دور منظمات المجتمع المدني في العملية الانتخابية

جورج منصور
2009 / 6 / 25

تمثل الانتخابات القادمة في اقليم كوردستان والمنافسة الحرة بين القوائم المختلفة جانبا مهماً من جوانب العملية الديمقراطية, في حين تشكل حرية الرأي وحماية حقوق الإنسان وحرية الصحافة والتنظيم ووجود معارضة سياسية فتية تهدف إلى خوض منافسة حرة وسليمة وفق الآليات الديمقراطية التي يتضمنها الدستور, إلى جانب الأحزاب والقوى التي تشكل الحكومة في الإقليم أو في أي بلد من البلدان الديمقراطية جوانب أخرى منها.



ويستوجب على كل مواطن يعيش في الإقليم وبلغ السن القانونية المشاركة الفعلية في العملية الانتخابية, باعتبارها حقاً من حقوقه الأساسية الذي لا يجوز التفريط به, سواء من خلال عدم استخدامه لهذا الحق, أو سوء استخدامه له. إذ إن عدم استخدامه يدلل على عدم الوعي بأهميته أو عدم اكتراثه ببلده ومستقبله والبرامج التي يفترض تنفيذها لصالح تقدمه, وفي ذات الوقت فعدم المشاركة يعني عدم رفض ما يعارض مصالح البلد من خلال التصويت. وترتبط عملية اقتراع الشخص بموقف المقترع من عملية المصادقة على البرنامج الذي يرى فيه تأييداً لما يسعى إليه من خلال الصوت الذي يمنحه لهذا المرشح أو ذاك أو لهذه القائمة أو تلك. في حين لا يصوت لأشخاص أو لقوائم أخرى لأنها لا تمتلك برنامجاً أصلاً, أو لديها برنامجاً غير واقعي أو لا يستجيب لمصالح المجتمع.



ومن هنا يكمن جوهر العملية الانتخابية في ثلاثة جوانب اساسية:



1. ممارسة حق التصويت



يتأتى هذا الحق من الدستور العراقي ومن دستور الإقليم في آن واحد وينسجم تماماً مع لوائح حقوق الإنسان والمواثيق والعهود الدولية التي ترى بأن من حق المواطن أن يدلي بصوته في الانتخابات أو الاستفتاءات العامة باعتبارها أحد الحقوق التي يوفرها النظام الديمقراطي شريطة أن تجري بحرية ونزاهة. ولا يجوز من حيث المبدأ عدم ممارسة هذا الحق, إذ يعتبر الإنسان وكأنه غير مبال بما يحصل لوطنه وشعبه وحياته الشخصية وعائلته. ومثل هذا الحق يرتبط أحياناً كثيرة بمستقبل البلد وعلاقاته واتجاهات تطوره السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي والبيئي والعسكري والعلاقات الإقليمية والدولية. وحق التصويت توفره نظم سياسية مختلفة بيد انها تختلف من مجتمع إلى آخر, ففي الوقت الذي كان الإنسان مجبراً على المشاركة في الانتخابات واختيار شخص معين أو قائمة معينة, كما في الانتخابات التي كان يفرضها النظام ألبعثي السابق أو كل النظم الدكتاتورية والشمولية, وهي انتخابات شكلية يراد بها خداع العالم, ومن لا يشارك في الانتخابات, يطارد من قبل المخابرات ألبعثية وأجهزة الأمن وأجهزة الحزب ومنظماته البوليسية. في حين يعتبر حق التصويت أو عدمه جزءاً من النظام الديمقراطي, ولكن عدم ممارسة حق التصويت والتخلي عن إبداء الرأي بشأن القضايا أو البرامج المطروحة, ربما يقود إلى ترشح أشخاص غير كفوئين إلى البرلمان لا يعون مسئولياتهم جيدا ولا يعملون على تنفيذ سياسات تخدم مصالح الشعب. إن حق الانتخاب ينطلق من حق مزدوج, فهو من جانب حق أي مواطن أو مواطنة في الترشيح للانتخابات وخوضها مع بقية المرشحين بصورة سلمية وديمقراطية ونزيهة, أو حق التصويت لمن يرى فيه أو لقائمة يرى فيها تعبر عن مصالحه ومصالح المجتمع. والتخلي عن هذا الحق لا يساعد في تحقيق ما يصبو إليه وما يتمناه لشعبه.



2. واجب المشاركة في التصويت لاختيار البرنامج المناسب



يرتبط هذا الحق عضوياً بواجبات أساسية لا يمكن عزلها عن البند الأول, فهما وجهان لعملة واحدة. أي أن المشاركة في الانتخابات ليست حقاً فحسب, بل واجباً أيضاً, وبدون هذا الواجب يتقلص مستوى الحياة الديمقراطية ونوعيتها. فواجب الإنسان الواعي هو المشاركة في الانتخابات لاختيار البرنامج المناسب الذي يطرحه هذا المرشح أو ذاك أو هذه القائمة الحزبية أو تلك الجماعة المستقلة أو أي تكتل سياسي آخر والذي يتناغم مع مصالح البلد والمصالح التي يتبناها المقترع. فمثل هذا الواجب لا يجوز التخلي عنه إذ أنه يرتبط بمصالح الوطن والشعب والفرد ذاته ومستقبل الأجيال. ولا شك في أن مستوى وعي الإنسان وثقافته وخبرته السياسية تتيح له فرصة التمييز بين البرامج المختلفة ويعرف أين تكمن الفوارق الجوهرية بين البرامج. في حين أن الجهل والأمية وضعف مستوى الثقافة والوعي لا يساعدان على ذلك ومن خلاله يمكن أن يتم التصويت لبرامج غير عقلانية وغير واقعية.



والمعروف عن العلاقة الجدلية بين الحقوق والواجبات في المجتمع. فان هناك الكثير من البشر يمارسون الحقوق ويسعون إلى زيادتها, ولكنهم ينسون أن عليهم واجبات أيضاً, إذ لو أخل الجميع بواجباتهم, فهذا يعني أن المجتمع سيعجز عن تحقيق ما يفترض أن ينجز في الدولة أو الإقليم والمجتمع. ولكن هناك من البشر, وهم الغالبية عموماً يدركون العلاقة العضوية بين الاثنين, لهذا فهم يسعون الى الربط بينهما ويمارسون حقوقهم وواجباتهم في آن واحد. وهؤلاء هم الذين يمكنهم تقديم أفضل خدمة للمجتمع ولأنفسهم. وهذا هو المطلوب من الجميع.

ولكن هذا الواجب يرتبط بدوره بواجب آخر ألا وهو:



3 . واجب التصويت لاختيار الشخص أو القائمة المناسبة



لا شك في إن البرامج السياسية والاقتصادية والثقافية التي تطرح في الانتخابات ترتبط بأحزاب وقوى سياسية وشخصيات ترشح نفسها لخوض الانتخابات, وأن اختيار البرامج يرتبط عضوياً بالمرشحين في قوائم أو كأفراد. ومن هنا يتحمل الناخب لا مسؤولية اختيار البرنامج فحسب, بل مسؤولية اختيار المرشح أو القائمة المرشحة لمنحه صوته. وهي مسؤولية كبيرة, رغم أن الكثير من الناس لا زالوا لا يدركون ولا يهتمون بهذه الحقيقة. إذ ان المهمة لا ترتبط بنوعية وجودة البرنامج وحده, بل وبالأساس بمدى قدرة المجتمع على تنفيذ ذلك البرنامج, أي وبتعبير أدق مدى واقعية وموضوعية البرنامج ومدى قدرة الدولة أو الإقليم على تنفيذ هذا البرنامج أو ذاك.



هناك البعض الذي يزايد على البرامج لكي يحظى بتأييد الناس ويحصل على اصواتهم, ولكنه يعجز عن تنفيذه بسبب عجز الإدارة والمجتمع عن تنفيذه لأسباب ترتبط بعدم واقعيته, في حين أن برنامجاً آخر يتضمن أهدافاً مهمة ولكنها واقعية. ولهذا لا بد للناخب أن يميز أيضاً بين هذه البرامج لا من حيث الجودة فحسب, بل ومن حيث واقعيتها في التنفيذ ومدى خدمتها للمجتمع, وخاصة الفئات التي هي بحاجة إلى من يساعدها على تحقيق أهدافها.



إن إدراك هذه الحقائق الأساسية وغيرها والتي تصب في حق المواطن وواجبه تلقى على عاتق منظمات المجتمع المدني في إقليم كوردستان مسؤولية القيام بعملية التوعية والتثقيف العام والواسع من خلال شرح أهمية تحقيق أوسع مشاركة في الانتخابات العامة أو الاستفتاءات على الدستور أو القوانين الأساسية أو المسائل التي تريد الدولة أو الإقليم طرحها للاستفتاء ولأخذ رأي الشعب بها.

إن الواجب الوطني يحتم على منظمات المجتمع في الإقليم أن تعمل باتجاه التعبئة العامة للمشاركة في الانتخابات وعدم الامتناع عن الذهاب إلى صناديق الاقتراع للإدلاء بالصوت باعتباره حقاً وواجباً ومسؤولية سياسية واقتصادية واجتماعية ووطنية في آن واحد. وهذا هو ما يفترض أن تتحمله هذه المنظمات كجزء من مهماتها الاساسية .



وتتنوع أساليب التوضيح والتثقيف ابتداءً من عقد الندوات الجماهيرية أو طرح الشعارات الحيادية التي تؤكد على أهمية خوض المشاركة في الانتخابات ومروراً بالذهاب إلى المؤسسات الاقتصادية والاجتماعية أو الجامعات والمعاهد لهذا الغرض, وانتهاءً بالاستفادة من وسائل الإعلام للوصول الى الناخبين وعقد ورش عمل في مناطق مختلفة لتحفيزهم على الاقتراع أو الذهاب إلى الريف وتعبئة الناس بغض النظر عمن يصوت له هذا المقترع أو ذاك.



إن من واجب منظمات المجتمع المدني أن تساهم في تربية أفراد المجتمع بحقوقهم وواجباتهم التي لا تقتصر على خوض الانتخابات, بل المشاركة الفعلية في عملية بناء الإقليم, خاصة وأن النظم السياسية المركزية السابقة قد مارست التهميش ضد الإقليم وشعب الإقليم, وبالتالي جعلت الناس لا يهتمون بواجباتهم لأنه لم يتسنى لهم الاستفادة أو ممارسة حقوقهم المشروعة التي كانت تقرها حتى دساتير الدكتاتوريين السيئة والتمييزية, ولكنهم حتى دساتيرهم تلك لم يحترموها لأنهم لم يحترموا أنفسهم, وبالتالي لم يحترموا الناخبين. وكان هذا صارخاً في حكم القوى القومية العربية التي هيمنت على الحكم خلال العقود الأربعة التي انتهت بسقوط النظام الدكتاتوري.



إننا نعيش مرحلة جديدة ونسعى لبناء حياة جديدة ونعمل من أجل تطوير هذه الحياة وإغناء جوانبها المختلفة بما هو ضروري من تقدم وتحديث لمؤسسات الإقليم وأجهزته الإدارية وأدائها السليم والسريع وغير البيروقراطي. وهذا كله يتطلب رقابة المجتمع ومنظمات المجتمع المدني بما يساعد حكومة الإقليم على إرساء أسس سليمة في ممارسة الحقوق والواجبات في أجهزة الإقليم والمجتمع.



* وزير المجتمع المدني في حكومة اقليم كوردستان- العراق