امريكا والاستثمار النفسي الاستراتيجي لاحداث 11 ايلول

ياسين البكري
2008 / 9 / 11

من الحقائق المهمة على الصعيد الداخلي في الولايات المتحدة الامريكية ، ان الانتصار في الحرب الباردة ، اسفر ميلاً نحو تحديد مهامها خارجياً ، وهو ما اظهرته استطلاعات الرأي العام التي اجريت في الولايات المتحدة عام ( 1995 – 1996 ) .
والفتور الجماهيري نحو الانفراد الامريكي ينطلق من كون الانغماس العالمي للقوة الامريكية في شؤون القارات لايضيف الى الفرد الامريكي شئ ، خصوصاً على المستوى المعاشي ، ان لم تكن نتائج الانغماس المفرط ذات نتائج عكسية على ذلك المستوى بالربط بين ضرورة تصاعد قيمة موازنات الدفاع اللازمة او الانفاق على شبكة الوكلاء والحلفاء الدوليين بالمساعدات ،وانعكاس ذلك، وغيره من السياسات على دافع الضرائب الامريكي .
خصوصاً وان النفقات في الجانب العسكري او في مجال الادوات السياسية الاخرى كانت مبررة في حقبة الحرب الباردة ، بوجود المنافس او العدو القوي . اما وان العدو قد انهار فان التوقع الاولي المباشر للفرد الامريكي ان النفقات ستخفض ومردودها المباشر سيظهر في تخفيض نسبة الضرائب، وبذا اصبح هذا التصور والتوقع معوقاً على المستوى الداخلي في سبيل اقرار الموازنة من الكونكرس ، فتتبع مسار الرأي العام من المهام الضرورية بالنسبة للرئيس الامريكي او اعضاء الكونكرس بسبب قيود اللعبة الانتخابية في امريكا والرغبة في اعادة الانتخاب .
لذلك فالمشهد السياسي في امريكا قد عرف خللاً وعدم توازن في التوجهات، بين منظور الادارة الحكومية الراغبة باستثمار انحلال الاتحاد السوفيتي والشروع بممارسة دور امبراطوري عالمي بفرض تكاليف مبررة بالمنطق الامبراطوري كاستثمارات بعيدة المدى ، او دواعي فرض الهيبة الدولية وهي من الاهداف العليا للدول .
اما المنظور العام فيشكك في هذا التوجه ، او على الاقل لايرى مردوداً مباشراً له على حياة الفرد ، بل يرى ان المردود المباشر هو في تخفيض النفقات بعد انهيار العدو الرئيسي .
وتاريخياً لم يكن التورط الامريكي في الشؤون الدولية قد مرر داخلياً بدواعي التخطيط الاستراتيجي والمصلحة العليا للدولة ، بل ارتبط اكثر الاحيان بصدمة على المستوى الجماهيري ، يكون التهديد الخارجي فيها ملموساً عند الفرد فالحرب ضد اسبانيا في نهاية القرن التاسع عشر للسيطرة على مستعمراتها في القارة الجديدة ، قد بررت بقيام الاسبان باحراق سفن امريكية ، والدخول في الحرب العالمية الثانية ارتبط مباشرة بالغارة اليابانية على ميناء بيرل هاربر والتأيد الجماهيري للحرب الباردة ارتبط بالحرب الكورية وحصار برلين ، وقبل الدخول في استعراض نتائج الاستثمار الاستراتيجي على الصعيد الداخلي في امريكا ، لابد من معرفة التوجيه النفسي في ادارة السلوك السياسي للمجتمع الامريكي ، او ما سنطلق عليه ( تكنلوجيا السلوك الانساني ) ، وهذه التكنلوجيا اعتمدت اساساً على بحوث المدرسة السلوكية وهي المدرسة الام في علم النفس الامريكي ، ومن اهم نظريات التعليم فيها هو نظرية ( الاشتراط الاجرائي ) او بعبارة اقرب الى الذهن ( المنعكسات الشرطية ) ورغم ان العبارة الاخيرة قد تحيل القارئ الى نظريات بافلوف الروسي ، الا ان النظريتين تشتركان مفاهيمياً في تصميمها الاساسي .
يقول سكنير ان الكائن الحي الانسان هو عبارة عن ألة مثله مثل أي ألة اخرى . ويتصرف الكائن الانساني من خلال قوانين واساليب وذلك في استجابته للقوى الخارجية او المتغيرات التي تؤثر عليه ، وتأسيساً على المقولة السابقة يمكن القول ان المثيرات ( المدخلات اذا تمت بصورة محسوبة وضمن قوانين معينة يمكن ان تنتج استجابات ( مخرجات ) ثابتة ومطلوبة من المصمم .
بشكل اوضح تتحدث النظرية عن مثيرات طبيعية كالجوع الذي ينتج اللعاب عند رؤية الطعام ، او الخوف الذي يؤدي الى البحث عن طريقة لدفعة عند شخوص التهديد .
في الحالة الاولى يقرن تقديم الطعام بمنبه او جرس وبتكرار معين وفي مرحلة لاحقة يضرب الجرس دون تقديم الطعام فتنتج نفس الاستجابات أي افراز اللعاب وهو ما يعرف بالمنعكس الشرطي بحيث اصبح الجرس مثيراً شرطياً وبديلاً عن المثير الطبيعي وهو الطعام .
في المثال الثاني الخوف بدء تصميم العدو المقبل في تنظيرية فوكاياما بتشخيصية النموذج الاسلامي ، وفي نظرية هنتجتون كانت الشخوص اكثر حيوية من خلال امثلة الكتاب الكثيرة عن المجتمع البدوي الذي ولد فيه الاسلام واسلوب انتشاره وصولاً الى امثلة النزاعات بين الدول الاسلامية، او داخل مجتمع الدولة الواحدة بين المسلمين انفسهم، او بين المسلمين ضد الاقليات الاخرى واقتران كل ذلك بالاسلوب الدموي والارهابي في حل المنازعات، وبالتالي اصبحت دلالة الاشد دموية او الارهابي مرادفة للاسلامي او الاصولي او العربي .
الاعلام الامريكي وكذلك هوليود لعبت دوراً في توليد مجموعة من الصور عن العربي والمسلم الارهابي لابشكل استعراض مباشر بل عن طريق اشارات عابرة ، وعبارات قصيرة عن اسم دولة عربية او اسلامية ستحط فيها طائرة مخطوفة اوسيلجأ اليها مجموعة من الارهابيين ، وخطورة الاسلوب غير مباشر تأتي من حيث انه يخلق نمطية ذهنية في اللاشعور متجاوزاً خطورة طرح اسئلة عن مصداقية المعلومة من عدمها .
ولا تتوقف عملية التنميط الذهني عند هذا الحد بل تتجاوزه لخلق تصور عن طبيعة النسيج الاجتماعي للمجتمعات العربية والاسلامية وطرحه بالشكل المتخلف والبدائي ، عبر صور البادية والخيمة والجمل ليعكس امكانية تبني مفاهيم العدائية من قبل هذه المجتمعات للتطور والحياة الامريكية .
اذن فمن خلال خلق الصور النمطية عن العربي والمسلم واقتران مصطلح الارهاب به في التداول الاعلامي ، يصبح من السهل توجيه السلوك الجماهيري الامريكي نحو اعتناق عقيدة الخوف من عدائية العربي والمسلم بعد ان اصبح مرادفاً لمفهوم الارهاب حتى وان كانت هذه المطابقة مستبطنة .
ومن هنا يمكن اعتبار احداث ايلول لحظة انعتاق هذه الكوامن المركزة في عقلية الشعب الامريكي بشكل تجزيئي متدرج ، بحيث لم تكن مهمة الاعلام الامريكي صعبة ، فبمجرد اعلان أسماء القائمين بالعملية اخذت عملية التداعي النفسي تضخم ليس القائمين بالعملية بل ، وهو الاهم الايديولوجية الاسلامية والمعتنقين لها ، خصوصاً وان العملية استهدفت رموز النمط الامريكي المستقبلي ووسائل تحقيقه مقري منظمة التجارة العالمية والبنتاغون .
لذى اصبح من مدركات عقلية الشعب الامريكي ان عملية التسوير الامني الامريكي والمجتمع المرفه والامن مخترق من قبل جماعات متخلفة مؤدجلة على الارهاب .
ان المعادلة السابقة ببساطتها تبرر اطلاق استخدام القوة الامريكية في محيط العلاقات الدولية ، متذرعة بحجة الدفاع عن الذات ، واول نتائج الاستثمار النفسي لاحداث ايلول ، تتضح من خلال السلوك الجماهيري في امريكا ، الذي لم يقتصر على تعديل ميزان الميل نحو الاستخدام الخارجي المفرط للقوة الامريكية ، بل ظهر ايضاً في مستوى العداء الداخلي للمهاجرين ذوي الاصول العربية والاسلامية .
وطبيعة الاستثمار لاتتوقف عند لحظة الحدث ، بل في المعززات السلوكية ابتداء من فيروس الجمرة الخبيثة ومروراً بقصة القناص التي تناولتها وسائل الاعلام الامريكية بتغطية مكثفة ، تسمح ببقاء مستوى التوتر الجماهيري عالياً ، بحيث تحول السلوك الجماهيري من كونه معوق على مستوى الاستراتيجية الامريكية الى مؤيد لها .
اما على المستوى الخارجي ، فيمكن النظر سريعاً الى ما حققه الاستثمار الاستراتيجي في افغانستان ، بالنظر لاهميتها الجيوستراتيجية الضاغط على روسيا والصين ، والعازل لهما عن الخليج ، وتاريخ الصراع مع الاولى ما زال ماثلاً في الذاكرة الامريكية ، اضافة الى مؤهلاتها النسبية كلاعب مؤثر على المستوى الدولي .
والثانية مؤهلة اصلاً للعب دور عالمي .
وطبيعة التواجد العسكري الامريكي في افغانستان لاتكتسب اهميتها من ناحية الاقتراب الجغرافي المحاذي لروسيا والصين فقط ، بل تتعداه الى طبيعة الموقف الروسي والصيني غير المعارض لهذا التواجد وبالتالي يعطي للاستراتيجية الامريكية مرونة في اللعب على عقد ومحاور استراتيجية عالمية ، ما دامت احداث ايلول قد خلقت معوقات قوى دولية في مواقع تمس امنها القومي واستراتيجيتها الامنية تجاه اقتراب لقوى دولية من حدودها تفادياً لردود الفعل الامريكي تجاهها .

لذى فالمخطط الاستراتيجي الامريكي قد حقق استثماراً ذكياً للتنظير السابق للعدو المقبل . والصور النمطية عن الاسلام بان حقق ربطاً بينها وبين احداث ايلول ، وبذلك استطاع قلب المعوقات الداخلية والخارجية التي جابهت تنفيذ استراتيجيته في عقد التسعينات الى تايد جماهيري على المستوى الداخلي وصمت من قبل قوى دولية تجاه الاقتراب منها ، او من عقد ومحاور استراتيجية تهم مصالحها واستراتيجياتها على المستوى الخارجي، وتسهم لا في تعويق ظهور متحدي محتمل للهيمنة الامريكية على العالم فقط ، بل وفي اطالة عمر هذه الهيمنة من الناحية الزمنية مستقبلاً .