المبادئ الأساسية لأي مصالحة وطنية في العراق

جورج منصور
2008 / 11 / 29

كثر في السنوات الاخيرة الحديث عن المصالحة الوطنية متخذا ابعادا عديدة. والحديث في كل الاحوال يتخذ مسارات وشجون واتجاهات مختلفة. وقد تم تداول مصطلح المصالحة الوطنية بكثرة في ادبيات الاحزاب والقوى السياسية العراقية. وبدأت كل جهة تقوم بتعريف وتفسير المصطلح حسب فهمها واجتهاداتها ومصالحها التي تنطلق منها وتصوراتها الخاصة بها.
إلا ان ما يتم الاتفاق عليه في الغالب الاعم هو ان المصالحة الوطنية خطوة ايجابية وعملية جريئة ومهمة لرأب الصدع بين الاطراف السياسية المتخاصمة او التيارات الاهلية المختلفة على تقسيم السلطة والنفوذ والموارد العامة, وحسب فلسفة المحاصصات الجارية في العراق بعد التاسع من نيسان 2003.
وايا كانت تفسيرات هذا المصطلح الجديد في الواقع السياسي العراقي, إلا انه بحد ذاته يشكل حراكا سياسيا لافتا ويعترف بالتعددية وينطلق نحو التغيير, متجاوزا الانفراد الكلي بالسلطة واحتكار الموارد والثروات ورافضا الى حد ما الظلم والتعسف والقسوة والاستبداد وميالا للاحتكام الى القوانين والدساتير الوضعية.
وتنطلق سياسة المصالحة الوطنية في العراق من واقعين , هما:
أولاً: وجود قواسم مشتركة كثيرة بين القوى والأحزاب السياسية العراقية وبين مكونات الشعب العراقي عموماً.
ثانياً: وجود اختلافات وخلافات وصراعات وربما نزاعات سياسية في المجتمع.
وتشير التجارب المختلفة في العالم إلى أن في فترات معينة تتغلب القواسم المشتركة على الاختلافات في مابين مكونات المجتمع أو في ما بين أحزابه وقواه السياسية , وفي أحيان أخرى تتغلب الخلافات والصراعات وتسود النزاعات بين هذه القوى والأحزاب وبين مكوناتها في بعض الأحيان حين تتفاقم تلك الخلافات ويعجز المجتمع عن حلها.
كما تؤكد المعطيات الدولية إلى أن الخلافات التي تتفاقم وتتحول إلى نزاعات مسلحة بين جماعات مختلفة ترتبط مباشرة بوجود مشكلات عرقية أو دينية أو مذهبية أو فكرية أوسياسية لم تبذل الجهود لحلها بل مورست سياسات التمييز والاستبداد والقهر للحيولة دونها. وان نشوء الاختلافات والصراعات والنزاعات بين أطراف معينة يعني وجود مصالح متباينة وتبني أساليب مختلفة من جانب تلك الأطراف بهدف تحقيق تلك المصالح والأهداف. وقد برهنت الحياة بشكل ساطع على أن الحلول التي تعتمد القوة والعنف والسلاح لن تعمر طويلاً حتى لو حسمت معركة ما في فترة ما , إذ أن الصراع سيعود والنزاع سيتفاقم لاحقاً , بل أن الحلول الديمقراطية والسلمية والعادلة وممارسة آليات معتمدة محلياً ودولياً هي التي تستمر طويلاً وتساهم في تحقيق الصفاء بين الأطراف المتنازعة وتحقق الوحدة الوطنية.
ويتحقق مبدأ المصالحة الوطنية بين تلك الأطراف المتنازعة حين تتفق على بعض المسائل المهمة , منها مثلاً وبشكل خاص:
• الإقرار المتبادل بضروة اعتماد مبادئ الحرية والديمقراطية في الحكم وفي معالجة المشكلات.
• الاحترام والاعتراف المتبادل بالحقوق والواجبات واعتماد مبدأ التسامح المتبادل في العلاقات.
• رفض ممارسة سياسات التمييز على أساس عرقي أو ديني أو طائفي أو فكري أو سياسي , إذ انها تفكك النسيج الاجتماعي والوطني.
• التحري عن قواسم مشتركة بين جميع الأطراف تستند إلى مبدأ المواطنة الحرة والمتساوية.
• احترام الحياة الدستورية والقوانين الديمقراطية ورفض الخروج عنها حتى في حالة الاختلاف معها بل العمل السلمي والديمقراطي لتغييرها أو تعديلها مثلاً.
• رفض استخدام القوة والعنف والإرهاب كأداة لحل الخلافات أو فرض حلول معينة واعتماد مبدأي الحوار والمساومة للوصول إلى حلول عملية للمشكلات القائمة على وفق أليات ديمقراطية وسلمية صبورة ودؤوبة.
والمصالحة الوطنية تعني الأخذ بمبدأ المساومة الضرورية بين الأطراف المتنازعة بحيث لا يبرز وكأن هناك منتصراً وآخر منكسراً , بل المنتصر هو العقل والمجمتع ووحدة الوطن. والخاسر هنا ليس سوى القوة والعنف والتطرف.
والقبول بالحوار والجلوس إلى طاولة المفاوضات واعتماد مبدأ المساواة في التفاوض والشفافية والصراحة التامة تقود إلى معرفة وجهات النظر المتباينة وتساعد على التحري عن سبل تحقيق التقارب في ما بين الأطراف المتنازعة وصولاً إلى اتفاق يرضي الجميع ولا يغمط حق أحدً. ومن هنا تأتي قاعدة التسامح والتنازل النسبي من قبل جميع الأطراف وصولاً إلى وحدة الموقف , وعندها يحصل التوافق وتحل المعضلات وتتحقق المصالحة الوطنية المنشودة.
والعراق لا يختلف في هذا الأمر عن غيره من الدول والشعوب. وهو بحاجة ماسة إلى المصالحة الوطنية وفق تلك الأسس والمعايير , والتي يأمل كل مواطن الوصول السريع إليها لتحقيق التقدم والازدهار في البلاد.




* وزير شؤون المجتمع المدني في حكومة إقليم كردستان