مسلسل الاتفاقيات الامنية والانسحاب المزعوم من المدن العراقية

طلال بركات
2009 / 8 / 2

عندما ايقنت امريكا بفشل مشروعها الاستعماري في العراق وعدم القدرة على البقاء من جراء ضربات المقاومة الوطنية الباسلة فلا بد من القيام بمحاولة يائسة بعمل سلسلة من العقود والاتفاقيات المذعنة لتكبيل العراق بقيود الى ما لانهاية لكي تضعة بين فكي كماشة استعمارية امريكية بريطانية ليتسنى نهب ما يحلوا لهم من خيرات لتعويض ما فاتهم من خسائر جسيمة، وان من ابرز هذة الاتفاقيات الاتفاقية الامنية التي باتت تعرف باتفاقية الاذعان التي ترمي في جوهرها الى تقنين الاحتلال واعادة أنتشار القوات الامريكية المحتلة من اجل البقاء الدائم في العراق بقواعد ثابتة متاخمة للمدن المقدسة الرافضة للاحتلال التي سبق وان قامت بتدميرها وقتل ابناءها، وبالمقابل حماية العملاء للبقاء في السلطة فكان لابد من القيام بخدعة الانسحاب من المدن عسى ان تنفع لأطالة امد الاحتلال مثلما تم من قبل ايهام الشعب بوعود من ثمار الجنة لغرض تمرير الانتخابات الصورية المزيفة والدستور الذي كتب في شهرين وعجزوا عن تعديل جزء من فقراتة في اربعة سنين، اما اكذوبة اعادة السيادة الى الوطن التي يحتفلون بها في السنة عدت مرات حسب الجرعات التي تمنحها امريكا من فتات بما تمن بها من صلاحيات على الحكومة المنصبة التي اخرها هذا الخروج الصوري من المدن .. على من تنطلي هذة السخافات والاكاذيب والبدع .. اين ذهبت تلك القوات الى المريخ !!! اذا كان المحتل حقا يريد الانسحاب لماذ قام مؤخرا بتعزيز قواتة بخمسة وعشرون الف جندي اضافة الى مائة واربعون الف جاثمين على ارض العراق.. هل هذا هو الانسحاب المنشود الذي لا يعدو ان يكون الا مناورة وعملية مزدوجة من اجل قيام القوات المحتلة بعمليات اسناد للقوات الحكومية من قواعد ثابتة كلما تطلب الامر قمع اي انتفاضة، مقابل قيام القوات الحكومية بعمل طوق نجاة لحماية تلك القواعد من ضربات المقاومة العراقية الباسلة التي ستبقى تلاحق المحتل طالما هناك موطئ قدم لة ولأذنابة، ولم يكن هذا الانسحاب المزعوم الا صفحة من صفحات اتفاقية الاذعان لتطبيع الاحتلال. واليوم تطل علينا الحكومة العراقية من سكات لتمرير نفس المخطط بتوقيع اتفاقية جديدة مع المحتل البريطاني تتضمن السيطرة على المنافذ البحرية والمياة الاقليمية للعراق والاشراف على القوات البحرية العراقية ومنصات النفط الحيوية وتم عرضها على ما يسمى بالبرلمان دون مقدمات للقيام بتمثيلية المماطلة بين الرفض والجذب مثلما مرت اتفاقية الاذعان الامريكية التي تم التطبيل لها من اجل خروج العراق من بند الفصل السابع وبعد مصادقة البرلمان عليها لا خرج العراق من الفصل السابع ولا دخل في الفصل الثامن فضلا عن لحس اجراء الاستفتاء الشعبي على الاتفاقية حسب ما جاء في احد بنودها كشرط لقبولها .. نعم ستمرر اتفاقية الاذعان البريطانية وسيسجل التاريخ مرة اخرى نصرا للمحتل قدم لة على طبق من ذهب من قبل انذل نخبة تدعي انها منتخبة من الشعب. فضلا عن ان مسلسل الاتفاقيات لا ينتهي حيث تم مؤخرا توقيع اتفاقية مع حلف شمال الاطلسي بين وزير الدفاع العراقي ونائبُ الامينِ العام للحلف السفيرُ كلاوديو بيسوكنيرو لتوفير غطاء قانوني لاستمرار مهام بعثة الحلف في العراق بحجة مساعدة تدريب قوات الامن العراقية، ولا نعلم كم دولة وكم جهة تقوم بتدريب تلك القوات والوضع الامني لازال من سوء الى أسوء. هذا بالاضافة الى العقود التجارية والاقتصادية التي تبرم من سكات وتقوم بحلب العراق الى يوم الدين، الا ان ما يؤسف علية انحسار التحرك الشعبي الذي عهدناة في مراحل الخمسينات والستينات من القرن الماضي من مواجهة المخططات الاستعمارية ولكن بالرغم من ذلك يكفي انفراد المقاومة الوطنية المسلحة في تأديب المحتل. اما اليوم والعالم يزهو في عصر الحضارة الغربية ويشهد تقدم واسع النطاق في كافة مجالات العلوم والمعرفة والاتصالات والاقتصاد والسياسة واغلبها تسخر لتسويق ابشع قرصنة واعتى ابتزاز في القرن الواحد والعشرين تحت مسميات حضارية مزيفة كالحرية والديمقراطية حتى بات هذا القرن يعرف بعصر حقوق الانسان وكما هي قوات الحضارة الغربية تنطلق من اقاصي الكرة الارضية بغزو بلد الحضارات مستخدمة ابشع الاسلحة الفتاكة استنادا على اوهام واكاذيب ومبررات مظللة بمساعدة قوى سياسية مستوردة مزدوجة الجنسية والولاء انحطت مع المحتل لتنفيذ اشرس مخطط امريكي صهيوني صفوى لتدمير الدولة العراقية، والاكثر جرما ان يشاركهم في الجريمة نخبة من الاذلاء الذين يدّعون انهم يمثلون الجانب العروبي الوطني في العملية السياسية المشؤومة بحجة التصدي لذلك المخطط بينما نجد هذة النخب منغمسة في المصالح الشخصية حتى النخاع وفي كل مرة توافق باستحياء على تمرير تلك المخططات بل تعطي المبرر القانوني والغطاء السياسي من وراء ستار مسرحيات المعارضة والمماطلة والانسحابات من جلسات البرلمان فضلا عن المتاجرة والمساومات على تنفيذ وعود كاذبة لغرض الضحك على ذقون الناس بعد تقاسم الغنائم والسرقات حيث ان العبرة هي ليست في خروج تلك القوات من المدن كما يقال او في انتخابات ديمقراطية مزيفة او في دستور مجحف وانما في حقيقة الامر ان البلد اصبح خاضع تحت السيطرة والوصاية الاستعمارية للمحتل بعد قيام العملاء في تنفيذ كل ما مطلوب من خلال تكبيل العراق باتفاقيات تحقق تبعية سياسية واقتصادية وعسكرية استعمارية كاملة تتماشى مع الاستراتيجية الامريكية الجديدة بانسحاب قواتها العسكرية في المدن بحجة تنفيذ بنود الاتفاقية الامنية سيئة الصيت، الا ان حقيقة الامر قيام العملاء بتنفيذ مامطلوب حتى لا تتحمل قوات الاحتلال مزيد من الخسائر الفادحة. ولايخفى على احد ان السبب الحقيقي والرئيسي وراء هذا التخبط من اتفاقيات فاشلة وهروب قوات الاحتلال الى جحورهم في القواعد المتاخمة للمدن هو من فعل المقاومة الباسلة التي اذاقت جند الاحتلال الويل من خسائر بشرية وعسكرية جعلت حتمية خروجهم من العراق امرا لابد منة عاجلا ام آجلا بالاضافة الى الخسائر المادية والمالية التي تكبدتها امريكا والتي كانت سبب رئيسي للازمة المالية العالمية في الوقت الذي لم تجني من حكومة نصبتها في المنطقة الخضراء غير الولاء لأيران بسبب تقدم الولاء الطائفي على الولاء السياسي خصوصا بعد انحسار الدور الامريكي في العراق والهزائم التي منيت بها قواتها بالرغم من كل المحاولات الاقليمية والدولية لانقاذ مشروعها الاستعماري، في الوقت الذي تحاول الحكومة العراقية سرقة جهد وفعل المقاومة لتجيير هروب تلك القوات خارج المدن لصالحها.. كأنها في مواجهة مع المحتل وكأنها هي التي اجبرتة على الانسحاب، ومن المضحك ان من جاء بالاحتلال يحتفل بخروج المحتل. اما الزيارة المفاجئة لنائب الرئيس الامريكي بايدن الى بغداد في ذلك التوقيت ليست ببعيدة عن موضوع الانسحاب وهي ليست كما اعلن عنها لبحث موضوع تصدع المصالحة بل لها علاقة في مشروعة الاغبر المعروف بتقسيم العراق والذي افصح عنة خلال فترة الانتخابات الامريكية، لان الولايات المتحدة باتت تعي مدى انهيار العملية السياسية في العراق كما باتت متأكدة من فشل حماية قواعدها الثابتة خارج المدن العراقية لذلك جاء بايدن وفي ذهنة البديل وهو مشروع التقسيم كخطوة اخيرة لانقاذ ما تبقى من ماء الوجة لصعوبة الخروج من العراق بخفي حنين فلا بد من تأجيج الوضع الطائفي بمساعدة ايران عبر اذنابها العراقيين كما ساعدتها اول مرة في احتلال العراق، وقد طرح بايدن مشروع تقسيم العراق قبل ان يكون نائبا للرئيس الامريكي باراك اوباما اي عندما كان سناتور ديمقراطي عن ولاية ديلاوير وقد ايدة العديد من اعضاء الكونغرس وكانت افكارة وقناعاتة ومواقفة السياسية بشأن تقسيم العراق مستمدة من دراسة اعدها باحثين في معهد بروكينجز المعني بشؤون الامن القومي الامريكي والتي اشارت تلك الدراسة الى ( أن الواقع الحالي في العراق من اقتتال داخلي يجعل التقسيم أفضل الخيارات المتاحة كما أن التجربة أثبتت عدم صحة المبدأ القائل بأن العراقيين يريدون العيش معا داخل دولة واحدة ذات حكومة مركزية حيث صوت العراقيين في الانتخابات في السنوات الأخيرة وفقا لمصالح الطوائف التي يدينون لها بالولاء والى جانب العنف الطائفي اكتشف العراقيين انهم يشعرون بالأمان حين يعيشون في منطقة معظم سكانها من نفس الطائفة وهذا ظهر بوضوح من خلال حركات النزوح التي قام بها ألاف العراقيين هربا من العنف ، وكانت الدراسة ترى ان الاكراد اكثر وضوحا بفكرة استقلال الاقليم. كما تشير الدراسة ايضا التي يتبناها بايدن بان موقف الشيعة اغلبهم مؤيد للخطة التي روج لها عبد العزيز الحكيم رئيس المجلس الأعلى للثورة الإسلامية بشأن تقسيم العراق لأقاليم تتمتع كل منها بحكما ذاتيا بالرغم من وجود اخرين مابين معارض ومحايد )، وما تهديدات بايدن الى حكومة المالكي في زيارتة الاخيرة للعراق واتهامة للحكومات الموالية لايران التي تعاقبت على السلطة بعد الاحتلال باثارة الفتن الطائفية بين العراقين وهو يعي جيدا ان الامريكان ليس فقط على علم بتلك الفتن بل كانوا شركاء رئيسيين في اثارتها لان الاجندة الامريكية تتقاطع مع استقرار العراق وخير دليل على ذلك قصة الاميركيين الذين امسك بهم من قبل بعض العراقيين وهم يرتدون الكوفية والعقال ويقودون سيارات فيها متفجرات واسلاك تفخيخ، فضلا عن الجرائم الكبرى التي اقترفتها ايران عن طريق فيلق القدس وميلشياتها العميلة بتدمير العراق وقتل ابناءة الشرفاء تحت انظار القوات الامريكية، وانهم اي الامريكان على استعداد لاثارتها من جديد لكي يقال ليس هناك من فائدة الا مشروع بايدن الذي هو تقسيم العراق لكي يتسنى احكام السيطرة على الاقاليم الناتجة عن التقسيم، وهذة الحقائق تدحض ادعاء سبب زيارتة من اجل بحث تحقيق المصالحة الوطنية التي لا تمت بالحقيقة بصلة. وبعد ايام من زيارة بايدن تسلل روبرت غيتس وزير الدفاع الامريكي في زيارة مفاجئة لأكمال الطبخة وقد حط في قاعدة التليل العسكرية في محافظة الناصرية دون علم حكام المنطقة الخضراء (هكذا هي السيادة في دولة القانون)، حيث اجتمع مع مديري شرطة محافظات ذي قار والمثنى وميسان وقائد الفرقة العاشرة في الجيش العراقي وعدد من القادة العسكريين في الجيش الامريكي لبحث مستجدات الأوضاع الأمنية ودعم القوات العراقية من اجل اكمال مستلزمات تشكيل اقليم الجنوب على غرار اقليم كردستان التي زارها تباعا لبحث التوقيت الملائم لاطلاق شرارة الانفصال بعد تصاعد وتيرة الخلافات المصطنعة مع حكومة بغداد واعلان التقسيم تحت تفعيل مسميات الفدرالية خصوصا بعد صدور الدستور الجديد للأقليم المزعوم والانتهاء من الانتخابات البرلمانية لتنعم القواعد المنتشرة في اقاليم هزيلة بالامان اكثر لو كان العراق موحدا حسب تصور الاستراتيجية الامريكية الجديدة.
واخيرا ان خروج قوات الاحتلال من المدن ليست الا صفحة بائسة من صفحات اجندة المحتل وعملاءة حيث لا يعقل من يحتمي بالمحتل يحتفل بخروج قواتة الا عندما يكون ذلك الخروج صوري مقنن وفق اتفاقيات مبطنة بها من الثغرات ما يبقي العراق تحت وصاية الجدل القانوني والتفسير السياسي لبنود تلك الاتفاقيات اكثر من الوصاية الاستعمارية للاحتلال ذاتة، لان جوهر هذة الاتفاقيات وجدت لتصب في النهاية في خدمة مشروع التقسيم عندما تتيقن الادارة الامريكية الجديدة من عجزها عن احكام السيطرة على العراق الواحد الموحد .