بحث في بنية العقل الديني

محمود كرم
2008 / 9 / 15

ربما من البداهة القول أن العقل الديني الإسلامي بعامة وفي مجمل مراحله التاريخية وفي مختلف انعكاساته وانتماءاته المذهبية ، يميل إلى اليقين والقبول تلقائياً بالأسبقيات اليقينية ، نابذاً من قاموسه وأدبياته وأسلوبه وثقافته منهج الشك بجميع مستوياته وتدرجاته وطرائقه ، ولذلك استمرَ العقل الديني يحمل وبثبات الأسبقيات اليقينية والاعتقادية الخاصة به ، ينتقل بها من مرحلة إلى أخرى ومن جيل إلى آخر ، وعادةً ما يعتمد العقل الديني في حمل ونقل أسبقياته اليقينية والنصية للأجيال والأزمان المتعاقبة من خلال اعتماده على أساليب التلقين والشفاهة والتكرار اليقيني ، ولن نجد مثلاً أن هناك فرقاً في ما تناوله وما ظلّ يتناوله العقل الديني من مفاهيمَ أسبقية خاصة به من بداية تاريخه وإلى يومنا هذا ، بحيث لم تتأثر تلك المفاهيم بتطور وتحول وتبدل وتغير الأزمنة والظروف والبيئات والعلوم الإنسانية والمناخات الثقافية والفكرية ، ولو أخذنا مثلاً على ذلك مبدأ ( الشورى ) في العقل الديني منذ القديم وإلى اليوم ، نجده هوَ ذاته كإطار كان يهدف إلى تنظيم العلاقات في الحياة السياسية لم يتغير ولم يتطور ، وأيضاً لم يتم التخلي عنه ، على اعتبار إنه لا يتناسب مع مفاهيم التطور الإنساني العصري في انجاز الديموقراطيات الحديثة ، ومع ذلك بقيَ في العقل الديني نموذجاً للمثالية والأفضلية والحالة الحياتية التكاملية ، وربما يجب أن يخضع هو الآخر لمقياس ( التقوى ) حسب المفهوم الديني الخاص فيه ، بينما الواقع يقول أن الكثير من تيارات العقل الديني الحالي وجدت في الأسلوب الديموقراطي الغربي مرحلة مؤقتة للإنتقال تالياً نحو تطبيق مبدأ ( الشورى ) الديني في حال تمكّنها من أسلمة القوانين والدساتير وتديين الحياة العامة كما تعتقد وتتصور ، رغم الاختلاف الواضح بين الشورى كمفهوم ديني محدود ، وبين الديمواقراطية كثقافة وسلوك ونظام ، إذ أن الأخيرة خضعت للتجريب الميداني والواقعي ، فضلاً عن إيمانها بالتعددية السياسية والدينية والحريات المدنية وحقوق الأقليات والقانون الوضعي ، والأهم فإن الديموقراطية تنزع من جميع الأطراف المتشاركة ثقافة العنف كما يقول الدكتور شاكر النابلسي ، لأنها تؤمن بالحوار أساساً للتواصل والبناء والتفاهم وخلق الحلول والبدائل وتوفير الاختيارات ، بينما نرى أن ثقافة العنف ركناً أساسياً في بنية العقل الديني ..

وبقيَ العقل الديني في تعاقباته الزمنية يكرس دائماً التراكمية اليقينية ، ويكرس الأسبقيات اليقينية المحكومة بصفة القداسة والتنزيه والأسطرة ، فالعقل الديني في الأساس هو عقل تراكمي ، ينهل من أسبقياته اليقينية ذاتها ، ويدور في مداراته النصية الماضوية ، ولذلك لم يخرج من حدود تفسيره لآيات القرآن والحديث والروايات وعلوم الفقه واللغة فقط ، وأصبح أسيراً للنص الديني ، منشغلاً بتفسيره وتطبيقه والدوران فيه ، وأخذ يبرر العقل الديني وجوده وأفضليته وأحقيته ودوامه من خلاله ، غير منفتح على الإنساني وعلى منهجية الشك والتساؤل ، ومتوجسٌ بطبيعته الاحترازية والدفاعية والعدائية من الجديد والطاريء والمتغير ، ولذلك بقيت هذه التراكمية تنتج وتكرر الإجابات اليقينية الجاهزة والمعلبة والمبرمجة على تساؤلات الإنسان المنتمي لمدرسة العقل الديني ، ولا تتعاطى بالتالي هذه التراكمية مع مباحث واستنطاقات وتساؤلات ومستويات الشك الإنساني ، لتفكيك وتشريح وتقليب مفاهيمها وتراكماتها الثقافية واليقينية ..

وكما هو معروف فإن العقل البشري المنعتق من سلطة اليقينيات الإطلاقية من خلال انفتاحه التفكيري على الاحتمالات كلها ، ومن خلال نظرته النسبية وليسَ المطلقة إلى الحقائق والأمور ، ينزع دائماً نحو التفكير والتساؤل ، ويجد في اثارة الشك والتساؤل سبيلاً لفهم الأمور على أسس نسبية ومنطقية وعقلانية وفلسفية ، بينما العقل الديني وجدَ في اليقين سبيلاً ربما لإراحة العقل من قسوة الأسئلة الحائرة ومن تزاحم التساؤلات ومن اتجاهات المنطق والفلسفة ، وبالتالي الاستسلام للأسبقيات اليقينية ، ولذلك فالإنسان الذي استطاع أن يهضم استحقاقات الحداثة ، والتي هي بطبيعة الحال صعبة جداً على أن يهضمها ويتقبلها العقل الديني ، كما يقول الدكتور أحمد البغدادي ، أقول مَن استطاع أن يهضم ذلك هو الإنسان الذي تحرر من سلطة اليقينيات النصية ومن حاكمية الأسبقيات الاطلاقية ومن هيمنة الموروثات الماضوية ، فقطع بذلك أشواطاً كبيرة في تحقيق مباهج الحضارة وانجازاتها الفكرية والثقافية ، ومن ثمَّ المضي فيها قدماً من دون الدوران والحفر والتجميد في الفراغات الماضوية والقوالب اليقينية ، ولذلك علينا أن نفهم لماذا العقل الديني يحارب التجديد والحداثة والحريات والانفتاح والتعددية الفكرية والدينية ، لأنه يعجز عن تقبلها واستيعاب مستوياتها ويعجز عن معايشتها والتفاعل معها ، فيغرق في استثارة وتكرار ماضوياته النصية التراثية ..

والعقل الديني عليه أن يكون منخرطاً في العقل الجمعي الديني الذي يتأسس دائماً وفق البيئة الحاضنة لأسبقياته اليقينية ، ومندرجاً تلقائياً تحت تفسيراته ، وملتزماً بأحكامه وبمساراته واعتقاداته ، وفي الأساس فإن العقل الديني والعقل الجمعي الديني يشتركان في صناعة بعضهما البعض ، لأن طبيعتهما وبنيتيهما وتركيبتهما وتوجهاتهما جماعية ، ويبقيان محكوميْن بها ، ومحتكمان إليها ، ويحققان شرعيتهما وهويتهما ووجودهما في المجموع والجماعية والشمولية العقائدية ، ولذلك فالعقل الديني لا يتمتع بالحس الفرداني الذاتي ، ولا يملك فردانية فكرية مستقلة ، ولا يستطيع أن يخلق باستقلالية حسه وصوته الداخليين ، وليسَ وارداً في قاموسه الخروج عن منطق الجماعية والعقل الجمعي ، بل يجد نفسه دائماً في أن يكون صورة طبق الأصل عن المجموع والعقل الجمعي ، ولذلك فالعلاقة بينهما تبادلية وثيقة ومتجذرة ، محكومة دائماً بالانغلاق عليهما فقط ، ومندرجة في دوائرَ اجتماعية وتنظيمية تتغذى على المشتركات نفسها اليقينية والثقافية فيهما ، ويبقى الأثنان يحاربان طويلاً من أجل أن تبقى العلاقة بينهما محكومة بالمرجعيات والأطر اليقينية ذاتها ، وقائمة على أساس حماية أسبقياتهما اليقينية والموروثية من الشك أو الخدش أو التصدع أو الاهتزاز ، ويحاولان دائماً أن يبتعدا من كل ما يقودهما إلى الشك والتساؤل ، لكي لا يُبعدهما ذلك عن مستوى اليقين الذي وصلا إليه ، وهذه العلاقة الانغلاقية بينهما بطبيعتها قاتلة للشك ، وقامعة للاستقلالية ، وطامسة للسؤال ، ومتوجسة من تموّجات التغيير والتحول والتطور ..

ولأن العقل الديني واقعٌ تحت هيمنة ماضوياته النصيّة ومنشغلاً بها ومُكرراً لها ، نجده يحصر المعرفة في حدود النص الديني ، متصوراً أن النصوص الدينية التراثية أساس كل معرفة ورأس كل حكمة ، ولا يستطيع العقل الديني أن يهضم المعرفيات الفلسفية الإنسانية إذا لم تكن متساوقة مع النص الديني ، فيحاول بكل ما يستطيع أن يجد لها تفسيراً دينياً مثلاً ، أو أن يسبغ عليها اللون النصّي الديني ، وحتى حينما حاولَ ( ابن رشد ) من خلال نظرته إلى الأمور أن يخلقَ تصالحاً بين الدين والفلسفة على أسس معرفية وعقلانية ، كان أن أغلقوا عليه الأبواب والنوافذ ، وأجهضوا محاولاته برجوعهم الانغلاقي إلى اليقينيات المطلقة ، وليسَ خافياً ما أسرَّ به ( ابن سينا ) ذات يأس وضجر من استحالة أن يتوافق العقل الديني مع العقل الفلسفي ، بعد أن وجدَ في المعارف الإنسانية الفلسفية مساحات فسيحة ورحبة تتسع للتساؤل والتفكير والشك والنقد والتغيير ، بينما العقل الديني يحاول دائماً أن يحصر المعرفة قدر ما يستطيع في حدود ما يسمح به النص الديني ، وعليهِ نستطيع أن نفهم كيف أن المجتمعات المنفتحة والهاضمة لقيم الحداثة قد وصلت إلى ما هي عليه اليوم ، وما تطمح وتسعى إليه في الغد ، بعد أن حاربت كثيراً في ميادين الثقافة والفكر والفلسفة لنيل حريتها التفكيرية والنقدية والفلسفية من هيمنة الأسبقيات اليقينية ، استرشاداً بالومضات والجهود الفكرية والفلسفية لديكارت وكانط وفولتير واسبينوزا وغيرهم ..

والعقل الديني لم يزل غارقاً في يقينياته التهويمية ، تلك التي تزامنت قديماً مع طموحاته السياسية والشرعية الدينية ، وأصبحت كل مساعيه وأمنياته وأهدافه في الحياة تتمحور حولها ، وتحولت هذه اليقينيات إلى مفاهيمَ ذهنية متصلبة في بنية العقل الديني ، ومن ضمنها المفهوم الذي يتعلق بتحقيق دولة ( الخلافة الإسلامية ) التي يجب أن تحكم العالم ، وإذا ما توجهتَ بالسؤال إلى أحدهم : هل تتمنى أن يصبح الناس في أوروبا والغرب ( الكافر ) مسلمين ، وبالتالي ترفرف على ربوعها رايات الخلافة الإسلامية .؟ أقول إذا ما توجهتَ بهذا السؤال مثلاً إلى كل مَن يندرج تحت إطار العقل الديني المؤمن بتلك اليقينيات ، كما فعلتُ أنا مراراً وتكراراً معهم حينما صادفتهم خلال فترة مكوثي القصيرة في السويد ، لوجدتَ الإجابة التلقائية منهم : نعم كبيرة ، لا شك فيها ولا تردد ، وفي مقابل ذلك ، هناك أيضاً مَن يؤمن بجموح يقيني عاطفي بالمفهوم الديني التهويمي الآخر ، وهو ( الدولة الكريمة ) التي تترافق مع ظهور الإمام الغائب ، رغم إنه يعيش في أوروبا والغرب ، متنعّماً فيها بحياة آمنة وكريمة تحترم إنسانيته وكرامته واختياره ومتمتعاً فيها أيضاً بحريته الدينية ، وبطبيعة الحال ستبقى كل هذه اليقينيات التهويمية والمفاهيم الهلامية متحكمة بالعقل الديني ومستحوذة عليه ، إذا لم يحاول أن يضعها تحت الشك والتساؤل والنقد والتفكير العقلاني ..