حول كتاب -مكعبات هيام- ومؤلفه حبيب فارس - بقلميّ د. محمد خليل وكريم مروة

حبيب فارس
2009 / 2 / 18

صدر في بداية العام الحالي، 2009، عن دار الفارابي اللبنانيّة، كتاب مكعّبات هيام لمؤلفه الشاعر والكاتب اللبناني - الأسترالي حبيب فارس. يتضمّن الكتاب مجموعة من الخواطر والأشعار العربية المعاصرة، ويقع في 288 صفحة (قياس 14/21). رسم لوحة غلاف الكتاب ورسومه الداخليّة الفنان التشكيلي الدكتور ابراهيم منصوري، وكتب مقدمته الدكتور محمد خليل، كما تضمن رسالة تحيّة إلى المؤلف من الأستاذ كريم مروة. وفيما يلي نصيّ مقدمة د. خليل ورسالة الأستاذ مروة:

المـقـدمـة

الكتاب ((مكعّبات هيام )) باكورة النتاج الأدبي لمؤلفه حبيب فارس . وهو من هو أصلاً ؟ إنه كاتب قادم من ((بلاد العرب أوطاني)) ، بعد أن ضاقت بما رحُبت ! لبناني الهُوية ، جنوبي الهوى ، عربي الرؤى.

لقد سبق لي التعرف على حبيب ، قبل عامين تقريباً ، من خلال ما كان ينشره باستمرار من مواد أدبية في عدد من مواقع الإنترنيت : نثراً وشعراً، فوجدت فيها ، والحق يُقال ، عصارة قلب وخلاصة لب ، تبشّر بمستقبل واعد ، لإنسان جرّب الحياة وخبرها جيداً.

وفعلاً لم يكذّب حبيب خبراً . ها هو ذا اليوم يقدّم للقارئ باكورة نتاجه الأدبي بما فيها من كتابات متميزة ، يُمكن أن تُشكّل ، في منظور ما ، مرآة تعكس صورة الفرد الخاصة كتعبير عن ضمير (أنا) ، كما تعكس صورة الجماعة التي ينتمي إليها الكاتب كتعبير عن ضمير (نحن) ، في الوقت نفسه، في فيض من المشاعر والعاطفة والوجدان والأفكار والأحلام التي تراوده ويبوح بها ، من أجل أن يستمر النهر في جريانه حراً كريماً ، وهو أكثر تجدداً ونشاطاً.

وتكشف مثل هذه الكتابات ، في بعض تجلياتها ، عن بعض جوانب حياة الكاتب نفسه ، مثلما فيها من كشف عن حياتنا أو حياة بعضنا ، في أقل تقدير . ففيها ما يُلامس عواطفنا وأفكارنا في الصميم ، لا عواطف الكاتب وأفكاره وحده . ذلك لأن الفن الحقيقي والأدب منه خاصة ، هو بالضرورة أو كما يُفترض ، تعبير عن الوعي الجمعي لا الفردي فحسب ، وهو تعبير إنساني مطلق ، بالدرجة الأولى ، قبل أن يكون أي شيء آخر ، وهذا ما يلمسه القارئ مبثوثاً في ثنايا هذا الكتاب.

ومثلما تحتاج الكتابة الإبداعية إلى كاتب مبدع ، كذلك هي القراءة الإبداعية تحتاج إلى قارئ مبدع . من هنا ، قد يتبادر إلى الذهن القول : إن مقاربة تلك النصوص من خلال قراءة إبداعية : تفاعلية ومضيئة ، يُمكن أن تتيح للقارئ إمكانية التعرّف ، من كثب ، على مكوّنات تلك الذات المبدعة : الثقافية والفكرية وقبل هذه وتلك ، الإنسانية التي تتجلّى في أسمى صورها ومعانيها ، مثلما صاغها كاتب محب وأصيل ، جمع ، إضافة إلى علاقته مع المؤتلف ، علاقة أخرى مع الآخر المختلف ، وهو ما ينعكس إيجاباً في نتاجه ويثريه . إن كل محاولة لفصل كل أثر عن صاحبه ، كالأدب عن أديبه ، أو الفن عن صانعه ، أو أي إبداع عن مبدعه ، لم تعد في أيامنا ممكنة ، لأنها بكل تأكيد سوف تكون مفتعلة.

ويستطيع القارئ المتمكن بما لديه من مهارات وآليات ، أن يُحلّق في فضاءات هذه النصوص في رحلة استكشافية مدهشة ، بحثاً وكشفاً عن نظام النص ، وعن مكنونات المعنى والمبنى فيه دون أي فصل بينهما ، وصولاً إلى القيمة المشتهاة . مع ما فيه من إثارة لأكثر عدد من التساؤلات المشروعة . مثال ذلك : ماذا ؟ أم : لماذا ؟ أم : كيف ؟ أم : ثلاثتها معاً ! فالنص الجيد هو الذي يثير فينا التساؤلات ، لا الذي يقدّم لنا الإجابات النمطية الجاهزة ، تماماً مثلما هي لوحة الفن التشكيلي في ألوانها الإيحائية ورسوماتها التعبيرية . فالقراءة الإبداعية هي التي تمنح النص سمة الأدبية ، ولا وجود أدبياً لنص ما من دون القارئ!

لم يعد القارئ الحقيقي مجرد مستهلك للنص ، إنما أصبح منتجاً أيضاً ، كما يقول الشاعر أدونيس " إن القارئ الحقيقي كالشاعر الحقيقي لا يُعنى بموضوع القصيدة ، وإنما يُعنى بحضورها أمامه كشكل شعري ، أعني صيغة الرؤيا... على القارئ الجديد أن يتوقف عن طرح السؤال القديم : ما معنى هذه القصيدة ، وما موضوعها ؟ لكي يسأل السؤال الجديد : ماذا تطرح عليّ هذه القصيدة من الأسئلة ، ماذا تفتح أمامي من آفاق ؟" (أدونيس : زمن الشعر ، ص72 ، دار العودة ، بيروت ، 1996) . ويثبت واقع الحال أن ذلك الكلام ينطبق أيضاً على كل إبداع فني آخر.

إن قيمة الأشياء في الأدب وفي كل فن آخر ، كانت وما زالت مهوى القلوب وعشق الروح ، وهي لا تتحقق إلا بمقدار ما تحققه من سعادة وتبعثه من متعة ، أو ما تتركه من أمل أو ألم ، في نفس الإنسان ، وفي مستوييها : المعرفي والجمالي ؛ مجسداً بما يودعه الفنان سرّ فنه ، وبما يُمكن أن يُحيل القارئ إلى مفاهيم ومعان وأفكار ودلالات ورؤية ورؤيا وغايات نبيلة ، ما قد يزيد من خيارات التفاعلات وحدّتها . وفي ذلك كله مصدر قوة للكتابة والكاتب على حد سواء.

ويوحي عنوان المجموعة ، وكذلك شكلها ومضمونها ، بأنها جاءت اسماً على مسمى ، مشبعة بمخزون معرفي ووجداني . وإنها لتبدو على شكل لوحة فنية واحدة كبيرة ، تضم بين طياتها رزمة من اللوحات الفنية الصغيرة . مع بقاء كل لوحة قائمة بذاتها ، مستقلة بنفسها . فلكل لوحة لونها الخاص ، وحضورها المتميّز عن سواها . مع ذلك ، فإن قوة التعالق والتماسك التي تؤلّف فيما بينها لتؤكد أن بعضها آخذ برقاب بعض ، يجمعها عقد واحد ، وتصدر عن ذات مبدعة واحدة.

وليست تلك النصوص مجرد تشكلات لغوية ، أو قوالب لفظية ، تحتفي بالخيال والحقيقة والعاطفة فحسب ، إنما فيها طرائق للتفكير والتحليل والتأمل والنهوض في عمق وأفق لافتين ، لكاتب يتوسّل الخروج من دائرة العتمة إلى دائرة النور ، على أمل أن يتجاوز الحاضر الراهن إلى مستقبل أفضل ، وأكثر إشراقاً . ما يؤكد أن تلك اللوحات لم تُرسم بالكلمات وحدها ، إنما بالأفكار والصور أيضاً . وقد ظهرت الصور فيها متحركة لا جاهزة أو جامدة.

وترتكز هذه اللوحات على عناصر أربعة : الإنسان ، والزمان ، والمكان ، واللغة . مع ما يبدو فيها من احتفاء بارز ، بما تُوظفه من تقنيات التشكيل المتنوعة الأمر الذي يسمها بميسم من نوع خاص ، في حين تتعدد المحاور التي تدور من حولها هذه اللوحات الأدبية ، إذ فيها من تجليات التجديد ومواكبة روح العصر ، الكثير الذي يُظهر الإنسان وما يؤرقه من التشظي والقلق والعبث والهم مع ما يوظفه من تقنيات حداثية متعددة ، قد تكون مستفزة لبعض حواسنا أحيانا.

حبيب فارس يتخيّر مفرداته وموضوعاته وكذلك أسلوبه بدقة متناهية ، تترجمها أحاسيس مرهفة ، وعين ثاقبة ، إلى لوحات فنية ملونة ، في لبوس جديد ، تعبيراً عن مدى وعي الكاتب بالحياة الإنسانية القاسية.

مبارك لك وعليك هذا الإصدار الأول ، على أمل أن تكون هذه المحطة نقطة الانطلاق الأولى في عالم إبداعي لا متناه.

د. محمد خليل
طرعان-الجليل

-----------

تحية اعتزاز وتقدير
إلى رفيقي وصديقي حبيب فارس


أعرف حبيب فارس جيداً. أعرفه منذ زمن طويل، عندما كان شاباً يافعاً. كان ذلك قبل أن يغادر حبيب بلده لبنان إلى أوستراليا، ويغادر مع بلده جنوبه وجنوبي، هذا الجنوب المعذب الذي لم يعرف الإستقرار والحرية منذ أكثر من نصف قرن، أي قبل أن يكون حبيب قد جاء إلى الحياة الدنيا. والجنوب هذا، مكان ولادتنا ونشأتنا، حبيب وأنا، يستمر، مع الوطن اللبناني، شعباً ودولة ومؤسسات وحياة عامة، في الحالة ذاتها من عدم الإستقرار ومن انعدام شروط الحياة الطبيعية، حتى بعد تحرير أرضه من الإحتلال الإسرائيلي في عام 2000. ولهذا الوضع المأساوي أسباب لا يتسع المجال للدخول فيها، في هذه التحية التي أوجهها لهذا اللبناني الجنوبي، الذي يصر على البقاء أميناً لجنوبيته ولوطنيته اللبنانية، برغم المسافات في المكان والزمان التي تبعده عن هذين الوطنين، الصغير منهما والكبير في آن.

كانت معرفتي الأولى بحبيب، إذن، عندما كان في مطلع شبابه. لكن معرفتي الحقيقية به إنما جاءت خلال زيارتي إلى أوستراليا في عام 1978. وكان لتلك الزيارة هدفان. كان الهدف المباشر حضور مؤتمر الحزب الإشتراكي الأوسترالي. وكان حبيب فارس يومها، مع عدد من الشيوعيين اللبنانيين، عضواً نشيطاً في الحزب الإشتراكي الأوسترالي، من دون أن يتخلى، هو ورفاقه، عن انتمائهم إلى الحزب الشيوعي اللبناني.

أما الهدف الثاني من زيارتي إلى أوستراليا، وهو الهدف الأهم بالنسبة إليّ، فكان اللقاء مع الشيوعيين والديمقراطيين اللبنانيين، ومع كثرة ممن هاجروا من لبنان، بسبب الحرب الأهلية، أو بحثاً عن وسيلة للعيش أفضل مما كان عليه الحال في لبنان، في ستينات وسبعينات القرن الماضي، وربما قبل ذلك أيضاً.

كانت زيارتي إلى أوستراليا، التي دامت أسبوعين، فرصة للتعرف إلى أمور كثيرة. وخلال تلك الزيارة بالذات، التي رافقني فيها حبيب فارس وجوزيف طعمة وجليل بيضون وكثيرون غيرهم، ازدادت معرفتي بحبيب. وظهرت أمامي شخصيته المختلفة عن شخصيته السابقة. إذ أن وجوده في أوستراليا قد أنضج العناصر الكامنة في عقله وفي وجدانه، وعمق ووسع معارفه، وفجر بعض مواهبه التي كانت تنتظر اللحظة المناسبة لخروجها إلى العلن. وكانت تلك المواهب في بداياتها متفرقة. إذ كان يومها يكتب في الصحافة. وكان يقرأ باللغتين العربية والإنجليزية ما كان يعتبره ضرورياً وأساسياً في تكوين معارفه ومداركه، التي كانت تساهم في إغناء وإنضاج شخصيته. لكن موهبته الأدبية لم تفاخر في الظهور إلى العلن. فبدأ يكتب القصة القصيرة والنثر الأدبي. ثم صار يكتب الشعر، ثم الشعر، إلى أن أصبح حبيب شاعراً. وتلك كانت المفاجأة السارة، بالنسبة إليّ.

لقد كانت زيارتي إلى أوستراليا، التي لحبيب شخصياً ولرفاقه ولأصدقائه دور كبير فيها، مناسبة عرفتني بأمور كثيرة تتعلق بهذا البلد. بعض تلك الأمور يتصل بواقع الإغتراب اللبناني، في حقبته الحديثة، وبالقضايا التي تشغل المغتربين اللبنانيين. وقد أتيحت لي فرصة اللقاء بأعداد كبيرة منهم، ومن ممثلي الإتجاهات السياسية التي كانت سائدة بينهم. أما البعض الآخر من تلك الأمور فيتصل بأوستراليا بالذات، تاريخها القديم والحديث، وجغرافيتها، والإتجاهات السياسية التي كانت سائدة فيها. لكن ما أدهشني في تلك الزيارة هو جمال الطبيعة في هذا البلد القارة. ذلك أنني زرت، إلى جانب سيدني، كلاً من العاصمة كانبيرا ومدن ملبورن وولنغونغ وأدلايد.

يستنفر حبيب فارس ذاكرتي، وأنا أوجه إليه هذه التحية، بمناسبة صدور ديوانه. إذ يعود بي إلى ثلاثين عاماً مضت. والذكريات هي، كما يقال، صدى السنين الباقي، الذي يستمر يتغذى ويتجدد، ويعيش مع أصحابه حتى النهايات.

غير أن لديوان حبيب نكهته التي تعبر عنها لغته الجميلة، وعناوين قصائده التي اختارها حبيب بعناية، فتحولت، بتنوع مواضيعها وتنوع طرائفها، هي ذاتها إلى قصيدة. غير أنني أعترف لحبيب بأنني لا أفهم الشعر الحديث، أعني قصيدة النثر، لا أفهمه بالقدر الضروري. لذلك فإنني لا أستطيع أن أتحدث عن شعر حبيب فارس إلا بتلك الإشارات. غير أنني أشد على يديه وأحييه وأهنئه على اختياره هذا الجنس الجميل من الأدب، اختياره إياه كواحدة من اهتماماته الأدبية الواعدة.

فإليك يا صديقي ورفيقي العزيز حبيب فارس كل الحب وكل التقدير وكل التمنيات الطيبة.

كريم مروة
بيروت