هل يكون فوز -المتنافسين- إيذاناً بنهوض البديل الحقيقي؟

حبيب فارس
2009 / 6 / 27

في حين فشل فريق الثامن من آذار أن تكون له اليد الطولى في التوازن اللبناني القائم، نجح أهل السلطة مجتمعون، ومن معهم ووراءهم خارج الحدود، في تكريس المعادلة التي كانت قائمة قبل "الإنتخابات" الأخيرة كرهان على ألا يتبلور البديل الفعلي لفرقاء الفريقين، أي فريق القوى العلمانية والديمقراطيّة الحقيقية ذات القوة الأكبر على الأرض لكن الممنوع عليه، قوانيناً ومالاً سياسياً وانتخابياً، من تجسيد هذه القوة. ويكاد المرء يجزم، لو أنّ فريقا 8 و14 آذار، لم يكونا حريصان على استبعاد الفريق الثالث، حتى عن اصطفاف بعض مكوناته ضمنهما، لجاءت نتيجة "الانتخابات" متساوية تماماً. لكن حتى هذا الخيار استبعد من الفريقين، لما يحمله من مخاطر، ولو في الحد الأدنى، عليهما وعلى مشاريعهما مجتمعين. كأن يستبعد على سبيل المثال لا الحصر، فريق الثامن من آذار حتى ولو "احتواء" الشيوعيين، المؤسسين للمقاومة الوطنيّة اللبنانية، تحت مظلته الانتخابية من جهة، واستبعاد فريق الرابع عشر من آذار بعض الرموز من غير صقور العداء للمقاومة، ومن لديهم بعض المصداقية حين يدور الكلام عن الإستقلال والحرية والديمقراطية واللاطائفية سياسية، كجان عبيد، من جهة أخرى.

بكلام آخر، فضّل فريقا السلطة اللبنانيّة، الحفاظ على الوضع القائم، مراهنان كل من موقعه، على أن تأتي المتغيرات الإقليمية والدولية القادمة لصالح تكريس حصة أكبر له في هذه السلطة، لا يتجاوز سقفها حدود الطوائف والنفوذ من دون حدوث أي تغيير جذري في بنية نظام المحاصصة الطائفية من شأنه أنسنة هذا النظام على المستويات الإجتماعية والإقتصادية والحقوقيّة المترابطة عضوياً مع رفع الحصارات الطائفيّة والإنعزالية عن المقاومة كمشروع وطني تتوحد معه ومن خلاله، غالبية الشعب اللبناني. تبيّن نتائج "الانتخابات" الأخيرة إدراك طرفي السلطة، أن استمرارهما في لعبة العض على أصابع بعضهما البعض، هو أقل خطورة من نزع المعطف الطوائفي عن النظام السياسي اللبناني، ما يعرضهما مجتمعان إلى صقيع مميت ليس له علاقة بالآفاق المستقبلية للمقاومة ولا آفاق حرية لبنان واستقلاله وسيادته. وبعد أن ضاق هذا المعطف على هذا النظام ولم يعد يحتمل الترقيع – لأنه صار كلّه رقعاً – يصر الفريقان على ارتدائه، ولو مؤقتاً، مبتهلين إلى الله أن يطيل بعمر "رسله" على الأرض، عربياً وإقليمياً ودولياً، كي يقونهم شرّ الخطر الأكبر، أي المواطنة الحقة والإستقلال الحق والديمقراطية الحقة والعدالة الحقة في كنف نظام سياسي حق، وذلك من خلال وصفة "سحرية" ما، تطيل عمر النظام الحالي .

إذن، حرص فريقا السلطة على استنهاض آخر المفاعيل الغرائزية الطائفية والمذهبية، مع حشد آخر ما يمكن أن يستنفره المال السياسي، لتجميد الوضع الراهن، قدر المستطاع، ومنع أي اختراق حقيقي للوائحهما الإنتخابيّة، حتى ولو من نائب واحد، يستطيع الكلام بلا خوف، عن أن تحصين المقاومة، لن يتم فقط من خلال الحفاظ على سلاحها ولا فقط من خلال تفكيك شبكات تجسسية، كلما فككت إحداها سينبت عشرة مكانها في تربة أضحت حقلاً لا ينقصه أي سماد خيانة أو إفساد أوإفقار أو تيئيس ولم يعد محرماً فيه نمو أي نوع من أنواع فطر الجريمة بحق الوطن والشعب؛ أو الكلام بلا خوف، عن إستقلال وحريّة وسيادة، غير كلام الذين لم يتوانوا عن استباحة هذا الإستقلال مع كلّ مستبيح خارجيّ له ومن لم يمارسوا الحريّة إلا في قتل وتهميش أبناء شعبهم ومن لم يستطيعوا حتى إدانة استباحة سيادته جنوباً أو شرقاً أو بحراً لأنهم لم يألوا على أنفسهم ركوب دبابات وبوارج المستبيحين، على اختلافها، كي يبقى وطن الأرز مستباحاً إلى ما شاء الله!

بعد مهزلة "الإنتخابات" الأخيرة، لم تعد الأسئلة مثل من هو مع المقاومة أو ضدها، من هو مع الحرية والإستقلال والسيادة أو ضدها، هي الأسئلة المطروحة على المواطن اللبناني. السؤال الرئيسي الذي يطرح نفسه وبإلحاح الآن هو من مع هذا النظام الذي لا قدرة له إلا على توليد وتوريث كلّ من أجاب بـ "لا" على كل الأسئلة السابقة. ومن متفرعات هذا السؤال هل تكفي أم المهازل الأخيرة لشحذ همّة قادة وكادرات الأكثرية الصامتة وكل المغلوب على أمرهم في لبنان للإنطلاق من أجل إخراج لبنان وشعبه من عنق زجاجة كوكتيل الطائفيّة – المذهبيّة – الإستغلال الطبقي - الخيانة الوطنيّة، نحو لبنان الغد العلماني – الديمقراطي الموحّد الذي من شأنه كنس كل المنافقين؟ لم يعد لعدم الإجابة العملانية على هذا السؤال ما يبرّره بعدما استنفذ هذا النظام وأهله كل المبررات.