لم يعد ينفع سوريا مسك العصى من الوسط

طلال بركات
2009 / 9 / 8

كثير من الدول يمتاز قادتها بالمكر والدهاء والمراوغة وعدم الوضوح واتباع سياسة القفز على الحبال من اجل تحقيق مصالح متنوعة وبالرغم من نجاح تلك السياسة في بعض الاحيان والحصول على مكاسب نسبية الا ان عواقبها وخيمة لان السير في الظلام يؤدي الى الوقوع في الفخ وهذا ما تقوم بة سوريا خلال عقود من الزمن في تعاملها السياسي اقليمياً ودولياً ولا نريد الدخول في كيفية تعامل القيادة السورية مع قضية احتلال هضبة الجولان التي طويت في وادي النسيان وترك امرها للاجيال القادمة الى ان يقضي اللة امرا كان مفعولا، وانما سنبدأ من الهيمنة السورية على لبنان التي استمرت سنين طويلة وكيف كانت سوريا تقفز على التناقضات اللبنانية التي حولت الديمقراطية العريقة فيها الى رماد تحت نيران امراء الطوائف وباتت النخب السياسية اللبنانية كأنها خلايا نائمة تنفجر وقت ما تحركها اطراف اقليمية ودولية، وبالرغم من ان سوريا كانت تمسك بكافة خيوط اللعبة الا ان دورها انحسر بعد اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري، وقبلها الخطأ القاتل الذي ادخل القيادة السورية في النفق المظلم عندما اتخذت من ايران عمق استراتيجي لسياستها الداخلية والخارجية بشقيها الاقليمي والدولي وربط مصيرها السياسي في فلك التحالف مع ايران بعدما قفزت على الجار الشقيق العراق السيف المجرب الذي حمى دمشق من السقوط في حرب تشرين وراحت ترمي شباكها في احضان ملالي طهران تلتمس من البلاء الصفوي تآخي علوي على حساب مبادئ وشعارات حزب البعث العربي الاشتراكي الوحدوي الذي جعلت منة واجهة لمصالح باتت معروفة لدى الجميع لذلك سقطت سوريا في مصيدة تقيّة ولاية الفقية واصبحت ايران هي المستفيدة الاكبر من هذا التحالف الذي حوّل سوريا الى جسر عبرت منة الى لبنان ومناطق نفوذ اخرى في الوطن العربي بل تمادت في تأسيس قواعد وشبكات واحزاب سياسية مسلحة باماكن عربية متعددة لتنفيذ اجندة فارسية طائفية بحتة مما اثر ذلك التمادي على مصداقية سوريا ودورها في المحيط العربي حتى بات العرب يتوجسون منها الخيفة والحذر من جراء هذا التحالف المر الذي طبع بصمات ايران على اغلب المواقف السورية وبات نشر التشيع في البلاد العربية والاسلامية على المكشوف بدلا من نشر الاسلام في البلاد غير الاسلامية واصبح لأيران موطئ قدم في السعودية وقطر والكويت والبحرين والامارات واليمن فضلا عن تدخلها في الشؤون الداخلية لمصر والمغرب والجزائر ولبنان والاردن والسودان من غير رادع قوي، وعندما قطعت ايران شوط كبير في العبور على اكتاف سوريا حتى اصبحت جاحدة للمعروف السوري وباتت من غير حاجة الى هذا التحالف بسبب تقاطع المصالح بعد المتغيرات الجديدة في المنطقة وبالاخص بعد تحجيم الدور السوري في لبنان الذي اعتبرتة ايران فرصة ذهبية للانفراد في الساحة اللبنانية من خلال حزب اللة الذي مدتة بالمال والسلاح بالاضافة الى تعاونها مع امريكا ومساعدتها في احتلال افغانستان والعراق ومكافئتها بتنصيب عملائها على راس السطة في العراق وبذلك اصبحت سوريا عبئ على النفوذ الايراني في المنطقة وخصوصا بعد هيمنتها على جميع مؤسسات الدولة العراقية لان العروبة والشعارات القومية السورية لم تعد تطرب الحليف الايراني فباتت توعز لعملائها من حكام المنطقة الخضراء في العراق بقذف سوريا سيل من الاتهامات الجاهزة حول الاعمال الارهابية التي ترتكب على الساحة العراقية ويحملونها وزر ما تقوم بة ايران من جرائم دون ان تحرك الاخيرة ساكناً للدفاع عن حليفتها القديمة، فضلا عن قيامهم بتسويق بضاعة ايرانية طائفية فاسدة لأثارة المشاكل مع الدول العربية والتدخل في شؤونها الداخلية نيابة عن حكام طهران مثل فتح مكتب للمتمردين الحوثيين التابعين لايران في النجف الاشرف وفضيحة المدرسة العراقية في الرباط واغلاقها من قبل السلطات المغربية نتيجة توزيع نشرات وكتب طائفية تابعة للمجلس الاعلى الايراني بالاضافة الى تحسس الدول العربية من تسخير السفارات والجاليات العراقية بتنفيذ اجندات ايرانية مثلما حدث في مصر والبحرين والمغرب .
بعد هذة المتغيرات التي قلبت السحر على الساحر ذبل رحيق سوريا وفقدت بريقها حتى باتت مهمشة لاهي في صفاء مع اشقائها العرب ولا هي مستفيدة من الطبخة الايرانية وكذلك لا هي قادرة على اتهام ايران الحليف الاستراتيجي والفاعل الحقيقي لأغلب ما يحصل من تفجيرات دموية على ارض العراق ولا هي قادرة على الانصياع الى مطالب حكام العراق الجدد ولا تحمل اعباء اتهاماتهم التي آخرها تمثيلية مسلسل التفجيرات التي سميت بالاربعاء الدامي فقد اصبحت مثل بلاع الموس كما يقال في المثل الشعبي، والغريب ما في الامر الذي اثار استغراب الكثير من المعنيين في الشأن العراقي عن سبب اتهام يونس الاحمد العضو السابق في القيادة القطرية لحزب البعث في العراق والمقيم في سوريا بهذة التفجيرات وهو الذي نزع الثوب الجهادي وتعامل مع الامريكان وفصل من الحزب ولم يعد بورقة جوكر بالنسبة للسوريين اذن لماذا هذا الاصرار على اتهامة بأعمال باتت معروفة لدى الجميع وباعتراف الكثير من القادة العراقيين المختصين بالشؤون الامنية ان أيران صاحبة اليد الطولى فيها... الجواب على ذلك هو لابد من قيام حكام العراق المنصبين تقديم ادلة مفتعلة امام العالم ضد سوريا لأبعاد الشبهة عن ايران وفي نفس الوقت تصدير ازمة الصراع الداخلي الى الخارج من اجل خدمة اطراف داخل الحكومة العراقية العميلة في ظل التحضير للانتخابات التشريعية القادمة وكذلك لا بد من اتهام سوريا بهذة التفجيرات للضغط عليها من اجل طرد اكثر من مليون لأجئ عراقي مقيم على اراضيها وباتوا يشكلون عمق استراتيجي في الداخل العراقي لصالحها وبالاخص البعثين الذين طيرو النوم من عيون قادة العهد الجديد في العراق، فضلا عن تنفيذ اجندة امريكية صهيونية ايرانية باغراق المنطقة بالخلافات واثارة المشاكل مع الدول العربية المجاورة واتهامها بالتدخل في الشؤون الداخلية للعراق في مناسبة او من غير مناسبة، حتى وصل بهم الحقد وروح الانتقام التلاعب بالسياسة بمحاولة تسيس مشاكل العراق دوليا عبر الامم المتحدة او المحاكم الجنائية الدولية وفاتهم ان عواقب ذلك سوف يفتح سجلات المجرمين في الداخل والخارج وسياخذ العراق حقة من عملاء دول الجوار وخصوصا قادة الاحزاب والميليشيات العاملة تحت مضلة فيلق القدس الايراني .
لقد طفح الكيل ولم يعد ينفع سوريا مسك العصى من الوسط وتقديم التنازلات كما حصل في عهد الرئيس بوش محاولة منها لأرضاء المارد الامريكي بتسليم المئات من كوادر النظام الوطني الى السلطات الامريكية المحتلة في العراق، هذا التصرف الذي جعل العود السوري طريا ولقمة لينة سهلة المضغ، فتحت شهية المتربصين لها من ناكري الجميل بعدما كانوا يتسكعون على عتبات الشام والسيدة زينب.
واخيرا اصبح لزاما على سوريا ان تثبت انها الدولة العربية الوحيدة التي لازالت تتبنى المشروع القومي العربي الذي حتما يتقاطع مع المشروع العنصري الايراني الصفوي وليس لها من خيار غير وضع النقاط على الحروف لان لديها الكثير من الاوراق وحان وقت فتح الملفات وعرض الوثائق والافلام والصور والسجلات التي تفضح الاتصالات والعورات وهناك الكثير من الاستمارات عليها التواقيع على استلام المعونة والهبات ولديها من المزيد ما يمكنها من قلب الطاولة على رؤوس الجميع، فلابد من ان تعيد سوريا الحسابات وتكسر حاجز الخوف وتتعامل مع القوى الوطنية العراقية وفي مقدمتها المقاومة الباسلة كممثل شرعي وحيد للشعب العراقي حسب الاعراف والقوانين الدولية التي تعترف بحق الشعوب المحتلة في مقاومة المحتل وحث الدول العربية الاخرى على مساندتها، فضلا عن احتضان اللأجئين العراقيين وعدم الانزلاق في الفخ الذي نصبتة حكومة المنطقة الخضراء من اجل أبعادهم عن اراضيها، بل يفترض بسوريا التكفير عن خطاياها بحق الشعب العراقي واحتضان ابناءة الشرفاء مثلما كانت تحتضن ما يسمى بالمعارضة العراقية الذين القو بسحرهم ومكرهم على النظام الوطني في العراق ومن ثم انقلبوا على من والاهم وعبّدَ لهم الطريق الى بغداد، ليكن ذلك درس كبير لسوريا حيث لم يعد ينفع عض اصبع الندم مثلما لم يعد ينفع مسك العصى من الوسط .