العراق / غياب الدولة وحضور السلطة

ياسين البكري
2008 / 7 / 12

( آه يا انليل ...عندما خلقت السماوات والأرض ..كنت أنت الملك ) نص عراقي قديم
القارئ الجيد لتاريخ العراق يصل إلى نتيجة مفادها أن للسلطة دورا سلبيا في تراكم ظاهرة العنف وتشظيها في المحيط العراقي ، وفي تغذية حالات الصراع الجهنمي الذي عصف بالمجتمع العراقي عبر تاريخه وبشكل تصاعدي في دائرة حلزونية .
واليوم يعتقد الكثيرون بأهمية استعادة الدولة ، وهذه الدعوة لا تقف عند حدود المهتمين والباحثين والسياسيين ، بل تمتد إلى عامة الناس وهم المتضررين الأكبر من حالة فقدان الأمن ، وهو ما خلق حالة من التمزق والازدواجية بين المعارضة التاريخية للدولة بوصفها قامع متسلط ، وبين الرغبة باستعادتها كمنقذ على خلفية الاحتلال الأمريكي وتداعياته السياسية والأمنية والاجتماعية ، وهذه الازدواجية ناتجة في جزء منها من خلط بين مفهومي ( الدولة ) و ( والسلطة ) .
ومع أن الحدود بينهما دقيقة ومرنة وسائلة بحيث تغيب عن ذهن المتلقي والباحث الحصيف ، إلا إن هناك مجالا للفصل بينهما ، وربما التمييز بينهما ضروري في المرحلة الراهنة التي يمر بها العراق للوقوف على التناسل الغريب وفي التكرار الدائري لتاريخ السلطة ومن ثم محاولة الإفلات من هذه الدائرة لتأسيس الدولة .
العراق لم يشهد بناء دولة منذ ما يسمى تأسيس الدولة العراقية الحديثة في العام 1921 ، فذلك التاريخ لم يكن نقطة تحول فاصلة ومغايرة وتطورية في مفهوم السلطة والحكم في العراق ، بل هو حالة تواصل للشكل التاريخي للدولة السلطة في العراق ، الدولة المبنية على استخدام القوة والعنف كالوالية لزومية وشرط أساس لتسلق فرد أو عائلة أو سلالة لهرم إصدار الأوامر، وبعبارة أخرى الشرعية هي القوة ، في شكل مغاير للمفهوم الحديث للدولة الذي يستخدم القوة والإرغام أو التهديد بهما كأحد عناصر الدولة بحسب جابريل الموند وروبرت داهل ،
لكن القوة ليست العنصر الوحيد ولا تمثل الشرعية .
الجذر اللغوي للسلطة في اللغة العربية الذي يشير إلى الغلبة والقهر والقوة ، والجذر اللغوي للدولة ( دال ) الذي يشير إلى التغير وعدم الثبات والتداول ، على عكس الجذر اللغوي للدولة في اللغات ألاتينية ( state ) المشتق من ( ستاتك ) الثبات، قد يعطي دالة على الفرق والتباين بين( الدولة السلطة ) في المفهوم التقليدي وبين ( الدولة ) في المفهوم الحديث المبني على المأسسة والثبات.
منذ العام 1921 وحتى العام 2003 كان العراق محكوما بالدولة السلطة ولم يكن محكوما بسلطة الدولة في تواصل وعدم انقطاع مع الشكل التاريخي لها في العراق القديم مرورا بالدولة العربية الاسلامية بمسمياتها وحتى العهد العثماني.
الدولة شئ وثيمة مغايرة عن السلطة ، فهي كل والسلطة جزء .و الدولة بلغة صوفية ( إحساس وولاء واندماج واتحاد ورغبة وتجلي وانصهار وكشف وانبعاث مع جوهر خارج عن الذات وعن الشخوص، ماهية اكبر من أن تتجسد في فرد وتصل حد القداسة ) ، وربما يحاكي أو يدغدغ هذا الوصف الصوفي تجليات هيجل عن الدولة .
والدولة بلغة اوديبية فرويدية ( أب وأم ، رحم وأمان ، واهبة معطية حنون ، كابحة زاجرة ، كلية القدرة ، أنا أعلى ) .
والدولة بلغة سياسية وديمقراطية ( مؤسسة عليا فوق الجميع وتختزل الجميع ومن الجميع ومن اجل الجميع وملك للجميع ) وهي بذلك تتجاوز وتتعالى على الفرد وشرعية القوة وتؤكد حضور سيادة الأمة .
الدولة في تاريخ العراق الحديث وفي توصيفاتها السابقة لا وجود لها ، قد يكون لها تمظهرات ، أعراض ، بعض الصفات ، لكنها غير موجودة ، الموجود والواجد والواهب والعاطي والرحيم بمن سايرها ، والمنتقم والجبار والمانع لمن عارضها هي السلطة ،( والسلطة تنوعت أشكالها من عائلة أو نخب عسكرية أو نخب حزبية ثم عادت عائلة فرد ) .
السلطة بجبروتها وتحكمها وتمركزها وانفصالها عن الجماهير كانت تمثل ضدا وندا ، غريما يأخذ وقد يعطي النزر اليسير ولإغراض سلطوية ، ومن هنا كانت الأموال أموال السلطة وليست أموال الدولة ، ومن هنا يمكن تفسير حالة السلب والنهب لمؤسسات السلطة بعد الاحتلال ( الحوا سم ) ، ما دامت الأموال أموال السلطة ، والسلطة حزب ، والحزب عشيرة ، والعشيرة عائلة ، والعائلة فرد ، والفرد غريم وغاصب ، اخذ كل شئ بقوة السلطة وحرم الجميع . هذا التماهي وان كان غير مفسر على مستوى الوعي الجماهيري والفردي ، فهو منغرس في ألاشعور الجمعي وبالتالي له سلطة التسيير العفوي للسلوك الجماهيري المدان قيميا والمبرر موضوعيا ونفسيا ، فكل حاجة منتزعة من رمز سلطوي وان كانت تمثل حاجة مادية على المستوى الشعوري والسطحي للحالة ، فإنها في عين الوقت تمثل تحدي لذلك الرمز السلطوي وثارا بالمفهوم البدوي على المستوى ألاشعوري للسلطة القاهرة، التي لم يكن في يوم من الأيام للجماهير القدرة على الوقوف بوجهها أو معارضتها بشكل علني ومباشر .
أحداث التاسع من نيسان بكل تجلياتها وإفرازاتها تعد لحظة مجنونة وانفصامية للوجدان العراقي لا يتحمل تبعاتها الأخلاقية والقيمية الضمير الشعبي العراقي ، وما نقصده أحداث الغضب والفرح في ازدواجية مشاعر قل نضيرها على المستوى العام وان كانت معروفة بشكل فردي كعرض فصامي للأفراد . الغضب من الاحتلال وجرح الكبرياء الوطني ، والفرح من زوال الرموز السلطوية ، وما زاد
من حدة الفصام وتأنيب الضمير الوطني أن الحلم من زوال الرمز السلطوي الذي برر السلوك الانتقامي منه بأشكال همجية قد صحا على كابوس تشظي ذلك الرمز إلى متسلطين أقزام .

وألان وبعد سنوات الاحتلال وما رافقها من تداعيات على كل المستويات تطرح إلى الواجهة دعوات بناء الدولة كمرتكز أساس للملمة الانفلات ، واعتبر البعض الدولة منقذا واقعيا للتردي العراقي يتجاوز المنقذ الميتافيزيقي بما يجسده الأمل من حالة استسلام أو كما عبر عنه البير كامو بالانتحار الميتافيزيقي .
والسؤال المطروح ألان هل وضعنا الحدود بين مفهوم الدولة والسلطة وبالتالي أصبحنا أمام رؤية حقيقية لما نحاول أن نبنيه ونعتبره منقذا ؟ أم إنا ما زلنا في ذات الإشكالية التاريخية التي تساوي بين الدولة والسلطة في استمرارية تاريخية لا تعرف التطور في أشكال الحكم .
الإجابة المباشرة إن البناء الذي شرع فيه على أنقاض انهيار السلطة السابقة لم يعرف التغير من الناحية الجوهرية فما زالت ذهنية النخب والذهنية الجمعية للجماهير تستدعي حضور السلطة ، وإذا كانت الجماهير معذورة في مسلكها الفكري التواصلي مع الأشكال القديمة كونها الفت التعامل مع السلطة ولم تعرف أو تمييز أو تضع حدودا بين مفهوم الدولة ومفهوم السلطة، أو لان جل ما حصدته من دعواتها وأمنياتها السابقة في تحطيم التابو والصنم ،أنها وجدت نفسها تتعامل مع تابوات وأصنام مستنسخة ومصغرة ومتشظية تملئ جسد الوطن ، إما النخبة غير معذورة وهي تمارس ذات الدور السلطوي التي كانت تنتقده وتصب جام غضبها عليه.
الديمقراطية التوافقية ( المحاصصة ) والفيدرالية العرقية والطائفية وزعماء الميليشيات وأمراء دويلات الأمر الواقع الإسلامية وزعماء العشائر والتناقضات الموجودة بينها والصراعات التي ولدتها كلها تشير إلى إن بناء الدولة ما زال يحاكي نمط السلطة ولم يخرج عنها .
أنا اتفق إن الدولة هي المنقذ ، غير إن تشريح الحالة العراقية وتعبير الأشكال السياسية الفاعلة فيه تشير إلى إن ما يتم بنائه ليست الدولة بل يسير باتجاه تأكيد السلطة وتوكيد إن ذهنية السلطة ما زالت هي الفاعلة والراسخة في الوعي الجمعي والنخبوي وهناك محاولات عدة لتقمص دور الزعيم الملهم من قبل قيادات حزبية او رؤساء وزراء حاولوا استحضار ذلك الأنموذج والتماهي معه وإبرازه من خلال بعض الإيحاءات الرمزية ، غير أن ذلك الإيحاء كان يصطدم بالصورة المضخمة والطاغية والمهيمنة لصدام حسين بوصفه رمزا سلطويا استفاد من الوسائل القمعية التي كانت تتيحها المرحلة السابقة بحمولاتها المحلية والدولية وطول الفترة الزمنية التي قضاها في هرم السلطة أتاحت له بناء زعامته من خلال تنشئة جيل كامل ومن خلال الإعلام الواحد المنعزل عن المؤثرات الإعلامية العابرة للحدود التي كسرها ألان عصر الفضائيات ، وفي قدرته على اختراع الإشاعة والنماذج المرعبة كما في شخصية أبو طبر أو في سلوكيات حرب الثمانية القمعية ، ومن غير شك إن حالة الخوف قد سهلت عملية التطويع الجماهيري ، وتلك الميزات غير متاحة ألان لأي من زعامات الأحزاب ما خلا من حالة فقدان الأمن وهو العنصر الرئيس في تشكيل الهويات الفرعية الطائفية واستنساخ زعامات سلطوية صغيرة وفي تحريك الخيال الجمعي الشعبي للحنين إلى رمز سلطوي طاغي أو أنموذج المستبد العادل الذي يعيد الأمور إلى حالة الاستقرار .

التجربة ( الديمقراطية ) العراقية لم تؤسس للدولة من خلال تبنيها نسق الديمقراطية التوافقية التي لا تتعامل مع الفرد كفرد ومواطن يتساوى مع المواطنين الآخرين بصرف النظر عن الانحدار العرقي والديني والطائفي ، بل تتعامل معه بوصفه جزء من بناء اجتماعي عرقي أو ديني أو طائفي ، والفرد خارج هذا المجال لا وجود له ، لا يمكن للدولة أن تتعامل معه ، والفرد ليس له رأي مستقل عن الجماعة ، وفي حالة الصراع الدموي بين رموز الطائفية السياسية يكون هدفا للتصفية فهو عدو حتى وان كان له رأي وموقف سياسي مغاير لجماعته الاجتماعية وقد توضحت تلك الحالة بكل تجلياتها السلبية في أنموذج الحرب اللبنانية وفي الحالة العراقية خصوصا بعد أحداث سامراء .
الديمقراطية التوافقية لها اشكالياتها التي تصب في تكسير اطر ومؤسسات الدولة ، وتهميش الفرد وخلق بؤر جذب واستقطاب طائفي وعرقي عمودي وخلق معازل على تلك الأسس، فهي دولة طوائف ، و تعزيز دور قيادات الطوائف في تأكيد لشخصنه السلطة المتشظية في خيار مناقض للسلطة المركزية من الناحية الشكلية مع الحفاظ على جوهرها الشخصي وبالتالي الابتعاد عن الشكل المؤسسي للدولة الحديثة