امريكا واستراتيجية ما بعد الفدرالية / العشائر وتشطير الفضاءات الطائفية

ياسين البكري
2008 / 3 / 12

بعد احتلال العراق بدأت الاستقطاب الطائفي يتشكل عبر ظواهر متناثرة ، وكانت الشعارات المؤكدة على وحدة السنة والشيعة والتي ظهرت في شوارع بغداد بعد أيام من الاحتلال تؤكد أن هناك خشية حقيقية ومحاولة لاحتواء الطائفية ، وفي جانب أخر قد تكون هذه الشعارات بداية لإبراز الطائفية ومحاولة للتمهيد لها خصوصا وان هذا التوجه وان كان غير أصيل في المجتمع العراقي ، إلا انه وجد تغذية بعد حرب الكويت وتداعياتها من قبل السلطة الحاكمة ومن قبل المعارضة ، وشهدت تصاعدا ابتداء من مجلس الحكم والمحاصة السياسية الاجتماعية التي تفرعت إلى كل مفاصل الدولة على شاكلة ذلك المجلس لتصل الحالة الطائفية إلى ذروتها بعد أحداث تفجيرات سامراء شباط 2006مع كل ما تختزن من شحنة عاطفية وغياب الوعي بفعل ألاشعور الجمعي والمخاوف التي سيرت السلوك السياسي والشعبي في حالات انتقام وانتقام مضاد ، وإعلام و إعلام مضاد ، ليتحول الانقسام إلى اقتتال طائفي مفتوح ومدعوم من أطراف خارجية بوصف العراق بعد الاحتلال أصبح ساحة لصراع تداخلت وتواجدت فيه كل العوامل الداخلية والإقليمية والدولية .

المشهد العراقي بعد ذلك أصبح تفكيكيا بامتياز خصوصا مع توالي وتصاعد حالة التهجير الطائفي ، لتشهد المحافظات ذات الأغلبية المذهبية حالة تطهير إزاء الأقلية دون أن تواجه كبير عناء ، غير إن الإشكالية كانت في المحافظات المختلطة والمتوازنة مثل ديالى ، ومع ذلك كان الصراع الحقيقي في العاصمة بغداد التي عرفت حالة انقسام طائفي في الأحياء السكنية ، وإذا كانت التقسيمات العامة تصبغ الرصافة بلون معين والكرخ بلون أخر ، فأن تلك الأقسام كانت تعرف أحياء من لون مغاير .

الاقتتال الطائفي كان المعلم الأبرز الذي يهدد الشعارات الأمريكية في العراق من قبيل الديمقراطية والأعمار أو ما يعرف بنواة الشرق الأوسط الكبير الذي طرح العراق كمقدمة او كأنموذج له سيدفع المنطقة إلى اللحاق به عبر نظرية الدومينو ،وكان يهدد مسؤولية الولايات المتحدة الأخلاقية والقانونية إزاء البلد المحتل ويضع مصداقيتها الدولية ومصداقية مشروعها على المحك ، وبالتالي قد تواجه وضعا من ناحية الهيمنة والنفوذ والانعكاسات النفسية والخسائر المادية أصعب من الوضع الذي واجهته في فيتنام ، لذا بات الاقتتال الطائفي حجر العثرة الأساس ولا يعني ذلك إن إستراتيجية التفتيت الطائفي لم تكن من متبنيات الاحتلال الأمريكي على قاعدة فرق تسد ولكن ربما إن إستراتيجية الفوضى البناءة قد بنت اذرعا منفلتة .
هذا من جانب ، ومن جانب أخر كانت الولايات المتحدة تواجه وضعا صعبا في الانبار من جراء هجمات الجماعات المسلحة السنية ذات الأيدلوجية الإسلامية أو المغلفة بغلاف إسلامي أو من تنظيم القاعدة ، ولم تفلح الولايات المتحدة في الحد من أعمال هذه الجماعات أو التفاوض معهم بحيث كانت معادلة الصراع معادلة صفرية لا تسمح بالحلول الوسط جراء اعتماد هذه الجماعات على الرؤية الإسلامية في الجهاد بوصفه فرض عين ، والروح الاستشهادية التي كانت تسير أتباع هذه الجماعات ، تلك الروح التي وجدت في العوامل الموضوعية للواقع العراقي والعربي والإسلامي من احباطات وقمع وهزيمة نفسية ووجدانية وسياسية وعوز اقتصادي وبطالة ، عوامل تغذي هذه الروح ، وبالتالي أصبحت المواجهة مع هذه الجماعات عملا استنزافيا للقوات الأمريكية خصوصا وان معايير الربح والخسارة مختلف بين الفريقين لذا غيرت الولايات المتحدة من إستراتيجيتها في التعامل مع هذه الجماعات الجهادية وانتقلت من المواجهة المباشرة التي لم تجد نفعا طوال سنين إلى محاولة إزاحة هذه الأيدلوجية .

إن العمل في الإطار الإسلامي في جانب الأحزاب المنخرطة في العملية السياسية أو في الجماعات المسلحة المقاومة أو الإرهابية كان قد خلق نسقا تجميعيا للقوى الدينية تجاوز النسق العشائري ، وفي عين الوقت أصبح الانقسام في العراق رأسيا على أساس الطائفة الدينية ، وهو ما جعل رجال الدين في رأس الهرم من حيث التأثير والهيمنة ، و كل ذلك غيب العنصر العشائري ورؤساء العشائر الذين وجدوا أنفسهم على الهامش دون أن يكون لهم القدرة على تغيير موازين القوى ما افقد العشائر سلطاتها وفعاليتها التقليدية لصالح القوى الدينية.

لقد انتقلت الإستراتيجية الأميركية في العراق من مرحلة تفجير النزاع الطائفي -أي وضع طائفة بعينها في مواجهة عنيفة مع طائفة أخرى- إلى مرحلة "تفجير النزاع داخل الطائفة" الواحدة من خلال اللعب على مفعول العشيرة وهذا الانتقال لا يمثل اختراعا في الوضع العراقي إنما إعادة اكتشاف لديناميات الانقسامية العشائرية ، تلك الدينامية التي طبقها الانكليز الذين توجهوا لكسب ود شيوخ العشائر وإعادة الهيبة لهم والاعتماد عليهم في إضعاف نفوذ الملك فيصل الأول .

شكلت محافظة الانبار نقطة البداية في تشكيل مجالس الصحوة ، والمعروف إن الانبار هي من المحافظات ذات الصبغة المذهبية الواحدة أي لم تشهد أعمال عنف طائفي ، غير إنها عرفت بالحاضنة للجماعات المسلحة ولتنظيم القاعدة وبهذه الصفة كانت هدفا أنموذجيا للقوات الأمريكية في تطبق الإستراتيجية الجديدة ، فالايديولجية الإسلامية كانت هي القائدة لتحريك الوضع هناك وتمثل الانبار فضاء عشائريا ممتدا وهي بهذه المواصفات تمثل أنموذجا يحمل النقيضين ، أي الإيديولوجية الإسلامية التجميعية والفضاء العشائري الانقسامي .
راهنت الولايات المتحدة على الانقسامية العشائرية في إزاحة الجماعات المسلحة الإسلامية من الانبار واستطاعت أن تحرك مفعول العشيرة التاريخي ( أنا وأخي على ابن عمي وأنا وابن عمي على الغريب )، واستطاعت أن تكسب مواقع مهمة لم تستطع أن تحققها القوات الأمريكية طوال سنوات .
إن تجربة الصحوة وباعترافات أمريكية تؤكد إنها انجح صفقة في حرب العراق واستطاعت أن تؤمن منطقة عدت منطقة قتل للقوات الأمريكية بامتياز ، ويكفي هنا للتدليل على هذه الحقيقة الرجوع إلى إحصائيات الخسائر الأمريكية التي كان أكثرها من هذه المنطقة .

إن تطبيق الانقسامية العشائرية لتفتيت البني الإسلامية التجميعية التي استخدمتها الجماعات المسلحة السنية أتت أكلها وهنا يطرح سؤال بشقين ، الأول ما مصير المناطق السنية التي طبقت بها الصحوات لمواجهة القاعدة ؟، والشق الثاني هل ستحاول الولايات المتحدة تعميم التجربة على المناطق الشيعية ؟.
الإجابة على الشق الأول وبالاعتماد على النظرية الانقسامية العشائرية تشير إن المستقبل القريب سوف يشهد صراعات داخل مؤسسة الصحوة بحيث تتشظى إلى كيانات اصغر وكل كيان يمثل عشيرة ، بعبارة أخرى إن مجلس صحوة الانبار المعتمد على قبيلة الدليم كعنوان أساس سوف ينقسم إلى مجالس على أساس العشائر والأفخاذ وهو مسار طبيعي في ديناميات العشائر من اجل امتلاك الهيمنة والنفوذ وعدم التنازل من قبل رؤساء العشائر والأفخاذ عن صلاحيات نفوذهم ، فإذا كانت مرحلة القتال مع القاعدة عنصر تجميع على أساس مقولة أنا وأخي وابن عمي بمواجهة الخطر الغريب ، فالمرحلة القادمة ستكون مسارا للتفتيت على نفس المقولة ولكن بغياب متغير( الغريب ) الذي يعد أصرة التجميع والتوحيد مما يؤدي إلى التشظي بغيابه ، فتنقلب المعادلة إلى أنا مع أخوتي ضد ابن عمي ونزولا في التقسيم إلى مرحلة أنا فوق الجميع ، ولا يفوتنا أن نذكر إن الأنا هنا أنا عشائري وليس أنا فردي فالسلطة لا تنحصر في شيخ العشيرة بل في كل فرد من إفرادها حسب منطوق النظرية الانقسامية ، ذلك يعني أن تكون لكل عشيرة أو فخذ منطقة نفوذ ومركز شرطة ، تلك الرؤية لا تتعارض مع المشروع الأمريكي السائر نحو التفتيت إلى كانتونات صغيرة يسهل قيادتها واللعب بها بمواجهة الحكومة المركزية وهي مرحلة تتجاوز مرحلة التفتيت على أساس فدرالي أو طائفي ، فإذا كانت مرحلة التفتيت على أساس طائفي قد خلقت حالة فوضى وانعدام الأمن وتحول الأمريكان فيها من محتل غير مرغوب به إلى عنصر مرغوب للحفاظ على التوازنات ، فان مرحلة الكانتونات العشائرية ستحقق الأمن مع بقاء الأمريكان على مكاسبهم كعنصر مرغوب للحفاظ على التوازنات ، وتلك النتيجة هي ما تسعى إليه أمريكا في محاولة تعميم التجربة إلى المناطق الشيعية ، غير إن المعضلة الأساسية التي ستواجه الأمريكان في مناطق الفرات الأوسط والجنوب إن تلك المناطق مستقطبة بشكل نفسي وتاريخي في مسالة المظلومية الشيعية باتجاه الطائفة ، وما يعزز تلك الحالة وجود المناسبات الدينية الكثيرة للشيعة التي تخلق انجذابا نفسيا وتماهي تؤكد حالة الوحدة الشيعية ظاهريا ، وهو ما تراهن عليه الأحزاب الشيعية وتوظفه بشكل جيد ، غير إن ذلك لا يمثل سوى البنية السطحية للعلاقة بين الأحزاب والتيارات الشيعية إذ إن الانقسام حالة بدأت تطفو على السطح وعلى اكثر من محور ، فهناك صراع على قيادة الشيعة ( الصراع العام )، المجلس الإسلامي والتيار الصدري ، وهو صراع له جذور عائلية ( عائلة الحكيم ، عائلة الصدر ) ، وهناك صراع الثروة ( المحلي ) وخصوصا في البصرة والمتمثل بالمجلس والصدري والفضيلة كعناوين أساسية فضلا عن عناوين اصغر ، وهناك صراع على مناطق المراقد المقدسة ( صراع النفوذ والثروة الدينية ) ، النجف ، كربلاء ، الكاظمية .
تلك المعطيات بالإضافة إلى اختلاف نمط العشيرة في الفرات الأوسط والجنوب عنه في المناطق الغربية ( في الأولى نمط العشيرة الزراعي ، وفي الثانية نمط العشيرة الرعوي ) قد يؤدي إلى فشل تعميم تجربة الصحوة إلى المناطق الشيعية ، إذ إنها لن تعطي نفس النتائج في المناطق السنية .