ألاعلام وحقوق الانسان – ألعراق نموذجا

جورج منصور
2004 / 4 / 8

الاتصال ، في الاصل ، اساس ووسيلة الترابط في المجتمع الانساني . ومهما كان الاختلاف في تعريفه، فأنه يظل الحقل الشاسع للعلاقات، لتبادل المعلومات والافكار بين البشر، وهو جامع التعابير للتفاهم المتبادل بين الجماهير والفئات الاجتماعية والحكام والعالم الخارجي.
والاعلام هو نتاج الاتصال ، وهو المادة الخام للمعرفة ، لهذا تظل الرسالة الاعلامية ، باعتبارها العنصر الثالث والاهم بين عناصر الاتصال الثلاثة ( المرسل والمستقبل والرسالة ) كما تظل اداة معرفة وتوعية وتوجيه واثارة وتحفيز وتمويه وتزييف في ان واحد. ويدل الواقع على امكان استخدامها اداة ضبط وقمع للجماهير ولغة لمخاطبة الغرائز وتزييف الوعي كما في الانظمة الشمولية والدكتاتورية ، حيث تسخر وسائل الاعلام لتمجيد الشخص وعبادة الفرد وتنهار قيم حقوق الانسان ويصبح البشر عندها مجرد ادوات في ماكنة ( الحاكم – الفرد ) او مايعرف بالطاغية ، وهو ماحصل في عهدي البعث الاول والثاني ، حيث تمكن النظام المخلوع في عهده الثاني من تهديد الامن والسلام في العراق والاقليم وعلى الصعيد الدولي، من خلال توجيه وسائل الاعلام لتأليه الشخص الاوحد ونشر الفكر العنصري وشن الحروب لحل المعضلات المحلية والاقليمية ، وهو ماادى الى انتهاكات بالغة لحقوق الانسان في العراق والمنطقة منذ السيطرة على السلطة في عام 1963.
فلم يكن من السهل ولا من المقبول ، في عهد صدام ، ان تحمل الرسالة الاعلامية ، بكل اصنافها : المرئية والمسموعة والمقروءة ، اية اشارة الى حقوق الانسان الاساسية او امكانية نشر ثقافة التسامح بين اتباع الديانات وبين القوميات والاعتراف بالرأي الاخر ، ذلك لان فلسفة النظام كانت قائمة على اساس الخيمة الفكرية البعثية الشوفينية الواحدة و عسكرة المجتمع والدولة من اجل تسخير جميع الطاقات والامكانات لخدمة الحزب الواحد ومن ثم الشخص الواحد ، وهو ماادى الى تعطيل الطاقات والتنمية وتأخير التطور نحو الافضل.
ان الانتهاكات البليغة التي حصلت في العراق في الفترة السابقة ، تعد اسوأ ماشهده التأريخ الحديث وخير دليل على مانقول ، ما تم اكتشافه من المقابر الجماعية ومجزرة حلبجة وكارثة الانفال ضد الشعب الكردي ومحاولة ابادة الشيعة والاكراد الفيلية والتركمان وتجفيف الاهوار واتباع سياسة التمييز الطائفي ضد الشيعة في الوسط والجنوب وسياسة التمييز الديني والقومي ضد الاشوريين والكلدان والصابئة واليزيديين والارمن ، وكلها منافية لحقوق الانسان وقيم المجتمع المتحضر.
اذ يمكن استخدام الرسالة الاعلامية استخداما مغايرا كأداة تساعد على غرس القيم الانسانية ومبادئ حقوق الانسان ، وعلى تعبئة الجماهير وتحريكها ودعم حركتها كي تسيطر على واقعها : فهما ، تأويلا وتغييرا.
وهكذا فالرسالة الاعلامية هي النقطة المركزية في العملية الاعلامية ، ودورها في التنمية الثقافية انما يحدده مقدار ومدى ماتحمل من المضمون الثقافي ، ولا يشمل هذا وسائل الاعلام الجماهيرية فقط ، بل يشمل جميع قنوات الاتصال البشري ، من الاشكال التقليدية للاتصال ( كالكتاب – والصحافة ) والاذاعة بشكليها المسموع والمرئي الى النطاقات الاعلامية الاخرى التي جاءت بها ثورة الاتصال التي يمكن جمعها في مجموعتين : الاولى – الشبكات الفضائية والاقمار الاقليمية. والثاني – بنوك المعلومات التي تطورت في اتجاه خزن المعلومات ونشرها حسب الطلب حتى اضحت احدى مناجم الثروة والسيطرة على العالم. وهي جزء عضوي من عملية العولمة الموضوعية الجارية في العالم وفي مختلف المجالات والمستويات.
ان ثورة الاتصال حرية باسعاد الانسان بوسائلها المتطورة وقنوات الاتصال كالاقمار الصناعية والشبكات الفضائية ومحطات اذاعة البث وانظمة البث التلفزيوني والكابلوتلفزيوني ، مما جعل الثقافة تندمج اوسع الاندماج مع وسائل الاتصال وجعل هذه الوسائل جزءا اساسيا من وسائل النشر الثقافي ، وجعل المحتوى الاعلامي يغني يوميا بما يتدفق من المنجزات الثقافية والبرامج ذات المضمون الانساني الرائع والقيم الصالحة لجميع البشر ولاسعاد الناس وتجاوز مشكلاته وتنمية افاقه الثقافية.
وقد ادركت المجتمعات كافة ان لحقوق الانسان اهميتها البالغة للبشرية جمعاء بوصفها اساس الحرية والعمل والسلام على المستوى المحلي والعالمي ، ونتيجة لتراكم التراث الانساني الاصيل وما صاحبه من جهود العاملين في المجال الانساني تمخضت عن انشاء منظمة الامم المتحدة التي نص ميثاقها في المادة 55 على : " ان على الامم المتحدة ان تعمل على ان يشيع في العالم احترام حقوق الانسان والحريات الاساسية للجميع بلاتمييز بسبب العنصر او الجنس او اللغة او الدين " .
ولان هذا الميثاق معاهدة دولية ، فهو يمتلك قوة ملزمة يتعين على جميع الاعضاء من الدول المنتمية الى الامم المتحدة ان تفي بالتزاماتها التي تعهدت بها في الميثاق ونتيجة لاستمرار بعض الحكومات الدكتاتورية والمستبدة والشمولية كحكم الطاغية صدام حسين في انتهاكات لحقوق الانسان ، رغم التزامها المسبق بميثاق الامم المتحدة ، مما حفزالمجتمع الدولي على المطالبة باقرار ضمانات دولية لحماية وتعزيز حقوق الانسان وحرياته الاساسية وعدم ترك الموضوع لمشيئة الحكومات لوحدها بل ينبغي التأكد من احترام الحكومات لتلك الضمانات وان قوانينها مطبقة وسارية المفعول . والعمل على اقامة نظام فعال لحماية تلك الحقوق وبما يؤول الى تطور مفهوم القانون الدولي الانساني ، والذي يتكون في مجمله من مجموعة من الاحكام القانونية الدولية والتي تهدف الى احترام الذات الانسانية وبشكل لايتعارض مع مقتضيات النظام العام والاداب. وفيما يتعلق بحقوق الانسان تؤكد المادة رقم 1 من ميثاق الامم المتحدة الى تشجيع وتعزيز احترام حقوق الانسان وحرياته الاساسية دونما تفريق او تمييز . كذلك تصف المادة رقم 56 على " ان على الدول الاعضاء في الامم المتحدة ان تفي بالتزاماتها التي تعهدت بها في الميثاق بكل اخلاص بما في ذلك الالتزام بتعزيز وحماية حقوق الانسان واحترامها ..... "
وفي عام 1945 أنشأت الامم المتحدة لجنة حقوق الانسان ، استندت اليها مهمة اعداد وثيقة دولية لحقوق الانسان . وقد انجز القسم الاول من هذه الوثيقة المتمثل بالاعلان العالمي لحقوق الانسان بتاريخ العاشر من كانون الاول ( ديسمبر ) 1948. اذ يمكن تقسيم حقوق الانسان – حسب الوثيقة – الى :
حقوق مدنية وسياسية: وتشمل الحق في الحياة والحرية والتحرر من التعذيب والعبودية والمشاركة السياسية والحق في الملكية والزواج والحريات الاساسية المتمثلة في حرية التعبير والفكر والضمير والدين وغيرها.
حقوق اقتصادية واجتماعية وثقافية: وتتعلق بتوفير العمل وضمان مستوى مقبول للمعيشة وحرية التعليم والحياة الثقافية وتوفير الحاجات الاقتصادية والاجتماعية وجميع سبل العيش للفرد والقضاء على البطالة والتضخم المالي وسوء التغذية والعمل على تحقيق رفاه المجتمع وتطوره ... الخ.
وليست الثقافة والتربية بالمجالين المتوازيين ، ولكنهما مجالان متداخلان ، وعلاقتهما تبادلية لما بينهما من ترابط وثيق وعلى اساس هذا الترابط فان تنمية اي منهم تنعكس بالضرورة في الاخرى. وبما ان الثقافة هي التي تغذي التربية وتشكل قوامها الفكري والخلقي ... وعودة على بدء فان الرسالة الاعلامية هي النقطة المركزية في عملية الاعلام ودورها في التنمية الثقافية انما يحدده مقدار ومدى ماتحمل من مضمون ثقافي. لذا فان رسالتنا الاعلامية ينبغي ان تحمل ، بعض ما تحمل ، نشر ثقافة حقوق الانسان وتربية الاجيال نحو الاعتراف بالاخر والحوار وثقافة التسامح بين القوميات المختلفة والديانات المتعددة والافكار والمذاهب السياسية طبقا لدستور دائم وقوانين يحترمها الحاكم والمحكوم طواعية وقبل ذلك يتطلب بذل اقصى الجهود لكشف هذه الانتهاكات التي حصلت سابقا وتقديم المسؤولين الى المحاكمة العادلة.
ان وسائل الاعلام كافة ، تؤدي دورا مهما في بناء دولة القانون ولابد من تخصيص مادة دراسية خاصة في المراحل الدراسية لنشر ثقافة الانسان وبخاصة في المؤسسات التربوية والعسكرية والشرطة والمدارس وحتى رياض الاطفال ، اذ ان لكل انسان حقوقا اساسية سواء أكان وطنيا ام اجنبيا بسبب طبيعته الانسانية.
ان للندوات التلفزيونية والصحافة ومواقع الانترنت والراديو دورا فاعلا في توجيه الرأي العام نحو احترام الاخر والاعتراف به واحترام حقوقه ، ولابد من تحديد الفاصل بين حقوق والتزامات كل شخص. ولتربية حقوق الانسان اهمية في بناء السلم الاجتماعي والتضامن واشاعة الحوار والامن والاستقرار وبدونه لايمكن بناء الديمقراطية. كما يمكن لوسائل الاتصالات هذه ان تلعب دورا معاكسا للاتجاه الانساني. ولاشك ان العلاقة وطيدة بين الديمقراطية وثقافة حقوق الانسان. ومن هنا يستوجب اعداد منهاج اعلامي متكامل للوصول لهذا الهدف وتغيير المنهاج الدراسي في المراحل التعليمية وحذف الثقافة الشمولية وتمجيد العنصر او الثقافة الانسانية الوحيدة وذلك لان التعددية القومية والدينية والفكرية من اولى سمات المجتمع المتطور. وهو ما نأمل ان يكون في عراق المستقبل.
----------------------------------------------------------------------------------------
اعلامي ورئيس الجمعية العراقية لحقوق الانسان - كندا