كيانان.. ومرجعيتان.!

معتصم حمادة
2008 / 3 / 19

ليست هي المرة الأولى التي تتسرب فيها أنباء عن مفاوضات تجري خلف الستار بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي للبحث في قضايا ذات طابع «عملي»، تفتح الباب لخطوات سياسية لاحقة. من هذه القضايا «العملية» على سبيل المثال الاتفاق على تهدئة (أو هدنة) ضمنية، غير معلنة، لكن ملزمة للطرفين ضمن حدود معينة.
لكنها المرة الأولى التي تدور فيها المفاوضات الفلسطينية مع الإسرائيليين على مسارين، ولكل مسار مرجعيته الفلسطينية المنفصلة (بل والمتحاربة) عن الأولى.
@ هناك مسار بين السلطة الفلسطينية والإسرائيليين لبحث مصير المعابر، ومنها معبر رفح، بعد ما شهده في شهر كانون الثاني (يناير) الماضي.
@ وهناك مسار آخر بين حركة حماس في قطاع غزة، وبين الجانب الإسرائيلي للبحث في إمكانية الوصول إلى تهدئة على جبهة القطاع.
وفي المسارين، تلعب القاهرة، كما بات مؤكداً، دوراً وسيطاً فاعلاً ورئيسياً.
قضية المعابر إلى قطاع غزة، عبر حدوده مع مصر، ومع إسرائيل باتت وبلا شك قضية حياة أو موت للقطاع. فإذا كان لعمليات العدوان آثارها المفجعة التي تتناولها وسائل الإعلام بفجاجة مؤذية للمشاعر، فإن للحصار هو الآخر آثاره المفجعة التي يبقى معظمها مختفياً خلف الجدران السميكة للمنازل والبيوت المنكوبة. لكن التقارير تجمع على أن الحصار يفعل فعله في إنهاك الحالة الشعبية في القطاع، الأمر الذي أدى إلى تصاعد رهيب في نسبة البطالة، وزيادة مرعبة في نسبة الفقراء والجائعين، وتدهور مريع في الأوضاع الاقتصادية، تتمثل في إغلاق ورش العمل، وشل القطاع الزراعي، وتدهور حاد في قطاعي الصحة والتعليم، وهي كلها أمور يحتاج علاجها إلى فترات زمنية طويلة، لما تتركه من آثار مدمرة في بنى المجتمع الفلسطيني في القطاع. وإن كل محاولات العلاج ستبقى قاصرة، ودون المستوى وأقرب إلى الترقيع، إن لم يتم الإفراج عن المعابر، ويعاد فتحها، وبحيث تتحرر الحركة عليها، للأفراد، وللسيارات والشاحنات، دون قيود ودون عراقيل واشتراطات، تفرغ عمل المعابر ـ عملياً ـ من مضمونه. بحيث تبدو مفتوحة، لكنها ـ في الوقت نفسه ـ مشلولة لتعذر تلبية شروط العبور عليها.
ولقد جاء الانفجار الشعبي على معبر رفح في الشهر الأول من هذا العام، ليلفت نظر الجميع إلى خطورة ما يجري خلف أسوار القطاع، ويثير القضية على أوسع نطاق. وكان واضحاً أن إسرائيل استغلت لجوء حركة حماس إلى الحسم العسكري في القطاع، لتفرض عليه الحصار، بذريعة أنه بات كياناً معادياً تحكمه جهة موصوفة من قبل إسرائيل بالإرهاب. وكان واضحاً في السياق نفسه أن إسرائيل تستغل في موقفها هذا حالة الانقسام الفلسطيني لتمارس ضغوطها المختلفة على الحالة الشعبية الفلسطينية على أمل إنهاكها والدفع بها نحو اليأس. فإسرائيل تدرك أن الحصار المفروض على القطاع، هو حصار على الشعب وليس على حركة حماس. ومن هنا، كان لابد ـ فلسطينياً ـ لسحب البساط من تحت أقدام العدو الإسرائيلي، العودة إلى التفاهم لحل القضايا المصيرية، ومنها قضية المعابر. وإذا كان الطرفان (السلطة وحماس) لم ينضجا بعد، سياسياً للعودة إلى طاولة الحوار والمصالحة الوطنية، فإن الضرورات الوطنية تملي على الطرفين الفصل بين ملف الخلافات المستحكمة بينهما، وبين ملف المعابر، وبالتالي البحث عن حل للمعابر يخفف من وطأة الحصار على الناس المعدمين.
من الأصوات العاقلة التي ارتفعت في هذا السياق، دعوتنا إلى إعادة المعابر إلى الرئاسة الفلسطينية ـ أي إلى ما كانت عليه قبل انقلاب 14/6 /2007. ورأينا في هذه الخطوة فرصة لفك الحصارـ أو تخفيف وطأته أو كسر بعض حلقاته ـ وفرصة أخرى لفتح باب من أبواب التعاون بين السلطة من جهة وبين حماس من جهة أخرى تمهد لخطوات لاحقة، تدفع نحو إنهاء الانقسام.
ومن ضمن رؤيتنا أن يعاد فتح المعابر، وأن يكون حق العبور لكل الفلسطينيين دون تمييز، ودون اشتراطات، ودون امتيازات تمنح إسرائيل حق التدخل في شؤون المعابر، خاصة معبر رفح، الذي دعونا إلى تحويله إلى معبر فلسطيني ـ مصري، دون تدخل طرف ثالث على الإطلاق.
تصريحات الرئيس عباس في عمان ( 10/3/ 2007) تتحدث عن مشاورات وتحركات في هذا الاتجاه. لكن ما يقلق في هذه التصريحات أن عباس «مقتنع» بضرورة العودة إلى اتفاق المعابر مع إسرائيل (اتفاق 2005) رغم أن التجربة أثبتت أنه حافل بالثغرات، وأن فيه بنوداً أخرت كثيراً بالمصالح الفلسطينية. ونفترض أن على عباس أن يعيد النظر ببعض شروط العمل على معبر رفح ـ خاصة بما يخدم المصالح والتطلعات الفلسطينية ويلغي التدخل الإسرائيلي، هذا ما يخدم ـ لاحقاً ـ إمكانية الاستفادة من الانفراج على المعابر، لصالح الانفراج في العلاقات الفلسطينية الداخلية.
وإذا كان مشهد مباحثات عباس مع الجانب الإسرائيلي بشأن المعابر، مشهداً عادياً، فإن المشهد الجديد، في الحالة الفلسطينية هي المباحثات الدائرة خلف الستار بين حركة حماس والجانب الإسرائيلي بوساطة مصرية. هذه المباحثات انطلقت قبل العملية العدوانية الإسرائيلية الأخيرة، الشتاء الساخن ـ وعلى جدول أعمالها مجموعة من الملفات منها صفقة تبادل الأسرى ( جلعاد شاليت مقابل النواب الفلسطينيين الأعضاء في حماس ) وقف إطلاق النار، المعابر، إمداد القطاع بالوقود والمحروقات والكهرباء. وقف تهريب السلاح إلى القطاع ... ثم توقفت هذه المباحثات أثناء العملية الإسرائيلية. وفور أن أعلن جيش الاحتلال إنهاء ما سمي بالمرحلة الأولى من عمليته، حتى غادر القطاع إلى العرش وفد فلسطيني ضم ممثلين عن حماس ( د. محمود الزهار و د. سعيد صيام ) والجهاد ( محمد الهندي ) لبحث وقف إطلاق النار مع إسرائيل بوساطة مصرية. ورغم النفي من قبل حماس، والنفي من قبل أوساط إسرائيلية، إلا أن الوقائع تؤكد أن ثمة ما يدور خلف الستار. يستدل عليه من عدد من المؤشرات منها. وقف شبه تام لإطلاق الصواريخ الفلسطينية. توقف تام للأعمال العسكرية الإسرائيلية ضد القطاع. تصريحات لإسماعيل هنية تبدي حسن النية والاستعداد للوصول إلى اتفاق تهدئة. تصريحات لناطقين من حماس، ينفون وقوع التهدئة ولكنهم لا يرفضونها، ويرسمون في الوقت نفسه شروطها وأهدافها. تصريحات لناطقين باسم الجهاد تشترط استعادة الوحدة الداخلية للوصول إلى تهدئة شاملة مع الإسرائيليين. وأخيراً وليس آخراً تصريحات لقيادات في الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين تدعو لوضع التهدئة في سياقها السياسي حتى لا تكون مجرد اتفاق أمني محدود، أو ملزماً للجانب الفلسطيني دون غيره.
هذه المؤشرات، وغيرها كثير، تؤكد أن وراء الأكمة ما وراءها، وأن المباحثات قائمة على قدم وساق، وأن الجهود تبذل حثيثة للتوصل إلى وقف إطلاق النار. حتى الرئيس عباس نفسه، أوضح أن فريقه بدأ يستعد لاستئناف المفاوضات مع الجانب الإسرائيلي فور الوصول إلى توافق على التهدئة.
من الصحيح أنها ليست المرة الأولى التي يبحث فيها الجانبان الفلسطيني والإسرائيلي في شؤون التهدئة. لكن الصحيح أنها المرة الأولى التي تدور فيها المفاوضات بين إسرائيل، وبين طرف فلسطيني لا ينتمي إلى المؤسسة الرسمية بل يشكل حالة انقسامية عنها، وينافسها في تقديم نفسه إلى المعادلات السياسية باعتباره قوة أمر واقع لا يمكن تجاهلها.
وهكذا نكون أمام مشهد سياسي جديد، تفاوض فيه إسرائيل كيانين فلسطينيين، وليس كياناً واحداً. كيان مرجعيته في رام الله ممثلاً بالرئيس محمود عباس. وكيان آخر مرجعيته في غزة ومرجعيته حركة حماس. وهو أمر يهدد بمخاطر عدة، لا يمكن التغاضي عنها من بينها:
@ أنه يشجع على تكريس حالة الكيانين. إذ يوحي لمن هم في غزة بشكل أو بآخر، أنهم دخلوا المعادلة السياسية كطرف قائم بذاته، معترف به، مما يشجع هذا الطرف على المضي قدماً في سياسة الانقسام، وتعزيزه وتوسيع رقعته، مادام هذا الانقسام بات أمراً مقبولاً ومعترفاً به على الصعيد الإقليمي.
@ أنه يباعد بين غزة ورام الله، ويعزز من سياسة المناكفة، ويزيد من توتير الأجواء، وتسعير الحرب الإعلامية، مما يقطع الطريق على محاولات معالجة الانقسام ووضع حد له، والعودة بالحالة الفلسطينية إلى وحدتها الداخلية.
@ أنه يوفر الفرصة أمام الجانب الإسرائيلي للتلاعب بالمسارين معاً. خاصة إذا ما وقع هذان المساران في فخ الوهم أنه بقدر ما تقدم للجانب الإسرائيلي من تنازلات بقدر ما نعزز موقعنا في المعادلة السياسية، وبقدر، بالمقابل، ما نضعف موقع الطرف الآخر. إن مخاطر هذه اللعبة ليست خافية على أحد. وقد يدعي الطرفان أنهما متنبهان مسبقاًَ جيداً لمخاطر هذه اللعبة. لكن التجارب تؤكد أن الانزلاق نحو التفاصيل اليومية، يغطي على مخاطر اللعبة، ويشغل الطرفين عن هذه المخاطر ويدفع بهما، كأمر واقع إلى مستوى جديد من العلاقة، يصبح قيداًَ على كل منهما، يصعب التحلل منه.
@ أنه يجهض برنامج العمل الوطني الموحد، ويعطل مسيرة هذا البرنامج. ويخطئ من يعتقد أن الانقسام لن ينعكس على مجمل الحالة السياسية الفلسطينية، بمكوناتها كافة، كقوى سياسية وكبرامج، وكخطط عمل وكآليات للعلاقات داخلية، وكجغرافية سياسية تتحكم بآليات اتخاذ القرار وظروف اتخاذه. وبالتالي عندما يتوفر كيانان فلسطينيان، يحتكمان بالمعادلة الإقليمية، عبر المباحثات (المباشرة أو غير المباشرة) مع الجانب الإسرائيلي، يصبح البحث عن الشرعية الفلسطينية عملاً عبثياَ، خاصة حين يدعي كل طرف لنفسه الشرعية ويعمل على نزعها عن الآخر إن مفاعيل هذه القضية مرشحة لأن تطال الحالة الشعبية التي يجب ألا نتجاهل ردود فعلها على هذا الواقع المستجد، وما يمكن أن يحدثه رد الفعل هذا من تداعيات غير محسوبة.
لذلك نرى أن الاندفاع في البحث عن منافذ تعزز من حالة الانقسام، لكن تحت دعاوي وبموجب ذرائع مختلفة، لن يعود على الحالة الفلسطينية إلا بالضرر الشديد. ويجب التحلي بروح الحذر من مخاطر هذه الاندفاعات والانزلاقات وتداعياتها على الحالة الفلسطينية.
كذلك يفترض التحلي بروح الحذر من خطورة أن يشكل العدوان عامل ضغط على القرار السياسي، بحيث يصبح الوصول إلى التهدئة، وضمان حياة كبار المسؤولين مبرراً للانزلاق نحو التزامات لها مفاعيلها السلبية على المدى القريب، وكذلك على المدى البعيد.
خلاصة القول، لو لم يكن هذا الانقسام، لكان المشهد الفلسطيني مختلفاً. المطلوب قطع الطريق على كل المحاولات الهادفة إلى تحويل هذا الانقسام إلى وضع دائم، ففيه مخاطر لا تعد ولا تحصى. فهل من يسمع ومن يستجيب.