منظمات المجتمع المدني وأهمية التمويل الحكومي والدولي لنشاطاتها؟

جورج منصور
2009 / 4 / 2

تشكل منظمات المجتمع المدني حجر الزاوية في النضال الشعبي من أجل إقامة مجتمع أكثر مدنية وديمقراطية وحرية وأفضل معيشة وأكثر تقدماً ورفاهية ورقيا وعدلاً. وهي تلعب الدور الثاني بعد دور الحكومة في التعبئة الشعبية لتحقيق مهمات المجتمع الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية وتأمين حياة حرة وديمقراطية سياسياً في آن واحد. كما يمكنها أن تساهم, إذا ما أتيحت لها الفرصة الفعلية وبعيداً عن المعوقات, في إعادة بناء الفرد والمجتمع وتخليصه من براثن التخلف والجهل والخوف وتبث فيه روح الأمل والثقة والتفاؤل والروح النضالية لصالح المجتمع.

تتوزع منظمات المجتمع المدني في تكوينها على مختلف جوانب ومجالات الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والفنية والبيئية وعلى مختلف الفئات الاجتماعية والعمرية, سواء أكان في ما يخص عضويتها أم في نشاطاتها ودفاعها عن مصالح الفرد والجماعة المنتمية إليها أو عن المجتمع بأسره.

ومنظمات المجتمع المدني تقوم على اساس المهنية الصرفة والعمل غير الربحي أي التطوعي. ولكن هذا العمل التطوعي لا يمكنه, في غالب الاحيان, أن يعتمد على اشتراكات الأعضاء الطوعية وفق النظام الداخلي, إذ أنها ستكون شحيحة وغير قادرة على التقدم خطوات في تنفيذ مهماتها المهنية والمجتمعية. وهي بهذا تكون بحاجة إلى مساعدات مالية ودعم معنوي متنوع. والأسئلة المهمة التي يفترض الإجابة عنها عديدة ومنها ما يلي:
كيف يفترض أن تمارس منظمات المجتمع المدني مهماتها؟ ومن يساعد هذه المنظمات لإنجاز مهماتها وتنظيم نشاطاتها؟
وما الموقف من التدخل في شؤون هذه المنظمات؟

إن الإجابة على هذه الأسئلة تستوجب توفر مسألتين مهمتين هما: معرفة بواقع العراق وواقع منظمات المجتمع المدني أولاً, والمعرفة والخبرة الدولية بشأن عمل وتمويل وتأهيل هذه المنظمات ثانياً. ومحاولتي الإجابة عن هذه الأسئلة تنطلق من موقعي الراهن وعلاقات وزارة شؤون المجتمع المدني في إقليم كردستان العراق بمنظمات المجتمع المدني ومعرفتي بمنظمات المجتمع المدني في العراق عموماً وليس في إقليم كردستان فقط.
استقلالية المنظمات: يفترض حين تشكيل أي منظمة من منظمات المجتمع المدني أن تستند إلى المبادئ التي تحكم وجود وآليات عمل ومهمات المجتمع المدني الديمقراطي, أي أن تكون مستقلة تماماً عن أربع قوى:
مستقة عن السلطة التنفيذية أو الحكومة وأجهزتها الرسمية.
مستقة عن الأحزاب السياسية العاملة في البلاد وعن سياساتها.
مستقلة عن الحكومات في الدول الأجنبية وسياساتها.
مستقلة عن منظمات المجتمع المدني الدولية وعن سياساتها.

ان هذا الاستقلال المهني لا يعني بأي حال عدم تطابق بين بعض مهمات منظمات المجتمع المدني ومهمات الجهات المذكورة في أعلاه, إذ أن الاستقلال هنا يعني ابتعاد تلك الجهات عن التدخل في شؤون هذه المنظمات وفرض رسم سياساتها أو انتخاباتها أو علاقاتها العامة وفعالياتها. فالمنظمات المدافعة عن حقوق الطفل أو عن حقوق المرأة أو عن حقوق الإنسان تلتقي في ما بينها, ولكن ممارستها لتلك المهمات وبرامجها يفترض أن تكون مستقلة وكذلك إدارتها وسبل صرف أموالها.

ومن هنا يفترض رفض أي تدخل أو هيمنة من جانب أي حكومة أو أي حزب أو اي جهة أو دولة أجنبية على هذه المنظمات, وحين نتحدث في هذا الشأن يفترض أن لا نعمد إلى إطلاق الاتهامات المطلقة كأن نقول بأن هناك منظمات تعمل مع قوى مشبوهة ولهاعلاقات مشبوهة. هذا التعميم غير سليم, وحين توجد مثل هذه المنظمات يفترض تشخيصها, إذ أن الدعم المالي الخارجي لهذه المنظمة أو تلك لا يحولها إلى منظمة مشبوهة. وهو خطأ فادح إن ارتكبناه سيؤثر سلباً على حركة وفعل ونشاط هذه المنظمات.

أذن لا مساومة في رفض تدخل الحكومات للتأثير على مساراتها وفق إرادة هذه الحكومة أو تلك, ولكن سيكون مفيداً حين تكون الحكومة هي الأخرى مدنية وديمقراطية وتتطابق مهماتها مع مهمات منظمات المجتمع المدني, إذ عندها سيكون العمل رائعا والنتائج طيبة وإيجابية.
من المعروف أن منظمات المجتمع المدني وفق دساتير الدول الديمقراطية تعتمد على خمسة أشكال من الدعم المالي, وهي:
دعم من أعضائها من خلال الاشتراكات والتبرعات.
دعم من الحكومة على شكل تمويل المشاريع التي تضعها تلك المنظمات المدنية.
دعم توظيف بعض أعضائها داخل تلك المنظمات وليس موظفين لدى الحكومة, ولكن الدولة تتحمل رواتب هؤلاء لعدة سنوات يمكن أن تمدد مع الحاجة لهم ومع إمكانية الدولة.
دعم من منظمات ومؤسسات خيرية دولية بسبب تطابق أهدافها أو المهمات التي تنهض بها. وهو تقليد دولي معروف.
دعم عبر منظمات الأمم المتحدة أو الاتحاد الأوروبي أو بعض الدول والتي يفترض كلها أن تكون بعيدة عن وضع أي شروط لدى تقديم الدعم بأي شكل كان.

من هنا نلاحظ أن ابرز وأغلب أشكال الدعم المالي لمنظمات المجتمع المدني هي تلك التي تأتي من منظمات غير حكومية خارجية أو محلية أو من الحكومات في الدول المعنية, إذ بدون ذلك يتعذر عليها أن تنجز مهماتها.

إن هذه المساعدات المالية أو التأهيلية والتدريبية يفترض أن تكون كلها غير مشروطة , ولكنها تكون مشروطة في أن تصرف إلى الأغراض التي قدمت من أجلها لا غير , وأن تكون هناك رقابة مالية على الصرف وميزانية وحسابات وتدقيق ومحاسبة سليمة على مستوى الصرف. ولا يجوز القبول بأي تدخل في شؤونها.

من هنا نؤكد خمس مسائل جوهرية, وهي:
لا يجوز اتهام جميع المنظمات المدنية التي تتلقى الدعم بأنها تتسلم أموال من جهات مشبوهة وبالتالي فأنها عميلة أو خاضعة لها, فهي أحكام مطلقة لا يجوز القبول بها أو تبنيها.
لا يجوز رفض الدعم من اي جهة كانت شريطة أن لا تكون مقرونة بشروط.
ضرورة أن تقوم الدولة أو السلطة التنفيذية بتقديم الدعم المالي لهذه المنظمات وفق المشاريع التي تقدمها والتي تقدم خدمة للمواطن والمجتمع وأن تستند إلى مبادئ الديمقراطية والشفافية في عملها وحساباتها.
أن تمارس هيئأتها الإدارية الانتخابات وفق قانون تأسيس الجمعيات والمنظمات المدنية وأن تخضع للرقابة من قيل الأعضاء.
أن تكون مستقلة استقلالاً تاماً وأن تسعى لتنفذ مهماتها بصورة جدية وبعيدة عن الأساليب غير الديمقراطية في العمل وأن ترفض أي هيمنة عليها من أي جهة كانت, بما في ذلك وقبل كل شيء الحكومة والأحزاب السياسية.

نأمل أن يعيد السيد محمد علي محي الدين النظر بما كتبه في موقع ” الحوار المتمدن" تحت عنوان: "هيمنة الحكومة على منظمات المجتمع المدني دكتاتورية سافرة" حيث يتحدث عن تجربة رئيس الوزراء الأسبق الدكتور إبراهيم الجعفري في التعامل مع بعض المؤسسات المدنية في العراق. أقصد أن يعيد النظر بالتعميمات التي أطلقها وبالعلاقة بين الخارج ومنظمات المجتمع المدني... الخ لأهمية الموضوع وأهمية منظمات المجتمع المدني ودورها المطلوب والمستقل في العراق.
* وزير الاقليم لشؤون المجتمع المدني