شكراً فرج الله الحلو، حسن نصرالله وميشال عون... وشكراً جيم وميم

حبيب فارس
2009 / 9 / 9

يوم تعرّفت على جيم وزوجها ميم في أستراليا، قبل نيف وثلث قرن، كانت أدبيات فرج الله الحلو ورفاقه وحزبه قد علّمتني وعوّدتني على أن أتعاطى معهما كـ "إنسانين" وليس كـ "مارونيّيّن". وكان ميم الذي بدأ صباه مشروع راهب ثمّ غير رأيه، يتعاطى معي والآخرين كمسيحي مؤمن وليس كـ"مسيحيّ هوية"، وكذلك كانت زوجته جيم.
***
لذا عندما كانا يدعواني إلى عشاء، أو عندما كانت جيم تصرّ على غسل ثيابي (في أيّام العزوبيّة)، كنت أتصرّف معهما تماماً كما لو كانا فاطمة ومحمود أو زينب وحسين. وكانا يشعرانني وكأنهما تماماً مع طوني أو جورج...
***
مرّت الأيّام والأعوام. عادت جيم وميم ليستقرّا في لبنان الذي طالت غيبتي عنه ثلث قرن. ولمّا زرت لبنان في العام الماضي، 2008، كانت زيارتي لهما، طبعاً، على رأس جدول الأعمال. لم يسبقها إلا زيارتي إلى مسقط رأسي، تلك البلدة الجنوبيّة الحدوديّة التي تعرّضت بمفردها إبّان حرب تمّوز، لأكثر من ألفيّ قذيفة إسرائيليّة، ذهب ضحيّتها عشرات المدنيين الأبرياء ولم ينجُ من دمارها وأضرارها منزل واحد من مئات منازلها.
***
سلكنا إلى بلدتي الجنوبيّة الواقعة في قضاء بنت جبيل، طريق النبطيّة – كفركلا – ميس الجبل... كنت حينها قد نسيت، نسبياً، جغرافيّة لبنان، سيّما جنوبه، ولم أكن أتصوّر أبداً أنّ رحلتي الأولى من مطار بيروت إلى الجنوب، ستمحو وحدها من ذاكرتي، كلّ صور الدمار التي كانت قد خلّفتها قبل عامين فقط ، متابعاتي اليوميّة لشاشات الفضائيات وصفحات الصحف. بكل بساطة كان الجنوب أعمر مئات المرّات مما كان عليه قبل مغادرتي له عام 1969.
***
طوال الطريق من بيروت إلى بلدتي الجنوبيّة، كان مستقبليّ ومعهم سائق السيّارة العموميّة الجنوبيّ، يعيدون إلى ذاكرتي معلوماتي الجغرافيّة، راسمين الحدود التي غابت بين المدن والقرى. طبعاً لم تفتْهم الإشارة إلى المواقع الإسرائيليّة التي تحرّرت عام 2000، كما لم يفتْهم رسم بعض الصور عن الحرب الإسرائيلية الأخيرة وبعض نقاط المعارك والمواجهات، والبطولات أيضاً...
***
وطوال رحلتي من بيروت إلى الجنوب، وخاصة فور دخول الجنوب، لفتتني عدّة أشياء مختلفة عن أيام زمان، أولها أن الصور والملصقات والأعلام قد تضاعفت إلى جانبيّ الشوارع والطرقات، لكنها هذه المرّة، بمعظمها، ليست للزعماء السياسيين الذين كانوا تلك الأيام، بل للمقاومين والشهداء. وثانيها أنني لم أشاهد إسرائيلياً واحداً أو عربة إسرائيلية، عسكرية كانت أو مدنيّة، في الجانب الآخر من الحدود، على عكس حركة الناس والعربات المدنيّة والعسكريّة اللبنانيّة الكثيفة من جهتنا، وهذا الأمر هو عكس ما كان عليه أيام زمان. وثالثهما أنني لم أشاهد مقاوماً واحداً بزيّ عسكريّ، كما لم أشاهد حتى مسدساً واحداً مع مدنيّ، وهذا الأمر استمرّ طوال الأربعة أشهر التي استغرقتها زيارتي إلى لبنان.
***
وطوال الطريق إلى بلدتي الجنوبيّة، كانت دموع الشوق والفرح تنهمر من عينيّ بغزارة. كانت تتضاعفت غزارتها كلّما شاهدت طفلة أو طفل جنوبيّ يلهو ويضحك على بعد أمتار من الشريط الشائك. إلاّ أنّ شلاّل الدموع فاق سواه طوال أيام حياتي، حين دخلت بلدتي الجنوبيّة (ولي مع تلك البلدة حكايات أخرى).
***
مشهدان من بلدتي عيترون عليّ أن أسجّلهما الآن، الأول وهو في الأيام الأولى لزيارتي، وأثناء وجودي في منزل أقرباء أحد شهداء المقاومة، وُضع أمامي ملصقاً لـ"حزب الله" يحمل صور وأسماء ما يزيد على دزينة من شهداء المقاومة من أبناء البلدة. ولمّا لم أكن أعرف عنهم إلاّ أسماء عائلاتهم، رحت أسأل عن أسماء آبائهم وأمّهاتهم وأجدادهم وجدّاتهم. لم يكن بين كلّ هؤلاء، شهيداً واحداً إلاّ وكان يوماً، جدّه، والده، عمّه أو خاله، عضواً في الحزب الشيوعي اللبناني. وقد ينطبق هذا النموذج على كافة شهداء حرب تمّوز 2006 وما قبلها وما قبل التحرير عام 2000.
***
المشهد الثاني هو اختراق الطائرات الحربيّة الإسرائيليّة لسماء الجنوب. قبل مغادرتي البلدة، كانت طلعة واحدة من تلك الطلعات مع إشاعة واحدة من عميل إسرائيلي، كفيلة بتهجير كافة أبناء البلدة والمنطقة، شمالاً. هذه المرّة كانت مسامراتنا على شرفات المنازل تطول، أحياناً إلى ما بعد منتصف الليل، متندّرين بالطيّران المحلّق في سمائنا.
***
عودة إلى جيم وميم. زرتهم في بلدتهم المتنيّة الوادعة. كانا يجلسان على شرفة منزلهما مع حوالي عشرة ضيوف. أتممنا مناسك اللقاء معهما والتعارف مع الضيوف. وُجّهَت إليّ العديد من الأسئلة عن أستراليا ولبنان. أحد أجوبتي كان أنّ منزل عائلتي في تل الزعتر دُمّر أثناء حرب السنتين. سمعت مرّة واحدة تعليقاً واحداً من عدّة أشخاص: "دمّره المسيحيّون"؟!
***
"لا لا لا، ليس المسيحيّون"...أجبتهم، وكأنني في جولة حوار ساخن مع بعض الطائفيين الإسلاميين. مرّة واحدة تخشّب عقلي مع إلحاح الموجودين على نفس التعليق "دمّره المسيحيّون" وأجوبتي بـ"لا لا لا..."، حيث لم أكتشف أبعاده التهكّميّة الممزوجة بما يشبه الإعتذار الضمنيّ، عن أفعال مدّعيّ جرائم حروب "الدفاع عن المسيحيين" كما جرائم حروب"الدفاع عن المسلمين". ولم تهدأ عاصفة جدّيتي إلاّ بعد هذا الإكتشاف الذي تزامن مع اكتشافي لـ"عَونِيّتهم"، لكن ليس من دون حرج شديد واحمرار وجه!
***
قبل ذلك، كثيراً ما التقيت لاطائفيين من كلّ الأديان والطوائف، لكنني أعترف بأنه لم يسبق لي والتقيت جمهرة واحدة، في منزل واحد، من ناس ينتمون لطائفة لبنانية واحدة، والطائفة المارونيّة الكريمة تحديداً، سعداء جداً بخروجهم من قيود التعصّب الطائفيّ.
***
بعد بضعة أيام قضيتها مع جيم وميم في منزلهما، اتفقنا أن يرافقاني إلى بلدتي الحدوديّة. كانا شديدا الحماس لتلك الرّحلة الأولى في حياتهما إلى المنطقة الحدوديّة. سلكنا نفس الطريق التي سلكتها في أول رحلة لي من بيروت، أي عبر النبطية فكفركلا فالشريط ، وخاصة بسبب رغبتهما في ذلك. كنت قد أخبرتهما الكثير عمّا شاهدته وسمعته، وكانا مستعدان للسفر كأنهما ذاهبان إلى رحلة استجمام خارج البلاد، علماً بأنّ جيم تعاني من ألم ظهر مزمن يجعل سفرها شديد الصعوبة.
***
كنت قد استعدت بعض معلوماتي الجغرافية وكوّنت فكرة تكفي زاداً للإجابة على أسئلتهم المتوقّعة. "مش معقول"؟ قال ميم الذي كان يقود السيّارة، متوقفاً فجأة، في مكان ما عند الشريط الشائك، في نقطة تشرف على إحدى المستعمرات الإسرائيليّة. حمل الكاميرا و"أمرنا" بالنّزول، وراح يصوّرنا أمام صورة عملاقة للسيد حسن نصرالله وعلميّ لبنان وفلسطين يرفرفا على منصّتين شاهقين، بمواجهة تلك المستعمرة. "حتى هذه الصورة والأعلام تتحدّاهم؟!" تساءل ميم. "ويعجزون عن الإعتداء عليها؟!" أجابت جيم.
***
لدى وصولنا إلى بلدتي سألتُ جيم "كيف ظهرك؟"، أجابت: "بوجودي هنا صحّ ظهري". "وأنت ميم كيف حالك؟" سألت، أجاب: "فقط سؤال واحد يحيّرني: كيف استطاع الجنوبيون العودة وبناء الجنوب بهذه السرعة، بينما مهجّرو الجبل لم يعودوا بعد كلّ هذه الأعوام؟!".
***
لكنّ الجملة التي لم تتوقف جيم وميم عن تردادها طوال اليومين الذين قضياهما في جنوبيّ الجنوب كانت: "الآن أشعر بأنني عدت إلى الوطن"!
***
أمّا أنا، برغم العديد من الأمور العقائديّة والسياسية التي لا أتفق حولها مع "حزب الله" و"التيّار الوطني الحرّ"، لا يسعني إلاّ تقديم الشّكر لأبي الفرجْ... أبي الحُسنْ... وأبي الميشْ !...
***
وشكراً بلا حدود لصديقيّ الغاليين، العائدَيْن إلى الوطن: جيم وميم !... مع دمعتين حارّتيين...وأكثر...