شهادة للتاريخ... دروس وعبر(2)

نجم الدليمي
2009 / 2 / 18

( 3)
احداث ايلول ـ اكتوبر في موسكو والبعد الصهيوني الغربي
احداث ايلول ـ اكتوبر من عام1993 في موسكو لم تكن وليدة الصدفه ، كما لم تكن مجرد احداث داخلية نفذها الرئيس الروسي يلتسن وفريقه المؤلف من سرغي فيلاتوف ( رئيس جهاز الرئاسة ) وشوميكو ( نائب رئيس الوزراء ) وليشكوف ( محافظ موسكو ) ويارسكوف ( رئيس حرس الكرملين ) ولوبوف ( رئيس مجلس الامن القومي الروسي ) ، اضافة الى وزيري الداخلية والدفاع يرين وغراتشوف .. بل تلك الاحداث كانت انقلابا حكوميا كاملا على المؤسسات الدستورية ( البرلمان الروسي ، الغاء الدستور الاشتراكي ، التخلص من نائب الرئيس المنتخب الكسندر روتسكوي ، وحل مؤتمر نواب الشعب الروسي ) باستعمال القوة المسلحة لتطبيق مرسوم يلتسن رقم 1400 الصادر في 21/9/1993 اوالقاضي بحل البرلمان ومؤتمر نواب الشعب الروسي الذي اعتبرته المحكمة الدستورية مرسوما غير شرعي ووصفته بالانقلاب الحكومي .
وان هذا الانقلاب الذي نفذته مجموعات من القوات الخاصة وقوات الشرطة التابعة لوزارة الداخلية تم اعداده خارج روسيا . . بل ان تفاصيله حددت في الغرب ولا سيما في امريكا . يقول كيرسان ايلجمين المليونير الروسي المعروف ورئيس جمهورية كالميكيا التابعة لروسيا الاتحادية وعضو مؤتمر نواب الشعب الروسي ، الذي لعب دور الوساطة في الاحداث ما بين الحكومة وبين البرلمان لايجاد حل سلمي للازمة : ( ان ما حدث هو سيناريو لم يعد في روسيا بل اعد هناك في الغرب وان صانعي ومنفذي مرسوم رقم 1400 لا يريدون بقاء حسبولاتوف ورتسكوي احياء وان وجودي ، على ما يبدو كوسيط لم يكن ضروريا ) وفي اشارة منه الى القوى التي وقفت وراء مرسوم حل البرلمان الروسي ومؤتمر نواب الشعب الروسي وما كان يستهدفه ، قال ايلجمين : ان الرئيس الروسي يعرف فقط بداية المرسوم اي مرحلته الاولى اما وسطه ونهايته فأنه يجهلها ..!
ورغم ان الانقلاب الحكومي نفذ من قبل مجموعات من القوات الخاصة وقوات الشرطة التابعة لوزارة الداخلية الا ان دور ما سمي بالقوة الثالثة في تنفيذ الانقلاب وانجاحه كان كبيرا . والقوة الثالثة هي منظمة صهيونية مسلحة بسلاح خاص لا يحمل ارقاما كالاسلحة الاخرى .
ففي يوم 3/10/1993 عنما احتلت الجاهير منطقة شانكا تم العثور على كمية من هذا السلاح وتم اسر احد المسؤولين الكبار من العناصر اليهودية النشطة الذي اطلق سراحه بعد فترة قصيرة .
اكد الجنرالات الروس بأنه تبين من فحص وثيقة احد القتلى الموالين للنظام في بنك المعلومات ان اسم القتيل مدرج في عداد منظمة البيطار الصهيونية المسلحة .
والقوة الثالثة عبارة عن مجموعات صغيرة مسلحة يتراوح تعدادها بين ( 3 ـ 4 ) عناصر مسلحة باسلحة قناصة واجهزة اتصالات توزعت على البيوت المتاخمة جدا لبناية البرلمان والبيوت المجاورة لمحطة التلفزيون المعروفة بمنطقة ( استانكنا ) .
وحين سئل وزير الامن الجنرال برانيكوف عن وجود هذه المجموعات وتحركاتها ، لم تكن لديه معلومات عنها ، كما ان رئيس الحرس الخاص بالبرلمان يجهل هو الاخر هويتها .
ولقد تركزت مهمة وحدات القوة الثالثة باستفزاز قوات الجيش التي اضطرت حكومة يلتسن لزجها في الاحداث بعد ان عجزت قوات الشرطة من حسم الامر لمصلحة الحكومة ضد البرلمان ، وذلك من خلال اطلاق النار من اسلحتهم القناصة على المصفحات العسكرية وقتلوا عدد من الجنود والضباط
، مما ادخل الرعب لدى هذه القوات التي لم تستخدم السلاح في البداية ضد المدافعين عن البرلمان . ان الجماهير المحيطة بالبرلمان والمدافعة عنه لم تحمل السلاح ولم تطلق النار على الجيش الا ان القوة الثالثة الخفية هي التي كانت وراء اطلاق النار على الجيش الروسي ، مما ولد قناعة لدى قيادة الجيش الروسي من ان الجماهير هي التي اطلقت النار عليهم وبسبب هذا التقدير اللاموظوعي ذهب ضحية ذلك اكثر من 72 قتيلا ناهيك عن الجرحى . وهكذا نجحت القوة الثالثة بأستخدامها لهذا التكتيك الغادر من الايقاع بين قوات الجيش والجماهير المدافعة عن البرلمان في 3/10/1993.
والغريب في الامر ان قادة المعارضة وقادة الدبابات من عسكر الحكومة وكذلك الجمهور المدافع عن البرلمان لم يكونوا قد اكتشفوا اللعبة في وقتها …
وفيما يتعلق بتدخل القوى الخارجية في احداث اكتوبر فقد نشرت جريدة روسيا السوفييتية بتاريخ 6/1/1994 بأن المجموعة ( 6 ) التابعة للناتو تحت قيادة العقيد جيكاكنتي قد شاركت في اطلاق النار على الجماهير المحيطة بالبرلمان يوم 3 ـ 10 اكتوبر / كما ان المجموعة ( 4 ) من القوات الخاصة الاسرائيلية المعروفة بأسم ايرخونا فضلا عن منظمة البيطار الصهيونية وعملاء المخابرات المركزية الامريكية في موسكو كان لهم دور هام في الاحداث ولا سيما من خلال التعاون والتنسيق مع بعض المسؤولين في جهاز الامن الروسي .
هذا ولقد اكدت المعطيات كلها ان قادة الديموقراطيات الغربية الذين يرفعون راية الدفاع عن الديموقراطية وحقوق الانسان ، كانوا على اتصال دائم بالقيادة الروسية وعلى علم كامل بما يجري في موسكو حيث لم يكتفوا باعطاء يلتسن الضوء الاخضر لتنفيذ انقلابه ضد المؤسسات الدستورية .. بل وراحت اجهزة اعلامهم تنشر ضبابا كثيفا من الدعاية لتغطية الجريمة بحق الديموقراطية في روسيا وتجد لها المبررات!


( 4)


المؤامرة الكبرى على الاتحاد السوفييتي



اعداد وترجمة د. نجم الدليمي



المقدمة


من البديهيات الاساسية التي كان يتداولها المعلقون والصحفيون وكثير من الناس , بمن فيهم البسطاء , ان الاتحاد السوفييتي هو من المنعة والقوة والجبروت مما يجعل من المستحيل على القوى العالمية السوداء ان تخضعه بواسطة الحرب والاساطيل والجيوش . وكان الاتحاد السوفييتي يملك كل ما يلزم للمحافظة على استقلاله وقوته الضاربة , وهذا ما دفع اعداءه للتفكير بخطة لنسفه من الداخل بواسطة عناصر تحمل الجنسية ( الروسية ) و (البطاقة الحزبية ) والمكانة المرموقة في السلطة..., واخيرأ يكون لديها الاستعداد لتنفيذ السيناريوهات القادمة من وراء البحار.

نشرت جريدة (مولنيا ) ( البرق ) لسان حال اللجنة المركزية لحزب العمال الشيوعي الروسي في العدد 45 تشرين الثاني عام 1992 وثيقة هامة بعنوان :

انقلاب ( سيناريو ) حسب خطة بوربوليس * .

الخطة التقريبية للتطور الاستراتيجي لروسيا .

لقد وضعت هذه الخطة باشراف غينادي ادوارد بوربوليس بالاشتراك مع المتخصصين الامريكان والالمان في شباط عام 1990 بعد انتخاب بوريس يلتسين رئيسأ لمجلس السوفييت الاعلى لروسيا الاتحادية






خطة الانهيار

1- حل مسألة امكانية دعم امريكا والمانيا وهولندا والسويد ليلتسين ومجموعته المحيطين به في العمل على تحجيم الحزب الشيوعي السوفييتي وبعد ذلك ازاحة غوربا تشوف من السلطة .
2- تهيئة سلسلة من اللقاءات بين يلتسين وغوربا تشوف لاحراز بعض النجاحات , والهدف الرئيسي من هذه اللقاءات , انقضاض القوى على الاتحاد السوفييتي , وترويض روسيا , وابراز يلتسين على المسرح السياسي , واعلان روسيا دولة مستقلة , مما يجلب معه تطور انقضاض القوى وهذا يعني انهيار السلطة السوفييتية .
3- للانتصار في انتخابات الرئيس (المقصود يلتسين ) يجب رفع شعار ( استقلالية اكثر لكل جمهورية ), ( خذوا صلاحيات بقدر ما تستطيعون تنفيذها ), ولو انهارت روسيا , الهدف الرئيسي يجب ان يصبح يلتسين رئيسأ , وفي هذه الحالة يجب ان يظهر نفسه في الانتخابات بدور المضطهد من قبل اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفييتي ومكتبه السياسي .
4- بعد تحجيم الحزب الشيوعي السوفييتي والغاء مؤتمر نواب الشعب والبرلمان من الضروري تنفيذ الاجراءات التالية :

أ‌- ايجاد هيكل قوي من السلطة التنفيذية في المناطق .
ب‌- تعيين الموالين بوظيفة محافظ .
ج- يجب ان ينشط ممثلو الرئيس في جميع المناطق
5- في بطرسبورغ – لينينغراد وبعدها في موسكو , توزيع ممثلي امريكا على الهيكل التنفيذي او في السلطة التنفيذية ومع الوقت يتقدم هؤلاء الممثلون لاخذ ادارة المدينة وهذا ما يخلق سندا هائلا للرئيس الروسي (يلتسين ) ليس في داخل الدولة فقط بل وفي خارجها .
ايجاد شرطة في المدن تابعة للبلديات كسند للرئيس وبصورة تدريجية يتم ازاحة الهياكل القديمة من الشرطة , وزيادة الرواتب وتأمين السكن لهم , وبيوت الراحة , وحدائق الاطفال , وبيوت ريفية ( داجات
6- كذلك من الضروري ايجاد محاكم ادارية في مناطق تؤيد وتساند الرئيس يلتسين وتدريجيأ يتم ازاحة المحاكم الشعبية القديمة .
7- حل مسألة تشكيل المحكمة الدستورية ويجب ان تعمل المحكمة لصالح السلطة التنفيذية ولهذه الاهداف يجب عمل أي شيءلاعادة ترتيب هذه المحكمة .
8- في أي تركيبة ( ادارية ) كان يجب تغيير الكادر الاداري وخاصة وزارة الداخلية والمخابرات والجيش , اما في المناطق الرئيسية والمدن الاخرى فيتم تغيير قادتها الاداريين وتعيين أنصاريلتسين وخاصة في موسكو ولينينغراد .
9- لضمان أمن رؤساء الدوائر الامنية يجب نزع سلاح المدارس التعليمية الامنية تدريجيا.
10- تنظيم واعداد افراد الحرس السري في موسكو ولينينغراد للدفاع عن الرئيس يلتسين وتفويض قادة وزارة الداخلية والمخابرات لاختيار هؤلاء الافراد.
11- بمساعدة القوى الخاصة في المناطق والمركز ( ضرورة ) دحض نشاطات الدوائر والتشهير باعمالها وذلك بمساعدة الصحافة والتلفزيون ,ولهذا الهدف يجب ان يعين في الصحافة والتلفزيون اتباعنا وكل مواد الراديو والتلفزيون يفحصها غينادي بوربوليس نفسه ومجموعته وتلغى كافة المواد غير المرغوب بها .
12- ان الصحافة التي ترفض التعاون مع السلطة التنفيذية تحرم من التمويل والغاؤها حسب الامكانية .
13- الغاء الدوائر التمثيلية ابتداء من المؤتمر ( مؤتمر نواب الشعب ) في عام 1993 ولهذا من الضروري اخذ ثلاثة احتمالات من النشاطات بعين الاعتبار وهي :-

السيناريو الأول

1- التهيئة لجمعية تأسيسية قبل اذار عام 1993 واتخاذ دستور جديد واعلان عدم دستورية المؤتمر العام لنواب الشعب وقبل هذا(العمل على ايجاد ) مجلس الجمهورية وهو مؤلف من ممثلي الجمهوريات , وبالدرجة الاولى من ممثلي الدوائر التنفيذية.

2- بعد الغاء المؤتمر العام لنواب الشعب , يعلن حل البرلمان الروسي باعتباره تابعا للمؤتمر وتفسر ذلك بانه قدحل بناء على انتهاء فترته القانونية .

السيناريو الثاني:-
1- تأزيم الوضع في روسيا تدريجيا عن طريق رفع الاسعار والضرائب واثاره عدم رضى السكان , وايصال المجتمع الى حالة من الاضطرابات والانتفاضات وقمع غضب الجماهير بحجة التمرد , واعلان حالة الطوارى , ثم تمديد حالة الطوارى لمدة سنة ، وفي هذا الوقت تتوقف اعمال كافة الدوائر والمجالس التمثيلية كقوة مثيرة للاضطرابات في المجتمع .
2- السوفييتات المحلية تهيأ في هذه الفترة للمجالس التأسيسية .

السيناريو الثالث:-
في حال محاولة ازاحة الرئيس والحكومة من خلال مؤتر نواب الشعب , او اتخاذ اجراءات بازاحة يلتسين من الضروري اتخاذ ما يلي :-
أ‌- ان ممثلي الرئيس من النواب , والنواب من انصار يلتسين والحكومة يجب ان يغادروا قاعة المؤتمر , وهذا يحدث ازمة ويسمح بابطال اعمال المؤتمر , وفي هذه الحالة يصدر الرئيس تصريحا حول ازمة السلطة التشريعية ويصدر مرسوما بحل مؤتمر نواب الشعب والبرلمان الروسي .
ب‌- مرسوم (يلتسين)يذاع من الصباح الباكر , ثم يمنع الاقتراب من الكريملين ومقر البرلمان – مجلس السوفييت , ويقترح على النواب العودة الى مناطقهم ,وبعد ذلك تعلن حالة الطوارىوتمنع الاجتماعات واللقاءات مع الناخبين .

15-بعد الغاء السلطة التشريعية مباشرة تحل مسألة اقامة السلطة المطلقة للرئيس وتعين قادة وكوادر احزاب المعارضة أي انصار (السلطة الجديدة) كمحافظين في الجمهوريات والمدن الكبرى والمناطق الاخرى .
16-على ممثلي الرئيس بدء العمل بنشاط للتحضير للمجلس التأسيسي في كانون الثاني 1993 وفي هذه الحالة (ضرورة )زج رؤساء الدوائر ,اما من لايرغب بالاشتراك في هذه الاعمال (فيجب) ازاحتهم من السلطة ,وحسب الامكانية وذلك عن طريق الرقابة .
17- في عام 1993 من الضروري استكمال اصلاح السلطة السياسية حسب الخطة الموضوعة والقيام بدعاية بأن البرلمان الروسي يعد لانقلاب حكومي وذلك لتبرير اجراء الرئيس باعلان حالة الطوارىء.
ان السيناريو الاول نفذ و(بمهارة)وتم تفكيك الاتحاد السوفييتي في فترة زمنية قصيرة لم يحلم بها حتى خصوم الاشتراكية ,اذ كانت تقديراتهم ان التفكيك الكامل للاتحاد السوفييتي سوف يتم حتى نهاية القرن الحالي ...,اما مهندسو (البيريسترويكا) فقد اختصروا زمن (الخطة)لمصلحة حليفهم الجديد .
اما السيناريو الثاني فهو يستهدف روسيا السوفياتية كدولة لابد من تقسيمها و اضعافها اقتصاديا وعسكريا ... بحيث لن تقوم لها قائمة على المدى القريب . ان وضع روسيا محفوف بمخاطر جدية نتيجة التدهور الاقتصادي – الاجتماعي والسياسية والعسكري المستمر,اذ يمكن القول ان (السرطان )انتشر في جميع مرافق الحياة , ونتيجة لذلك كما نعتقد فالانفجار الجماهيري سيكون حتميا واحتمال ان تكون نتائجه وخيمة لاعلى الشعب الروسي – السوفييتي فقط بل على الشعوب الاخرى ايضا .


* غينادي بوربوليس . دكتوراة في الفلسفة – مدرس الشيوعية العلمية !!! احد (منظري) سياسةالاصلاح الاقتصادي – احد اهم المقربين من الرئيس يلتسين .














( 5)



عملاء النفوذ وانهيار الدولة العظمى


ترجمة وتعليق
د. نجم الدليمـــــي


نشرت جريدة زافترا ـ الغد ، الروسية في عددها رقم 28 ، تموز 1994 خبرا بعنوان بريماكوف ومكتب التحقيقات الجنائية الفدرالية ضد المدعو ايميس .
اشارت الجريدة الروسية بان مخابرات المانيا الغربية( باند ) نشرت تقريرا حول سير عملية التحقيق في قضية اولدريج ايميس الشخصية الرفيعة المستوى في المخابرات المركزية الامريكية والذي اعطى معلومات هامة وبمحض ارادته الى المخابرات السوفييتية ( كه جه بي ) ، والذي اعتقل قبل بضعة اشهر من قبل المخابرات المركزية الامريكية . وتعرض الجريدة هنا بعض الامور الهامة حول الموضوع ، ان ايميس لم يكن مجندا في البداية من قبل المخابرات السوفييتية ، بل كان تعاونه مع( كه جه بي) ، حسب ادعائه بمحض ارادته وقناعته الشخصية ، اذ بدأ يقرف ولاسباب اخلاقية وشخصية من رجال المخابرات الامريكية ومكتب التحقيقات الفدرالية بسبب انتشار ظاهرة الشذوذ الجنسي وتعاطي المخدرات .
.... وقد اتصل ضابط المخابرات السوفييتي متأخرا مع ايميس في واشنطن ، واخبره بأن قيادة المخابرات السوفييتية في موسكو قررت ان تدفع له اتعابه مقابل اعطاء المعلومات . وعلى هذا الاساس فأن ايميس وافق على استلام المال... ، وقد كان هناك شخصان فقط في المخابرات السوفييتية يعرفان معلومات واقعية عن ايميس ، وان المعلومات المقدمة منه كانت قيّمة وهامة جدا وانها كانت تصل مباشرة الى رئيس المخابرات السوفييتية فلاديمير كروجيكوف .
...... ومما يذكر انه قدم قائمة بأسماء 28 شخصا رفيعي المستوى في جهاز السلطة السوفييتية والذين اطلق عليهم عملاء النفوذ اي ( الطابور الخامس ) .
وحسب تقييم المخابرات المركزية الامريكية فان نشاط هؤلاء يعتبر فعالا جدا من اجل تنفيذ المصالح الاستراتيجية لامريكا ، ومن الاسماء التي وردت في بداية القائمة هم : ـ
الكسندر ياكوفليف ، يفجيني بريماكوف ، وعلى اساس هذه المعلومات المقدمة من ايميس قدم رئيس المخابرات السوفييتية خلاصة اتهام ضد ياكوفليف عام 1991 .
وبالمناسبة فأن الكسندر ياكوفليف كان سفيرا للاتحاد السوفييتي في كندا عمل لمدة 14 سنة ، ومن ثم استقدمه غورباتشوف اول حكمه من وظيفته كسفير وعينه مباشرة في المكتب السياسي للحزب الشيوعي ، اي مسؤولا للعمل الايديولوجي للحزب !!! ، ومن ثم مسؤولا لقسم العلاقات الخارجية في الحزب الشيوعي اي مسؤولا عن الاتصالات بالاحزاب الشيوعية وحركات التحرر الوطني . بعد تقرير رئيس المخابرات السوفييتية نحي من عضوية المكتب السياسي وعينه غورباتشوف مسؤول جهازه الاداري الخاص . وياكوفليف يعتبر احد اهم العناصر الهامة والمؤثرة في طاقم يلتسن وقد عينه مديرا للاذاعة والتلفيزيون المخصص لبث اذاعي موجه لدول الرابطة ـ الاتحاد السوفييتي سابقا . ويعتبر ياكوفليف احد اهم العناصر الموجهة للاعلام الحكومي الروسي .
اما بالنسبة لبريماكوف فالمعروف عنه انه كان صحفيا وبعد ذلك تدرج في الوظائف ... ، عمل كمراسل لجرية البرافدا في مصر ( زمن عبد الناصر ) ، ومدير لمعهد الاستشراق ، واصبح احد المستشارين الاساسيين لغورباتشوف وخاصة في شؤون الشرق الاوسط بما فيها الاحزاب الشيوعية والحركات التحررية . وعضو مجلس الامن القومي الروسي بتعيين من يلتسن ورئيس لقسم المخابرات الخارجية لروسيا، ومن الملفت للنظر انه كان يمتلك علاقات حميمة مع اكثر من رئيس عربي وقيادات الاحزاب الشيوعية العربية .
علما ان كافة المعلومات الامنية كانت تصل مباشرة الى رئيس المخابرات السوفييتية وبدوره يقدمها شخصيا الى ميخائيل غورباتشوف فقط ، وخلال عام 1990 ـ 1991 بدأ غورباتشوف يحاول اهمال رئيس المخابرات السوفييتية طبعا ولا يعبأ بهذه المعلومات السرية والهامة حول ياكوفليف ، وبريماكـــــوف وشاخ نزاروف ... وقد قام بعد ذلك بوريس يلتسن بتعيين يفجيني بريماكوف رئيسا للمخابرات الروسية الخارجية حيث بدأ مباشرة في عملية التحري بطرق مختلفة من اجل معرفة مصدر المعلومات التي قدمت الى رئيس المخابرات السوفييتية السابق ، وان بريماكوف نفسه خرق العرف السائد في عمل المخابرات من اجل الوصول الى هذا الهدف ،،، وفي نهاية المطاف استطاع الخبراء الامريكان في جهاز المخابرات المركزية الامريكي من الوصول الى اولدريج ايميس من خلال جهاز بريماكوف فقط .
وبهذا الصدد تعلق جريدة الغد الروسية في عددها 28 ، تموز 1994 على هذه الاحداث بقولها ان ايميس سيدخل التاريخ كواحد من اعظم العباقرة والدهاة السياسيين وهو رجل مخابرات القرن العشرين الذي عمل لصالح الاتحاد السوفييتي وان الحثالة الذين باعوا ايميس وغدروا به هم انفسهم عملوا من اجل بيع وتصفية الاتحاد السوفييتي .
ويتذكر المتتبعون للاخبار والاحداث الجارية في روسيا ( الاتحاد السوفييتي سابقا ) ان رئيس المخابرات السوفييتي السابق فلاديمير كروجكوف قدم للبرلمان السوفييتي في صيف عام 1991 تقريرا مفصلا حول دور ونشاط عملاء النفوذ في الاتحاد السوفييتي ، الا ان البرلمان في حينه عندما كان غورباتشوف رئيسا للدولة لم يتخذ اي اجراء معين بخصوص ذلك ، لذا من حق القارىء ان يسأل كيف يمكن ان تمر كل هذه الاحداث والملابسات والمؤامرات في دولة عظمى دون رادع ؟ وان الجهات المعنية بالامر هي ايضا لم تتخذ اي اجراء رسمي او غير رسمي من اجل الحفاظ على دولتهم . نعتقد ان السبب يعود الى عبادة وتأليه سكرتير الحزب وكذلك الانصياع الرسمي الى سكرتير الحزب والمكتب السياسي الذي هو من الناحية العملية صاحب الحكم المطلق . وكذلك عدم تعود القيادة على اتخاذ القرار الحاسم في اللحظة الحاسمة دون الرجوع الى رئيس الحزب ، ويبدو ان هذا النوع من الحكم ادى الى غياب الجرأة في اتخاذ القرارالهام والصائب من قياديين في قمة الحزب والدولة وكذلك القيادات المختصة الاخرى ، وكان دور الجميع هو دور المتفرج على سير عملية الهدم ( البيريسترويكا ـ الاصلاح ) واسرار خطط غورباتشوف ـ ياكوفليف ـ شيفرنادزه .
ومن الطريف ان رئيس لجنة الامن في دوما الدولة ( البرلمان الروسي ) فيكتور ايليوخين اكد مؤخرا بأن ايميس حدد اكثر من مئة شخص ( في وقتها ) وهم في قمة السلطة التنفيذية يعملون لصالح الغرب وهم لا يزالون اليوم يمارسون الدور وهم في نفس المواقع الخطيرة ذاتها وان المخابرات المركزية الامريكية تستخدم وسائلها الخاصة للضغط على عملاء النفوذ من اجل تنفيذ المخطط المرسوم .