المثقفون العرب والتباكي على المشروع النووي الايراني

طلال بركات
2009 / 9 / 30

لقد اصبح تزاحم الافكار السياسية والايدلوجية في العالم العربي أشبة بتزاحم السلع التي تعرض في شركات الدعاية والاعلان وباتت الكثير من تلك الافكار لا تمت للمصلحة الوطنية والقومية بصلة لان منابعها اما عنصرية او شوفينية او طائفية او فئوية، وعند تصنيفها ومناقشتها يحتاج الى شيئ من الاسهاب والتفصيل، ولكن ما يهمنا في هذا الجانب هو بحث ما يخص تدافع البعض من الكتاب والمثقفين العرب الذين يقومون بالترويج للاجندة الايرانية واصبحت اصواتهم تصدح بظلالة او بثمن للدفاع عن البرامج التسليحية والمشاريع النووية الايرانية وكأنها درع للامة العربية في مواجهة المخططات الاستعمارية والصهيونية وينتقدون بشدة مواقف الذين يحذرون من اطماع ايران وسلوك قادتها في المراوغة والخداع، في الوقت الذي لم تظهر لهم مواقف واضحة وصريحة من الاحتلال الامريكي للعراق والتغلغل السلبي الفارسي المتمثل بجرائم القتل والانتقام من الشعب العراقي، ولم يتسائل احد منهم لو حصلت ايران على السلاح النووي هل سيكون عوننا للعرب ام نقمة عليهم... وسيكون موجها ضد من!!! وقبل الدخول في تفنيد تلك الآراء لابد من الاعتراف بحقوق كل دولة ترغب في تحقيق مصالح مشتركة ومشروعة في محيطها الاقليمي والدولي، وان تعدت حدود المشروعية يصبح من حق الشعوب الدفاع عن امنها وثرواتها من الاطماع الخارجية. ولكن ما حصل في التاريخ الحديث من تكالب الغرب الاستعماري على بلداننا العربية نتيجة ظهور كنوز الذهب الاسود الذي جعلها عرضة للغزوات الخارجية ومن ثم السيطرة على ثرواتها سنين طويلة ولغاية يومنا هذا، اما النزعات التوسعية الايرانية في محيطها العربي تختلف اجندتها عن اجندة الدول الاستعمارية الغربية، لان أيران لها احقاد وثارات تاريخية مع جيرانها العرب قبل ظهور النفط وان دخولها في الميدان التنافسي مع الغرب الاستعماري لم يكن لاسباب اقتصادية بحتة بقدر ما هو عامل استراتيجي يتعلق بموقعها الجغرافي المجاور للدول العربية والذي تعتبرة ايران عمق استراتيجي لامنها القومي اما العامل الاقتصادي يأتي بالدرجة الثانية لان موقعها الجغرافي كفيل بضمان ابتزاز اقتصادي دائم لدول هزيلة مجاورة لها طالما بقيت مجزئة على هذا الحال، وهذا ما اكدة فيروز آبادي رئيس اركان القوات المسلحة الايرانية خلال مراسم توديع وزيرالدفاع الايراني السابق عندما قال "ان دعمنا لحركات التحرر ( ويقصد نشر التشيع ) يدخل في صلب حماية الامن القومي الايراني ويزيد من قوتنا الاقليمية وهو في سياق ما ننفقه للحفاظ على امننا القومي واتساع رقعة قوتنا في المنطقة".
لقد سقط الكثير من المثقفين العرب في فخ المناورات الايرانية وباتوا يعتبرون ايران السد المنيع في مواجهة المخططات الاستعمارية بينما لم يتوقف التعاون المشبوة بينها وبين الغرب الاستعماري لان الغرب يرحب بالتقاطع الفكري بين القومية الفارسية والعقيدة الاسلامية ويخشى من التكامل الفكري بين القومية العربية والاسلام فبات الموقف الاوربي والامريكي يحابي السلوك الايراني في توسيع فجوة الخلافات المذهبية التي تنشرها ايران بين المسلمين فضلا عن قيامهم باستخدام المعايير المزدوجة في تعاملهم معها ومنها غض النظر عن نمو التسلح العسكري والتجارب الصاروخية الايرانية واشاعة تضخيم خطرها اعلاميا لتمرير مشاريع امريكية صهيونية ايرانية لتقاسم النفوذ الاقليمي على حساب الامة العربية خصوصا بعد اخراج العراق من دائرة التوازنات الذي اريد لة ان يكون خاتم في اصبع كبير ملالي طهران عقابا لمواقفة الوطنية والقومية واطلاقة عشرات الصواريخ على اسرائيل ووقوفة في وجة الغطرسة الامريكية فلا بد من ذبحة بايادي ايرانية قربانا للتعاون الامريكي الصهيوني الفارسي المشبوة الذي يحاك في السراديب المظلمة وتكريما لدور ايران من الاحتلال الامريكي للعراق، ومن ثمار ذلك التعاون فسح المجال لأيران بنشر التشيع في البلاد العربية والاسلامية لأبعاد رعب انتشار الاسلام الحقيقي عن اوربا وامريكا وفي نفس الوقت احداث شرخ فكري وعقائدي يؤدي الى شرمة المسلمين وادخالهم في دوامة الصراعات الطائفية وتحجيم دورهم التاريخي والانساني، لان ايدلوجية النظام الايراني قائمة على تسخير الاسلام لخدمة القومية الفارسية العنصرية واتخاذ من مذهب التشيع وسيلة لتشكيل قوة سياسية بقيادة فارسية لتحجيم دور الدول العربية التي هي بالاساس اسقطت من حسابات التوازنات الاقليمية بسبب غفلة شعوبها وتخاذل حكامها وانصياعهم وراء العصى الامريكية مما حدى بالدول الغربية وادارة الرئيس اوباما تغيير نبرة الخطاب السياسي مع ايران حتى ساد الاعتقاد بأن ايران فرضت هيبتها على اوربا وامريكا والكيان الصهيوني بينما الموضوع لايتعدى صفقات مشبوهة أدت الى اعطاء ايران دور استراتيجي في المنطقة طالما ان الصراع الصهيوني ـ الايراني لا يتعدى دائرة التراشق الاعلامي وان حرص ايران على بقاءة فوق خشبة مسرح المهاترات الكلامية وعنتريات الضحك على ذقون المغفلين جعلها تحصل على درجة امتياز لاتقان دورها في مسرحية تلك الصراع فلا بد من مكافأتها حتى تركت ترعى في مرعى الجيران من غير حسيب ولا رقيب، لان حقيقة الامر تكمن في عدم وجود خلاف عقائدي بين ايران واسرائيل يجعل الغرب واللوبي الصهيوني يشعر بقلق من الترسانة العسكرية الايرانية وذلك بشهادة ايهود باراك وزير الدفاع الصهيوني لصحيفة يديعوت احرونوت الذي قال "ان ايران لا تشكل تهديد لأسرائيل". بينما كانت اسلحة الدمار الشامل في العراق لاتعدو سوى اتهامات وافلام تعرض على جدران قاعات مجلس الامن ومع ذلك تعرض لابشع حملة صليبية ادت الى احتلالة وتحطيم بناة التحتية وتدمير قواتة العسكرية وتغيير نظامة الوطني بالرغم من ثبوت عدم صحة تلك الاتهامات من قبل المفتشين الدوليين الا ان مسلسل الانتقام استمر وتم قتل اكثر من مليون ونصف مواطن من ابناء شعبة لانة كان يواجة بصدق الغطرسة الصهيونية ويقف حجر عثر في وجة الاطماع الاوربية والامريكية في المنطقة بينما ايران تغرد وتهدد.. وتعوي وتعربد والكل يرد عليها باشجن الالحان. كما لابد من التنبية الى الخطأ الفادح الذي يروجة البعض من المغرمين بالترسانة العسكرية الايرانية باعتبار نموها يصب في مصلحة العرب من اجل أعادة القدس وتحرير فلسطين فكان من الاولى بهم قبل اطلاق مثل هذة السخافات مطالبة ايران بأعادة الاحواز والمحمرة لاصحابها العرب واعادة الجزر الاماراتية الثلاث والكف عن ابتزاز دول الخليج العربي قبل اعادة القدس وتحرير فلسطين بالجعجعة الفارغة والمهاترات الاعلامية والمتاجرات السياسية التي هي ليست الا شكل من اشكال الاستثمار للحصول على امتيازات اقليمية ودولية، بل اين هي ايران من الحرب الصهيونية على لبنان واين هي اسلحتها من مذابح غزة التي لم تطلق رصاصة واحدة على اسرائيل بينما كانت الصواريخ الايرانية تنهال على بغداد، وهي اليوم تخوض في الدم العراقي للانتقام من قادة النظام الوطني ورموز الجيش العراقي الذين دافعوا عن حياض الوطن بجدارة خلال حرب الثمان سنوات.
واخيرا ان تباكي البعض من المثقفين العرب على ايران وبرنامجها النووي والترويج لأكاذيبها واجندتها الفارسية الصفوية كأنها حصان طروادة العرب بعدما غشيت ابصارهم عن سجلها الاجرامي الحافل بالاحقاد والتآمر على الامة العربية والتي لم تضع في حساباتها يوما حق للجيرة ولا اخوة في الدين. فأن مواقف هؤلاء اما ان تكون نابعة من شباك التضليل الاعلامي والخداع الفكري وفق اسلوب التقيّة حسب منهج ولاية الفقية نتيجة قصور ثقافي وفكري محدود القدرة على التحليل السياسي واستقراء البعد الاستراتيجي او تحابي ناتج عن انتماءات عرقية وطائفية تمتد جذورها لبلاد فارس (والعرك دساس) .