إسأل روحك !

حبيب فارس
2008 / 4 / 2

بيل موريسون، وزير دفاع أسترالي أسبق في حكومة غوف ويتلم العمّالية التي أقيلت بقرار تعسّفي من الحاكم العام جون كير(ممثل ملكة إنكلترا). المتعارف عليه في أستراليا، حتى من قبل الأوساط المحافظة، أنّ الأسباب غير المعلنة لإقالة حكومة ويتلم، كانت توجهاتها الإستقلالية عن العرش البريطاني والإتجاه نحو إقامة نظام جمهوري في الدولة / القارة، رفضها التبعيّة المطلقة لسياسات الولايات المتحدة الأميركيّة ونزوعها نحو عدم الإنحياز، علاقاتها الجيدة مع الدول الآسيوية المجاورة بما فيها الصين، تعاطفها (ولو الخجول) مع حركات التحرر الوطني بما فيها حركة التحرر الوطني الفلسطينية، وسلّة كبيرة من البرامج الإصلاحيّة الداخليّة ذات الطابع التقدمي على رأسها الإعتراف بالحقوق القوميّة للسكان الأصليين.

تميّز غوف ويتلم بشخصيّة قويّة وكاريزميّة محبوبة، وكان العديدون من عرب أستراليا يسمّونه "عبد الناصر أستراليا".

بعد فترة من إقالة حكومة ويتلم، تمّ تعيّين بيل موريسون سفيراً لإستراليا في أندونيسيا ومارس وظيفته هناك لسنوات عديدة. وعندما تقاعد من عمله الدبلوماسي أعلن ترشيحه لعضوية (لا رئاسة) بلدية ضاحيته في مدينة سيدني، وكان برنامجه الإنتخابي يتمحور حول تخفيف زحمة السير في الضاحية!

(شيء لا يصدّقه العقل العربي هه؟!). إذن خذوا المزيد:

قبل حوالي عشرين عاماً، هاجر صديق طفولة لي إلى أستراليا، بعد أن عايش ما فيه الكفاية من حروب لبنان وعليه. خلال أحد الأيام الأولى لهجرته، كان يجلس إلى جانبي في سيارتي وسط الضاحية التي نقيم فيها، وهي نفس ضاحية بيل موريسون. صديقي لم يكن يعرف عنه شيئاً ولا حتى سمع به من قبل، لكنني كإبن منطقته وكناشط سياسي كنت أعرفه حسباً ونسباً.

كانت سيارتي تنتمي لآوّل أجيال جيلها، ولآخر جيل يُسمح له باستخدام طرقات أستراليا (كي لا أقول العالم). كنت سعيداً جداً بتجديد دائرة المواصلات أوراق استعمالها لعام جديد. وبحكم وضعها التعيس جداً، خلقت لي هاجساً جعلني أستخدم عينيّ لوظيفتين مختلفتين، واحدة للسواقة والأخرى لمراقبة السيّارات العابرة والمتوقفة، علّني أجد سيّارة أبأس من سيارتي، أو على الأقل بنفس بؤسها، كي أفكّ مركّب النقص الذي خلقته لي.

يومها شاءت الأقدار أن يأتي الفرج الموعود. عند أحد معابر المارّة في الشارع الذي كنا نسلكه، أوقفتنا ثلّة من العابرين، أتاحت لي أن أدرس ملامح السيّارة التي توقفت في الجهة المعاكسة، وأكثر من ذلك ملامح سائقها، لأكتشف مرّة واحدة بأنّ سيّارتي ليست السيّارة الأتعس في أستراليا، بل ولست أنا الأقلّ أهمّية في القارة.

إحترت بين أمرين: هل أشفي غليل سيّارتي بالتركيز على جسم السيّارة الأخرى التي يبدو أن لونها الأصليّ كان أبيضاً قبل أن يترك الزمن بصماته المحزنة عليها، بما في ذلك استبدال أحد أبوابها بباب لونه أحمر، يبدو أنه ترك أحمراً لأنه ما زال يحتفظ ببعض بريق حمرته؟ أم أنني أشفي غليلي بالنظر إلى ذلك الجالس على مقعد القيادة "ومش فارقة معه العالم كلّه"؟!

إنّه هو نفسه، صاحب نفس تّسريحة الشعر الكثّ الفضّي الأملس الطويل ، إنّه نفس الشخصيّة الجذابة ذات العينين اللامعتين ذكاء، حنكة وتفاؤلاً ، إنّه وزير الدفاع والسفير الأسترالي الأسبق وعضو البلديّة الحالي المهتمّ بتخفيف ازدحام السير في ضاحيتنا الجميلة، إنّه بيل موريسون بلحمه وشحمه!

"ما طلع معي شي" غير ضحكة عالية جعلت صديقي يقفز من مقعده مرعوباً!

بإلحاح منه، أخبرته بعض ما أعرفه عن بيل موريسون. ما لم أخبره كان ما هو سبب ضحكتي الغريبة!

ربّما اعتقد فيما بعد أن أسباب هذه الضحكة الهستيريّة هي ذات الأسباب التي دعته ليطرح عليّ عشرات الأسئلة مثل:

- وزير سابق ويستقلّ مثل هذه السيّارة؟
- وزير سابق بلا "شوفير" خاص؟
- وزير سابق بلا مواكبة؟
- وزير سابق بلا لعلعة رصاص؟
- وزير سابق بلا زمامير؟
- وزير سابق ولم يتجمّع الفضوليون على الأرصفة؟
- وزير سابق ويتوقف للمارّة؟
- وزير سابق بلا "بعدو من الطريق يا إخوات الشـ..."؟
...
لم أخبر صديقي أنّ همّي الأوّل والأخير كان منصبّاً على إكتشافي المزدوج والمفرح:
سيّارة أقلّ أهمّية من سيّارتي ويقودها شخص (كان يوماً) أكثر أهمّيّة منّي!

فقط اكتفيت بإجابته: هل تتذكّر أغنية أم كلثوم "إسأل روحك"؟