‏‏عصفٌ شعريٌ إلى محمودْ درويشْ

حبيب فارس
2008 / 8 / 18

سَريعُ الدّخول ِفالخروج ِ
فالدّخولْ...
أشكُرُكَ مَحْموداً، على
مَنْسوبِ تَعارُفِنا المُعْتَدِلْ، على
إطلاقِكَ صداقة ًمن نوع ٍآخرْ، على
انْسيابِ ساقِيَتِها في بُستانيَ العَطِشْ، على
رَويـِّهِ حتى نهايةِ الشَّبعْ. دُونَ
التّجَمْهُر ِعندَ جذع ِالتّلّة ْ. دُونَ
وَرَمي السّرَطانِيِِّّ النَّظيفْ. دونَ
فـَقـْئِهِ عندَ
كلّ دخولْ، عندَ
كلّ خروجْ، عندَ
كلّ انْضِغاطٍ لعبق ِالزّعْتَر ِفي مَشْتَلِهِ المُحَاصَرْ، عندَ
بوّاباتِ أمّ الشّرائعْ، عندَ
أقدام ِحِصان ِهَنيبعلْ، عندَ
كلّ الأعداءِ من ورائِكُمْ، عندَ
كلّ البحار ِمن أمامِكُمْ، عندَ
مُحيطٍ متصخّر ٍمفتوحْ، عندَ
صحراءٍ متجمّدةٍ مفتوحة ْ، عندَ
نيل ٍ، دِجلةٍ وفراتٍ مالحاتٍ مفتوحة ْ، عندَ
ثقافةٍ لم يعدْ فيها
أندَلسْ، لم يعدْ فيها
اٍبراهيمْ، لم يعدْ فيها
يسوعْ، لم يعدْ فيها
محمّدْ، لم يعدْ فيها
عمراً، ولا
عليّاً، ولا
خالداً، ولا
صلاحاً، ولا
دِيْنْ
***
أشكُرُكَ مَحموداً، يومَ
خَرَجْتَ من الزّنزانةِ، يومَ
دَخَلْتَني سَجِّلْ... يومَ
خَرَجْتَ عُصْفوراً من الجليل ِ، نحوَ
غاباتِ أرز ٍتُحْرقُ بإسْم ِالرّبْ، نحوَ
غاباتِ سنديان ٍفروعٌها من دُخانْ، نحوَ
غاباتِ نَخيل ٍرُطـُبُها قنابلْ، نحوَ
بنادق ٍشقيقةٍ مٌصوّبةٍ نحوَ
صَدْر ِفضائِكْ، نحوَ
عُنٌق ِزُجاجةِ المصيرْ، يومَ
قتلوكَ القتْلَ الأخيرْ دونَ أن تَموتَ، يومَ
خَرَجْتَ للعُلى شَهاباً في يَدهِ قصيدةْ والأخرى غُُصْنَ زيتونْ، يومَ
دَخَلْتَ الجَنّة مؤكّداً قفِرَها مِنْ
وُكلاءِ سَفرها وزُوّارها المزعومينْ، مِنْ
تجّار ِالمَحارق ِ، مِنْ
مُزارعيّ الشّعارات ِ، مِنْ
قادةِ وجُنْدِ المُكَفـِّريْنْ
***
أشْكُرُكَ محموداً لِخُروجـِكَ الأخيرْ قبْلَ اكتمال ِالتّعارُفْ، مِنْ
عالـَم ٍأضْيَقَ مِنْ
كٌمِّ قميصْ، مِنْ
أقحُوانةٍ باكيةٍ على اختطافِ تُرابـِها، مِنْ
زهرةِ لوز ٍمَذهولةٍ لِقتْل ِلونِها، مِنْ
بَرْوَةٍ مَخْصيّ مُعْتـَصَمِيها، مِنْ
رامَ (شُوْطِنَ) اللّهُ- هَا، دونَكَ وصُعودِكَ قِمّة قعْرها، مِنْ
مَجرّةٍ أصْغرَ مِنْ
محمودْ دروشْ
***
أشكُرُكَ درويشَ لِخُروجكَ على
مألوفِ المألوفْ، على
تعارُفِنا البسيطِ البسيطـْ ، على
تَمْعِيْنِكَ اللاّعاديَّ لِمَعنى العاديِّ من الأسماءْ، معكَ
لم يعدْ محمودٌ مجرّدَ محمودْ، معكَ
لم يعدْ درويشٌ مجرّدَ درويشْ، معكَ
أمسى محمودٌ محموداً محموداً، معكَ
بات درويشٌ درويشاً درويشاً، معكَ
صار محمودُ درويش ٍمحمودَ درويشْ، معكَ
قـَصَفتْ القصيدةُ ما بعدَ بعدَ الشّعرْ، معكَ
وصلَ الشّاعرُ إلى ما بعدَ بعدَ النّبيْ، معكَ
رٌفِعَتْ الصّلاة إلى ما فوقَ فوقَ الإيمانْ، معكَ
أصبح مِفتاحُ الجنّةِ لا يَمُسّهُ
إلاّ المطهّرونْ
***
شكراً محمودَ لأنّك لم تعْرفني ولم أعرفكَ أكثرْ، وإلاّ
لأماتـَتْكَ سِهامُ غروري بعدَ قتْلِكَ الأخيرِْ، وإلاّ
لأماتــَني رَصاص ُحُبّكَ بعدَ قتْلِكَ الأخيرْ، وإلاّ
لـَمُتّ كلّ قصيدةٍ عندَ مفارق ِآياتِكَ البيّناتْ، وإلاّ
لـَبَانَ قهْرُ الموتِ عندَ رشفِ كلّ حَرفٍ من كأس ِالجليلْ،
لدى افتضاح أسرار ِأمّهاتِ أمّهاتِ المَعْنى،
لأمّهاتِ أمّهاتِ الكلامْ،
بموسيقاهِ الأحْضَرَ من الحُضورْ،
الأرْسَخَ من الرُّسوخْ،
الأعلى من أشهادِ القبورْ
***
سريعُ الخروج ِ
محمودَ درويش ٍ، أنتَ،
سريعُ الدّخولْ،
كلّما خَرَجْتَ من زنزانةٍ
حَُكَِمْتَ بالمؤبّدِ
داخلَ الصّدورْ.
اليومَ تخْرُجُ مَجرّةً من رحم ِمجرّةٍ
مُنازعةٍ الموتَ على فراش ِالإنطفاءْ،
اليومَ تُضيءُ زميلاتـَكَ المجرّاتْ
بأبدِ الحياةْ