديدة من الفقر والحرمان والبؤس والشقاء وان ربع الفقراء هم من الزنوج كما يوجد في امريكا اكثر من 100 منظمة ارهابية فاشية في اكثر من 40 ولاية اميركية .
4- تَدَعي امريكا انها بلد حقوق الانسان والديمقراطية ودولة الرخاء والرفاهية والعدالة الاجتماعية ولكنها في الوقت ذاته تحتل المرتبة الاولى بين الدول المتقدمة الرأسمالية في عدد الذين يودعون خلف جدران السجون اذ بلغ عددهم مليون وسبعمائة الف سجين الا ان هناك تقديرات تشير الى اكثر من ذلك .
5- ان انفاق الحكومة الفدرالية وحدها على السجون زاد على 7 مليارات دولار سنويا ووجد انه سنة 1995 زاد بناء السجون على بناء معاهد العلم فقدت زادت نفقات بناء السجون بمبلغ 926 مليون دولار بينما انخفض الانفاق على بناء جامعات بمبلغ 945 مليون دلار .
لم تعد اليوم السجون مجانية فقد انتهى عصر مجانية السجون في ظل عولمة رأس المال اذ تمت خصخصة معظم السجون واعطيت للقطاع الخاص من اجل تراكم ارباحه حتى من الفقراء القابعين خلف القضبان الحديدية ان غالبية المسجونين الامريكان هم اشخاص يعانون العوز والفقر والحرمان ارتكبوا جرائم ليست خطيرة في معظمها فمثلا حكم على مواطن اسود في كاليفورنيا بالسجن لمدة عشرين عاما لانه سرق نصف بيتزا وفي حادث اخر قام حاكم مدينة فينكس بولاية اريزونا المدعو جواريايو بفرض رسم قدره دولار يوميا على الوجبات التي تقدم للمسجونين وقد صرح ايضا بان تغذية كلاب الحراسة الخاصة بالسجن تكلف اكثر من تغذية المساجين كما يوجد ايضا اكثر من 3517 سجينا من مختلف الولايات الاميركية ينتظرون في اروقة الموت تنفيذ حكم الاعدام بالحقنة السامة او الكرسي الكهربائي .
كما يلاحظ المرء الغرابة في مجتمع الرخاء والرفاهية الاميركية اذ ينفق الاميركيون الاغنياء 8 مليارات دولار سنويا على اطعام الكلاب والقطط في الوقت الذي يكفي هذا المبلغ لتغذية 250 مليون طفل فقير ولمدة سنة كما يوجد سوق خاص للكلاب لشراء السلاسل الذهبية والمرصعة بالمجوهرات مصممة خصيصا للكلاب ادنى سعر لها هو مئة الف دولار وشخص اراد ان يعاقب كلبه الشرس اشترى له طوقا ذهبيا مرصعا بالمجوهرات سعره 35 الف دولار .
اين حقوق الانسان والعدالة الاجتماعية التي ينادي بها من يريد قيادة العالم وتطبيق الخصخصة والعولمة فاذا كان هذا هو حال المواطن الاميركي فكيف سيكون حال المواطن الفقير في ظل العولمة الاميركية في بلدان اسيا وافريقيا وامريكا اللاتينية ؟
ولا يصدق في بعض الاحيان في دولة عظمى تطمح ان تقود العالم ولديها 40% من الاطفال يولدون دون الوزن الطبيعي أي اقل من 2800 غرام وان 10% من الاطفال لا يتعدى وزنهم 1800غرام وبالمقابل يلاحظ ان ميزانية الحرب العدوانية والمعلنة تربو على 300 مليار اغلبها ينفق على السلاح وخاصة النووي وفي الوقت نفسه يلاحظ في مجتمع العدالة وحقوق الانسان والرفاهية وجود 26 مليون اميركي يعانون الفقر و35مليون لا يستطيعون تأمين الضمان الصحي و9% من الاطفال يعيشون في فقر مدقع وخاصة الاطفال السود و3,8 ملايين شخص يعيشون تحت الحراسة ويتمتعون بحرية مشروطة ويتم تداول اكثر من 200 مليون قطعة سلاح بمختلف اشكالها في الولايات المتحدة الاميركية ان الولايات المتحدة الاميركية في ظل غياب القطب او الاقطاب الحقيقة الرادعة لها يمكن ان تستخدم موضوعاتها الواهية (حقوق الانسان والديمقراطية وقانون الاضطهاد الديني ) وتجير ذلك لمصالحها الخاصة وتستخدم مبررا للتدخل في الشؤون الداخلية للدول الرافضة لسياستها كما يمكن ان تمارس بعض الضغوطات السياسية والاقتصادية على دول اخرى وخاصة في مجلس الامن من اجل تمرير قرار ما لصالحها .
ان هذا الاسلوب لا يمكن ان يستمر طويلا لانه غير طبيعي وغير عقلاني ومرفوض من قبل غالبية الدول والشعوب وان نهايته تكمن في ظهور قطب او عدة اقطاب حقيقية رافضة للنهج الاميركي السياسي والاقتصادي والعسكري وبالتالي يتم كبح هذه النزعة العدوانية وتطاولها .
لاشك فيه ان امريكا بنت قوتها العسكرية الكبيرة على حساب مص دماء شعوب العالم الثالث بالدرجة الاولى ولكن لا يمكن فرض السيطرة وقيادة العالم بالقوة العسكرية سواء عبر الناتو او أي تسمية اخرى قد تظهر في المستقبل فالصواريخ عابرة القارات وحاملة الطائرات والغواصات لا يمكن ان تروض الشعوب مهما كان الثمن باهظا فبطولة الشعب الصومالي الفقير اقتصاديا والفيتناميين وغيرهم امثلة حية للجميع .
ان امريكا ومؤسساتها وحلفائها خلقوا حلف بغداد ونصبوا عميلهم نوري السعيد وتم تنصيب الشاه وموبوتو وسوهارتو وبينوشيت جلاد الشعب الشيلي في عام 1973 اين هم الان ؟ انهم طردوا تحت نيران الثورة الشعبية واصبحوا في مزبلة التاريخ والقائمة ستطول الاخرين من طغاة وجلادين ضد شعوبهم .
نعتقد ان هناك خيارين امام الشعوب المضطهدة وقواها السياسية وهي تستعد للانتقال للقرن القادم 21 وهما :

الخيار الاول :

على الشعوب وقواها السياسية ان تمتلك الحق الكامل في اختيار نظامها السياسي والاقتصادي والاجتماعي دون أي تدخل من قبل قوى دولة خارجية وعليها ان تقر بالديمقراطية السياسية الشعبية قولا وممارسة ومبدأ التعددية السياسية والانتقال السلمي للسلطة ونبذ العنف في العلاقات السياسية ان كل ذلك وغيره سوف يساعد على تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية التي تضمن العدالة الاجتماعية والاقتصادية للفرد والمجتمع وليس للنخبة المافوية المتسلطة على رقاب العباد ويتم تحقيق انجاز كل ذلك من خلال تعزيز الدور الاقتصادي والاجتماعي للدولة في حياة المجتمع .

الخيار الثاني :

في حالة تعذر تحقيق الخيار الاول سواء لسبب داخلي او خارجي فالخيار الثاني هو العمل على ايجاد تحالف سياسي حقيقي وواسع على الصعيد الداخلي والاقليمي والعالمي يضم القوى السياسية والمنظمات الاجتماعية والديمقراطية التي تصبو الى تحقيق الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والاقتصادية وترفض احادية القطب والعولمة إنها الجبهة الوطنية العالمية كرد عالمي على العولمة وهيمنة النظام الواحد .
يقول الاقتصادي المجري (توماس سانتوش) ان الرأسمالية كانت نتيجة مرحلة هامة في العملية التاريخية الموضوعية وان نشؤها مثل انحطاطها وسقوطها لن يكون مصادفة تاريخية بل ضرورة موضوعية مشتقة من الاتجاهات العامة .




*كُتِبَتْ هذه الدراسة ونشرت في جريدة نضال الشعب عام 1999 م ولم نُجري اي تعديل او إضافة عليها.