على هامش الانتخابات البرلمانية القادمة في العراق

جاسم الحلوائي
2009 / 10 / 16

إن أي انتخابات برلمانية وفي كل بلد من بلدان العالم، تؤدي إلى تغييرات هامة في اصطفاف القوى السياسية وتؤثر، سلباً أم إيجابا، على طبيعة النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي بهذا القدر أو ذاك. وقد تحمل مفاجآت وتغييرات قد تكون أوسع وأعمق عندما لا يكون النظام قد أخذ شكله النهائي وهناك صراع حاد حوله، كما هو الحال في عراق اليوم.
يتطلع العراقيون، والقوى السياسية الحريصة على نجاح العملية السياسية الهادفة إلى إقامة نظام ديمقراطي فيدرالي موحد ينعم بالسيادة الوطنية التامة، إلى الانتخابات البرلمانية القادمة في كانون الثاني 2010 بأمل أن تجري تغييراً جوهرياً على النظام السياسي القائم من شأنه تخليص النظام من آفة المحاصصة الطائفية والفساد المالي والإداري وحل المشاكل مع إقليم كردستان وفق الدستور، والانصراف إلى حل مشاكل الجماهير الملتهبة بتوفير الماء والكهرباء وحل مشاكل شبكات الصرف الصحي وتعبيد الطرق والارتفاع بمستوى التعليم ومحو الأمية،إضافة إلى معالجة مشكلة البطالة والضمان الاجتماعي والصحي وغيرها، والانطلاق نحو التنمية الشاملة.
فما هي إمكانية تحقيق هذا التطلع ضمن التوازنات الراهنة بين القوى الفاعلة على الساحة السياسية؟
ينظر البعض، من الحريصين على نجاح العملية السياسية ومنهم الكاتب المعروف الأستاذ عدنان حسين، إلى الائتلافين الكبيرين اللذين قاما لحد الآن، وهما "الائتلاف الوطني العراقي"، و"ائتلاف دولة القانون" بأن "الأول يعيد إنتاج " الائتلاف العراقي الموحّد". أما الائتلاف الثاني فليس سوى انشقاق على الائتلاف الأول في إطار الصراع على السلطة والنفوذ، فهو يحتفظ بالجوهر أو المضمون عينه. وفي مقابل هذين التكتلين الشيعيين المتنافسين سينشأ، كما يرى الكاتب، تكتل، أو أكثر، طائفي سني، سيحتشد حوله، أو حولها، البعثيون، كما هو حاصل الآن، ليعاد إنتاج المعادلة اللعينة القائمة الآن، وليبق العراق غارقا في لجته الرهيبة. ويرى الكاتب عدنان حسين بأنه "ليس هذا ما يحتاج إليه العراق.. بل إنه لا يحتاج إلى هذا قط. إنه يطمح إلى قيام ائتلاف وطني واسع يضم الأحزاب الرئيسة والشخصيات الوطنية الإسلامية المعتدلة غير الطائفية، ومثلها المسيحية والصابئية والأيزيدية، واليسارية والليبرالية والقومية العربية والكردية والتركمانية والكلدو- آشورية.. ( راجع مقال الكاتب الأستاذ عدنان حسين ـ الرابط مرفق) (*).
وبما أن البديل المطروح غير واقعي ولا يمكن تحقيقه على الساحة السياسية العراقية في الوقت الحاضر، فإن نتيجة الانتخابات ستُبقي العراق "غارقا في لجته الرهيبة". إن هذا الاستنتاج غير الدقيق والمتشائم لا يمكن إلا أن يدفع المواطن العراقي إلى اليأس والقنوط ولا يساهم في تشجيع الناس على المساهمة في الانتخابات البرلمانية القادمة. وذلك ليس في مصلحة العملية السياسية إطلاقاً.
فلا هذا البديل هو بالبديل الواقعي ولا الدعوة إلى ائتلاف جميع القوى التي ناضلت ضد النظام الدكتاتوري والتي دعا إليها الحزب الشيوعي العراقي بالدعوة الواقعية. لأن هذه القوى تغيرت مصالحها وأهدافها بعد استلامها السلطة، وتعرضت جميعها تقريبا إلى انشقاقات يتعذر الآن إعادة لحمتها. فلم يعد من الممكن جمع حزب الدعوة بقيادة نوري المالكي مع تيار الإصلاح الوطني الذي يتزعمه إبراهيم الجعفري في ائتلاف واحد، ولا جمع قائمة التغيير الكردية مع الاتحاد الوطني الكردستاني أو التحالف الكردستاني. وينطبق الأمر على طارق الهاشمي والحزب الإسلامي وكتلة الوفاق. فكيف يمكن جمع كل هذه القوى في جبهة واحدة؟. أضف إلى ذلك أن ميليشيات بعض هذه القوى التي ناضلت ضد النظام الدكتاتوري، من الطائفتين الشيعية والسنية، لعبت أسوء الأدوار في الاحتراب الطائفي عامي (2006ـ 2007) وهي مدانة لتلطخ أياديها بدماء العراقيين وبعضها متهمة بسرقة بنوك وأعمال إرهابية يعاقب عليها القانون.
إن "ائتلاف دولة القانون" هو ليس مجرد انشقاق على الائتلاف العراقي الموحد فحسب، بل هو ضربة قوية للائتلاف الطائفي الشيعي من جهة وإسقاط مبررات قيام ائتلاف سني من جهة أخرى. ويعد خطوة مهمة لمحاصرة غلاة الطائفية ولتنقية العملية السياسية من هذه الآفة تدريجياً. ولم يتحقق ذلك بمعزل عن كفاح القوى العلمانية العنيد ضد الطائفية السياسية، ولا بمعزل عن مزاج الجماهير غير المتجاوب مع النزعة الطائفية السياسية وخاصة بعد أن اكتوت بشرورها .
صحيح أن ما جرى من انشقاق في التكتل الطائفي الشيعي هو "في إطار الصراع على السلطة والنفوذ" (وهذا ليس عيباً فالسلطة ضرورية لتنفيذ البرامج السياسية)، ولكن "ائتلاف دولة القانون" لا "يحتفظ بالجوهر أو المضمون عينه" الذي يتضمنه "الائتلاف الوطني العراقي". فمنذ اليوم الأول لقيام ائتلاف دولة القانون وقف الائتلاف ضد إقامة أي إقليم غير إقليم كردستان وذلك ضد نزعة إقليم الوسط والجنوب التي دعا إليها آل الحكيم والمجلس الإسلامي الأعلى. ووقف بصلابة ضد دعوات وتهديدات انفصال كردستان عن العراق وبهذين الموقفين الواضحين أشاع الأمل في نفوس كل الحريصين على وحدة العراق وسيادته. ويشير إعلانا إقامة الائتلافين إلى وجود اختلافات ربما ستكون أكثر جلاء في برامجهما الانتخابية لاسيما في حقلي حقوق الإنسان والديمقراطية.
وإلى جانب النظرة المتشائمة التي أشرنا إليها، هناك من يبني آمالاً عريضة على نتائج الانتخابات البرلمانية القادمة ويعتبرها مصيرية وأنها ستقرر مصير العراق وستنقذه من الطائفية والمحاصصة والفساد الإداري، وفي هذا السياق تصب خطب وتصريحات بعض كبار المسؤولين.
ما أتوقعه هو أن تكون الانتخابات القادمة خطوة مهمة إلى أمام في نمو الديمقراطية في العراق. وستتحرر العملية السياسية من نص دستوري يفرض المحاصصة الطائفية والاثنية وهو المتعلق بانتخاب مجلس الرئاسة الذي فرض الدستور "انتخابه بقائمةٍ واحدة، وبأغلبية الثلثين". ولكن الهيمنة السياسية الطائفية للأحزاب الدينية ستبقى، من حيث الجوهر، في إطار خطاب سياسي وسلوك براكماتي. وهنا فليس أمام القوى الديمقراطية والعلمانية من مهمة أساسية سوى الكفاح بصلابة ضد كل ما هو سلبي وتعميق ما هو ايجابي في الوضع الذي سيستجد بعد الانتخابات بالتناغم مع مطالب الجماهير الشعبية ومستلزمات تطور العملية السياسية.


(*) http://www.awan.com/pages/oped/226068