الهوية الوطنية العراقية ...منظور المخاوف ومسارات البناء

ياسين البكري
2009 / 3 / 5

أشرت سنوات العرا ق ما بعد العام 2003 وما جرى على الساحة العراقية ، وتحديدا على المستوى الداخلي من قتل وتهجير واستباحة ، تساؤلات كثيرة كانت المادة الرئيسة لكثير من التحليلات والسجالات عن الاسباب التي ادت الى عظم الكارثة واتساع مدياتها ، وكان القاسم المشترك لتعليل وتفسير هذه المأساة غياب الهوية الوطنية الجامعة التي تتجاوز الهويات الفرعية ، فهل جقا ان لا وجود لهوية عراقية جامعة تختزل الهويات الفرعية ؟ وما دور العوامل الخارجية في تفتيت هذه الهوية ووضع مكوناتها الاجتماعية في موقع التضاد والصدام والتناقض ؟ وما دور الحكومة في تعضيد لحمتها وصهرها في مكون وطني جامع يزيد من تماسكها وتاكيد وجودها في ظل التداعيات التي خلقنها السنين الماضية ؟

قبل كل شي لا بد من التنويه الى ان معظم الدول المعروفة على الساحة الدولية الان هي عبارة عن دول تضم مجموعات اثنية ودينية وطائفية متنوعة ، تصل في تنوعها الى درجة كبيرة في الاصل والديانة واللغة كما في الهند التي تعتمد على اللغة الانكليزية كقاسم مشترك للتفاهم بين تنوعاتها الاجتماعية واللغوية التي تصل الى المئات ، دون ان يعني ذلك الاخلال بهويتها الوطنية الهندية الجامعة ، التي توافق عليها مئات الملايين من الناس المتنوعين .وكذلك الحال مع اندونيسيا وماليزيا وصولا الى الولايات المتحدة الامريكية التي تعد دولة مهاجرين من مختلف بقاع العالم، دون ان يجعل ذلك الهوية الوطنية الامريكية في خطر او انها في مازق السير نحو التفتيت حتى وان اصبح على رأس سلطة صنع القرار رجل من اصول افريقية ما زالت اصوله القريبة تعيش في افريقيا .
ما تقدم كامثلة يعني ان هناك بديهية ان الهوية الوطنية الجامعة في دول العالم لا تعني ان هناك اصل واحد اثني او ديني او مذهبي او لغوي لكل دولة، وان تنوع تلك المفردات الاجتماعية لا يعني ان لكل اصل منها دولة مستقلة، فمفهوم الهوية الوطنية في الدولة الحديثة لا يتطابق مع مفهوم الامة . والبديهية الثانية ان العراق من اقل الدول تنوعا على عكس المنطق الذي يحاول ان يجعل من العراق حالة متفردة تحوي التنوع المتناقض المتصارع على عكس الشائع في الهويات التي كونت دول قارة .

الهوية الوطنية الجامعة هي مرحلة تاريخية ووعي متطور على وعي الانتماء الفرعي الضيق ، وهو وعي مقترن بوجود ونشوء الدول ، ومن هذا المنظور المستند الى هذا المفهوم من الممكن ان ارجاع بدايات الهوية الوطنية العراقية الى تاسيس الدولة العراقية الحديثة في العام 1921 ، التي جمعت قبائل واثنيات واديان ومذاهب في اطار جغرافي محدد لم يخل من التناقضات الجنينية لاي تاسيس ، ولم يخل من القسر ورؤية مصالح دول خارجية كان لها دور في التكوين ، وهي بهذا المعنى واجهت صعوبات عبر عنها الملك فيصل الاول في مذكرة شهيرة يعرفها كل دارسي تاريخ العراق، يتحدث فيها عن صعوبة الوضع الاجتماعي العراقي المتنوع والذي وجد فيه الملك صعوبة في تشكيل الدولة الحديثة ، غير ان ذلك لم يمنع من تشكيل هوية عراقية حتى وان تارجحت بين القبول الطوعي او القسر المفروض من قبل السلطة، شئنا ام ابينا ذلك الوضع، الذي لم يصل الى مداه الاخير بفعل التقلبات والازمات التي عاشها العراق طوال اعوام تاسيسه الحديث ، وهنا يبرز دور العمل الخارجي على الهوية الوطنية العراقية ودور السلطة في تفتيتها او دمجها ، ففي حين كان العامل الخارجي الممثل في الحرب العراقية الايرانية ، والدور الداخلي الممثل بخطاب السلطة حينها حتى وان بدا قسريا، كان له دور في خلق شعور بالانتماء معززا بروح الفخر والقوة والانتصار وذلك الشعور مسألة جوهرية خلق هوية وطنية عراقية جامعة تمثلت اهم شواهدها في المساهمة القوية لشيعة العراق في محاربة المثيل المذهبي لهم الممثل بايران طوال ثمان سنوات بصرف النظر عن تفسيرات لاحقة تحاول ان تعلل ذلك بقهر السلطة حسب .
التفسير السلطوي وقهرها في تفتيت الهوية ليس تفسيرا خاطئا في مجمله ولكنه تفسيرا قاصرا ، وشاهد هذا التيار الذي يستند الى العزل الاجتماعي والصراع المفتوح بين المكونات الطائفية الذي شهدته بغداد تحديدا بعد العام 2003 ، كان بفعل غياب السلطة وهو تفسير يتجاهل كل العوامل الاخرى ومن اهمها التدخل الخارجي في اسقاط النظام وطريقة الاسقاط الفج والمدمر لمؤسسات الدولة وما رافق هذا التدخل من صراع بين اطراف اقليمية ، وما احدثه كل ذلك من سلاسل تفاعلات مستمرة من فعل ورد فعل واثارة مخاوف جعلت المكونات الاجتماعية تلجأ الى هوياتها الفرعية طلبا للامان بسبب غياب الدولة كضامن لهذا الامان .
ما نعتقده ان الهوية الوطنية العراقية المقترن بتاسيس الدولة الحديث لم يتهيئ لها الظروف الموضوعية المناسبة لان تنمو بشكل سلسل ومتدرج بفعل الازمات المتكررة والحادة الذي شهدها العراق في تاريخه الحديث .

الحكومة ودورها في بناء الهوية

للحكومة دور اساس في اعادة لحمة الهوية الوطنية من خلال المحور الوظيفي في كونها ضامنة للامن الذي يصح ان يكون الارضية الاساس لفعل البناء في المرحلة الراهنة ، فغياب الدولة ودورها الامني في المرحلة السابقة وغياب الاحساس بالامان كان دائما العنصر الاساس في تحفيز التناقضات ، ومع وجود هذه الارضية المتنامية والمحسوسة بشكل جدي على مستوى المواطن واحساسه وانعكاس ذلك على سلوكه يبقى للحكومة مهام لابد من القيام بها في اتجاه بناء الهوية ، منها :
1- السير الجدي نحو المصالحة ، وما نعنيه بالجدي هي ان تكون مؤسسة الحكومة المبادر الاول في طرح مشاريع التقارب ورفع حالات التمييز بكل اشكالها ، وان تكون الحكومة داعمة لمبادرات الاطراف السياسية الاخرى المشتركة في العملية السياسية واستيعاب غير المشتركة ومحاورتها ، وتلك المهمة مع صعوبتها وتعقيدها بسبب انعدام الثقة بين الاطراف السياسية والشك المتبادل في نوايا الاخرين ، الاانها غير مستحيلة .
2- تاكيد الخطاب السياسي الوطني الجامع من قبل الحكومة بالاتجاه الجمعي ونبذ الخطابات ذات المسار الطائفي .
3- معاملة كافة المناسبات الدينية للمذاهب والاديان ، والمناسبات القومية للقوميات كافة على قدم المساوات في الاهتمام وابرازها في وسائل الاعلام الحكومية على انها مناسبات وطنية .
4- تدقيق الخطاب الاعلامي لوسائل اعلام الحكومة باتجاه الغاء التمييز وتاكيد روح المواطنة .
5- دعم المؤتمرات والمهرجانات ذات الطابع الوطني الجمعي .
6- العمل على توجيه الانظار الى المستقبل بسياقات عملية كالشروع في مرحلة اعادة الاعمار ، تلك المهمة من شأنها ان تقلل الشكوك المتبادلة بين الاطراف على خلفية النظر الى الماضي وما يثيره من نزعات استعداء وثأر وانتقام .

واخيرا
فقد نظر الكثير الى موضوعة الهوية من منظور المخاوف والبواعث للكثير من الاحباطات مما جعلها تتحول الى قضية او شماعة تلقى عليها كل مساوء الوضع العراقي، مع ان بواعثة تمتد الى مسارات اكثر من اختزالها في بعد واحد دولي او اقليمي او داخلي ، وفي نهاية الامر بدت وكانها هي الثيمة وجوهر التناقضات ومبعث التوتر كما في أي تحليل احادي ينظر الى الازمة العراقية من منظور ضيق يحاول ان برجح اتجاه سياسي او نظرة أيدلوجية قد لا تمت الى الواقع بشئ من الصحة الا في افق وخيال صانع تلك الرؤية المستندة الى مصالح وغايات الصانع .