عاد الدين وداعا للسياسة

ملهم الملائكة
2008 / 10 / 5

"الفتاوى اليوم تحتل مكان الخطابات السياسية ، ورجال الدين رغم الخجل الأممي هم الذين يوجهون سياسات الامم."

كل الحديث اليوم عن خلط الدين بالسياسة ، وجزئيات ذلك كما يفلسف المفكرون تسييس الدين. هذا الهاجس الظاهرة بدأ في عام 1979 حين نجحت ايران في اقامة أول دولة اسلامية جديدة في العالم المعاصر.
سؤال لا يغيب أبدا عن الأذهان، كيف نجح رجال الدين في ايران في ازاحة الشاهنشاه محمد رضا بهلوي دون اراقة دماء ؟ وكيف نجحوا أن يحيدوا كل ذلك الجيش العرمرم المسلح باحدث الاسلحة؟ وكيف تخطوا تنظيم المخابرات ( السافاك) التي كان تأثيرها يمتد اقليميا ناهيك عنه داخليا؟
ولعل من الأوضح أن نضع أسئلتنا في سؤال واحد بالشكل التالي: كيف سمحت القوى الكبرى ( المعسكر الغربي والمعسكر الشيوعي آنذاك) ان تقوم هذه الدولة؟
السياسة
انتهت الحرب الباردة دون مواجهة نووية هيدروجينية مرعبة تذوب فيها أعمدة الحضارة الغربية والشرقية ويعود الأنسان الى الكهوف يلفه عصر جليدي جديد. هذا السيناريو الذي سيطر على أدبيات سبعينات القرن الماضي لم يتحقق.
انتهت المواجهة بين الكتلة الشيوعية والمعسكر الغربي بشكل درامي لم يتصوره أحد ولم يقرأه أي مفكر في العالم. فجأة قرر غوباتشوف أن الشيوعية ما عاد يكتب لها الحياة وأن اقتصاد السوق هو الحاكم وأنّ كل ما كتبه كارل ماركس وهيغل هو تأملات يوتوبية جميلة أثبتت تجارب 73 عاما انها لا تقود الا الى افقار الناس وتعميد الحكومات الفاسدة لتصبح دكتاتوريات وراثية ( آخر أمثلتها المتبقية جامدة خارج ارادة التأريخ ،راؤل كاسترو خلفا لأخيه في كوبا، وكيم جونغ ايل خلفا لأبيه في كوريا الشمالية )، هذه الدكتاتوريات لا تختلف كثيرا عن الملكيات الفاسدة التي ثارت الشيوعية لأسقاطها. وانهارت الكتلة الشرقية دون حروب ودون دماء ، وقرر الشيوعيون ( عدا القلة الديناصورية منهم) أن يتبنوا الليبرالية والديمقراطية وأن يفتحوا أسواق بلدنهم للأستثمارات لعل اقتصادهم ينهض من كبوته ( ونجحت الصين في ذلك بشكل مذهل).
هذا الأنهيار السريع أخّل بتوازنات كانت قائمة منذ خمسينيات القرن الماضي على مستوى العالم. حلفاء الكتلة الشيوعية وحلف وارشو وجدوا انفسهم فجأة بلا حليف منكشفين للمعسكر الغربي الذي أوغلوا في استفزازه مطمئنين أن ترسانة الاسلحة السوفيتية ( بضمنها الأسلحة الاستراتيجية ) تقف خلفهم. فجأة ما عادت الدول التي تتسلح جيوشها المدافعة عن الوطن تجد اطارات لطائرات السوخوي الروسية. وأصبحت قنابل طائرات "توبوليف" القاصفة السوقية حلما بعيد المنال حتى على الدول الأعضاء سابقا في حلف وارشو. وما عاد يمكن الأستفادة من دبابات تي 72 السوفيتية بعد ان اصبحت أجهزة توجيه مدافعها الليزرية عديمة الفائدة لسبب توقف مصانع كييف عن انتاج نضائد القدرة الخاصة بتشغيلها ( وربما كان هذا هو السبب في تدني أسعارها حتى أصبح بامكان دول افريقية فقيرة الحصول عليها كما أعلن قبل أيام عن استيلاء قراصنة صوماليون على 30 دبابة صدرتها روسيا الى كينيا !).
لم يفقد حلفاء المعسكر الشيوعي الدعم العسكري والأستراتيجي فحسب( ولا نقول الأقتصادي لأن دول حلف وارشو التي كانت تبني مفاعلات نووية وترسل صواريخ الى الفضاء كانت في نفس الوقت تستورد مليون بيضة كل يوم من ايران -على سبيل المثال لا الحصر!)، بل أن عنصرا مهما غاب عن المعادلة الجديدة بعد انهيار الكتلة الشيوعية، هذا العنصر هو السياسة!
كيف ذلك والسياسة حاضرة في كل ما نقول ؟!
السياسة حاضرة بشكل دائم في العلاقات الدولية ، ولكن المعادلة الآن أضحت ، الدين مقابل السياسة بعد أن كانت وعلى مدى سبعين عاما السياسة مقابل السياسة .
محاولة التصدي لهذه المعادلة جسدتها الحرب العراقية الأيرانية، فعلى مدى 8 سنوات سعى صدام حسين حثيثا للتصدي للمد الديني القادم من ايران ليكتسح العراق ( وبعده العالم ولا أدري كيف اصبح العراق العروة الأوثق في هذه السلسلة!) . انتهت الحرب دون غالب ولا مغلوب ، وطلع صدام على العالم بلباس عربي وقد غادر بزته العسكرية ليعلن النصر المؤزر على الفرس المجوس حسب تعبيره ( وهم المروجون للدولة الاسلامية وهذا هو المضحك- الفرس المجوس ينشرون دولة الاسلام السياسيي في العالم، اين الخطأ؟!) . بعد أقل من سنتين أدرك صدام حسين ( وهو رجل سياسة محنك على الطريقة الشيوعية الثورية القومية) أنّ فواتير حرب النيابة التي خاضها عن العرب وعن القوى الدولية الراغبة في الحد من سرعة تطور الدولة الأسلامية في ايران( دون أن تسعى الى اسقاط الجمهورية الأسلامية ) بقيت في ذمة العراق وحده ، وهذا يشكل ضربة كبرى لحلمه في أن يصبح قائد الأمة ويحتل الموقع القيادي الذي شغله جمال عبد الناصر، فغزا الكويت وكتب على العلم العراقي بخط يده " الله أكبر" ليعلن طلاقا بائنا من زواج السياسة بالسياسة وينتمي منذ ذلك التأريخ الى فقهاء الجهاد الذي يعرّفون الدين بالسياسة او العكس حسب مقتضى المقال.
ولا أدري أن كان الأمر ضرورة تأريخية بالتعبير الماركسي أم محض مصادفة( وأنا من ألد أعداء نظرية المؤامرة) أن يتزامن هذا الحدث مع أحداث جسام غيّرت وجه العالم وغيّرت الفهم الأستراتيجي لتوازن القوى ومهدت الأرض ووضعت المخطط العام لتحديات الألفية الثالثة، فقد أنهار المعسكر الشيوعي في أوج نشاط الولايات المتحدة لتشكيل التحالف الدولي لطرد العراق من الكويت، وانسحب السوفيات قبل ذلك من افغانستان ليتركوا البلد لقمة سائغة بيد القوى السلفية الأسلامية ( وهو ما أرى الامريكيين فاعلينه في العراق خلال أقل من عام!) وانتهت الحرب اللبنانية دون نصر ودون سبب ( لذا بقيت أسباب قيامها جمرا يتلظى تحت الرماد كما نرى اليوم) ووصل العرب والأسرائيليون الى اتفاقيات اوسلو( بعد أن خسر الراحل ابو عمار الدعمين، العربي بسبب مساندته لغزو صدام للكويت ، و الشيوعي بسبب انهيار الكتلة الشيوعية ) التي تعرقلها اليوم شعارات حماس الجهادية المتآلفة مع المد الديني الدولي . خلال أعوام اربعة اختلفت خارطة السياسة كما لم يحدث الا بعد الحربين العالميتين، فهل كانت معارك تحرير الكويت حربا عالمية ثالثة في ظل مشاركة 35 دولة فيها!؟
الدين
عاد الدين ليصبح قائد حركات التحرر والثورات في العالم ( بعد ان كان الألحاد على مدى سبعة عقود يقود حركات التحرر والثورات فيما الدين يقف في مكانه اليميني الطبيعي الى جانب الغزاة والمستعمرين ويدعم نظرياتهم ايديولوجيا). وتحول المعممون خلال العقد الأخير من القرن العشرين الى قادة ثوريين يغزون الامم وينشرون قيم الثورة ( اليمينية!) في أفريقيا وآسيا ، واندفع الشباب ينبذون نموذج جيفارا رجل العصابات الكافر الذي حاول أن ينشر قيم الكفر والألحاد في امريكا اللاتينية ليتبنوا نموذج المعمم بسرواله القصير ولحيته الكثة وشاربه المحفوف وحرصه على ان لا يظهر أي جزء من جسده خشية أن تراه أعين الجميلات فيعشقنه ويغوينه وهويحتضن بندقية كلاشنكوف ( بعد ان تخلصت روسيا من رجس الشيوعية صارت اسلحتها حلالا على المجاهدين) لينشر قيم العدل والانسانية والصلاح بين الأمم الضالة وليعيد المرتدين الى مكانهم الطبيعي " الدرك الأسفل من النار" لأنه مخوّل من الرب باجراء احكام السماء والفصل بين الكفر والأيمان.
سياسيا اشتبك اليمين واليسار عبر العالم مع القوى الدينية التي اعتلت خشبة المسرح السياسي بدعم جماهيري شاسع، وبدأت قوى اليسار واليمين عبر العالم تخسر مواقعها أمام القوى الدينية تباعا، وصار كل الساسة يتملقون لرجال الدين وتراجعت مكانة كل الفلسفات أمام العقائد الدينية.
بعد 11.9.2001 اتضحت كل أطراف المعادلة السياسية الجديدة مع الألف الثالث للميلاد/ الاسلام يمثل اليسار وقوى اليسار الراديكالية بدرجات متفاوتة( وفي داخل الأسلام يمثل الشيعة اليسار والسنة اليمين). المسيحية تمثل اليمين المحافظ ( وتمثل اوروبا يسار اليمين فيما تمثل الولايات المتحدة يمين اليمين). واليهودية متمثلة بدولة اسرائيل تمثل الليبرالية الدينية.
كل هذه التقسيمات لم تنسحب على اليابان والصين والهند ودول امريكا اللاتينية وامريكا الوسطى ، على ألاقل لحد الآن، وربما سيخضع المستقبل تلك البلدان الى نفس المعادلة والتقسيم.
واذا استعرنا لغة فلاسفة الديالكتيك فأن كل شيء في العالم قائم على وجود ضده، الأنثى والذكر، الليل والنهار، الحياة والموت، الى ما لا نهاية من المقاربات فسنخلص الى أن عصر القطب الواحد قد انتهى ولكن بخسارة كبيرة، فقد انتهى معه عصر السياسة ليبدأ عصر الدين. لقد عجز الغرب الذي نجح في القضاء على دول الأيديولوجيا عن توفير بدائل لتلك الأيديولوجيات الغائبة ، فلجأت الشعوب من جديد الى أقدم الأيديوجيات وأكثرها ثباتا وهي الأديان لتستبدل بها السياسة.