ملاحظات على هامش مجزرة

معتصم حمادة
2008 / 3 / 10

أعلنت الحكومة الإسرائيلية تعليق عمليتها العدوانية ضد قطاع غزة، بعدما أنهت ـ كما قال الناطقون باسمها ـ المرحلة الأولى منها، في إشارة إلى أن للعملية مرحلة ثانية، وربما ثالثة ورابعة.. وهذا يدخل بلا شك في باب حرب الأعصاب التي تشنها حكومة الاحتلال ضد الشعب الفلسطيني، جنباً إلى جنب مع الحرب الدموية التي تطال قطاع غزة، ومناطق مختلفة من الضفة الفلسطينية.
وفي إطار حرب الأعصاب أيضاً أعلنت حكومة الاحتلال، وفي ذروة عدوانها على القطاع، أن عملية ما سمي بـ «الشتاء الساخن» ليست هي العدوان الكبير الذي توعدت به القطاع منذ أكثر من أسبوعين.
إسرائيل إذن، تمارس العدوان على المناطق الفلسطينية، وفي الوقت نفسه تمهد لعدوان آخر، قادم، في سياسة باتت واضحة، أعلن عنها إيهود أولمرت مؤخراً عنوانها: الاستفادة من المفاوضات، لشن أوسع العمليات العدوانية ضد المقاومة الفلسطينية، ولتحقيق سلسلة من الأهداف المرسومة مسبقاً في جعبته وجعبة باراك.
من الواضح أن أولمرت، ومعه باراك، ورئيس هيئة أركانه غابي أشكنازي، يقدمون أنفسهم من خلال العدوان على غزة على أنهم يلتزمون بما جاء في التقرير «المقدس» للجنة فينوغراد، الذي وإن حفل بانتقاد الأداء الحكومي والعسكري في العدوان على لبنان، في تموز (يوليو) 2006، إلا أنه حمل في طياته دعوة مكشوفة للثأر لسمعة الجيش الإسرائيلي وهيبته وقوته الردعية. ومن الواضح أيضاً أن القيادتين السياسية والعسكرية الإسرائيلية استفادتا إلى حد كبير من الاختلال الواسع لميزان القوى والمقاومة الفلسطينية في غزة. تأتي الخطوة العسكرية الإسرائيلية، عملاً بنصائح فينوغراد، لتكمل خطوة اغتيال عماد مغنية، أحد القادة الأبرز في حزب الله ولعل الترحيب الغربي باغتيال الشهيد مغنية، والصمت العربي على الجريمة شكلا إشارة ذات معنى، شجعت القيادة الإسرائيلية على الدخول بخطوات ثابتة في معركة دموية ضد قطاع غزة، كان ضحيتها، بشكل نافر هذه المرة الأطفال والنساء من بين المدنيين.
ومما لاشك فيه أيضاً أن القيادة الإسرائيلية اختارت توقيتاً سياسياً، حسب الرزنامتين الفلسطينية والعربية شديد الحساسية. فالحالة السياسية الفلسطينية، منقسمة على نفسها، والحرب الإعلامية بين كل من فتح وحماس ناشطة على كل المحاور الورقية والالكترونية والإذاعية والفضائية، لا يحدها استدراك، ولا مراعاة لطبيعة المخاطر التي تحيط بالقضية. الخطير في الأمر أنه مع تصاعد العدوان الدموي على القطاع تصاعدت الحرب الإعلامية الفلسطينية ـ الفلسطينية، وكثر التراشق بالاتهامات، من التواطؤ إلى توفير الذرائع والمبررات، إلى الإدانة المعلنة لإطلاق الصواريخ، واعتبارها هي سبب العدوان ومسببه، والمطالبة بوقفها فوراً، الأمر الذي أعفى الإسرائيليين، بشكل أو بآخر، من أية مسؤولية، ووفر لهم أجواء سياسية خدمت مشروعهم الدموي وجرائمهم المفضوحة.
كذلك ساهم الانقسام العربي في توفير صمت مريب وموقف مثير للاستفزاز من العدوان. فرغم مضي أكثر من 48 ساعة على بدء العملية الدموية لم تكن قد ارتفعت الأصوات العربية الرسمية بعد. وكأن ثمة عوامل جديدة قد دخلت على معادلة العلاقات العربية ـ العربية، ومعادلة العلاقات العربية (والفلسطينية) الإسرائيلية، وهذا أمر يحتاج بلا شك إلى فحص من جديد، وإعادة دراسته بأدوات جديدة على ضوء السلوكيات العربية في أيام المجزرة. وهي سلوكيات فضحتها التظاهرات العربية التي انفجرت في أكثر من عاصمة، رفعت شعارات، وهتافات، نجحت، بعفويتها، في تصوير، ليس فقط حالة العجز العربي، بل وكذلك بعض التواطؤ العربي، والذي تصاعدت منه روائح المناكفات الإقليمية.
ومن يقرأ العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة جيداً يتبين له أن من أهدافه هو إخراج صواريخ المقاومة من المعادلة، وبالتالي تجريد المقاومة الفلسطينية من واحدة من أوراقها التي وضعتها على طاولة المفاوضات الأسبوع الماضي.
لقد أوهم الإسرائيليون العالم أن سلاح الصواريخ بيد الفلسطينيين قد تحول إلى خطر حقيقي وفعلي، لا يتهدد فقط الأهداف المحاذية للخط الأخضر، بل وكذلك العمق الإسرائيلي. كما حاولوا أن يوهموا العالم وكأن القطاع يكاد يتحول إلى جنوب لبناني آخر، وهي كلها أكاذيب واختلاقات، بهدف التغطية على جريمة الحصار المفروض على القطاع، وما يحمله إلى سكانه من تجويع ومعاناة وموت بالجملة. إذ تفيد التقارير أن الحياة في القطاع تحولت إلى جحيم في ظل الحصار القاتل. هذا أولاً، وبذلك نجح الإسرائيليون في إعادة رسم الصورة بحيث حولوا الفلسطيني المحاصر، إلى قاتل وخطر يتهدد إسرائيل، وحولوا الإسرائيلي، القائم بفرض الحصار، إلى ضحية، يستغيث من الخطر الفلسطيني الذي يتهدده.
وعندما أثارت إسرائيل قضية الصواريخ، في الإعلام، تقدمت المقاومة بعرض هدنة متبادلة، يتوقف فيها الفلسطينيون عن إطلاق الصواريخ، مقابل وقف العدوان الإسرائيلي وفك الحصار عن القطاع، وبدون أية مبالغة، يمكن القول إن العرض الفلسطيني شكل إغراء لبعض الأوساط الإسرائيلية. إلا أن حكومة أولمرت، المهزوزة، والباحثة عن بطولات وهمية تستعيد فيها بعضاً من شعبيتها المتدهورة، فضلت الحل الآخر، أي شن الحرب على القطاع، بذريعة القضاء على مصدر الصواريخ، الأمر الذي يتيح لها، إلى جانب إظهار عضلاتها على الملأ، شطب الصواريخ من إطار البحث، وإخراجها من المعادلة، والإبقاء على الحصار الإسرائيلي مفروضاً على القطاع.
للأسف الشديد، يمكن القول إن اللعبة انطلت على بعض الأطراف الفلسطينية، فانجرفت، بتأثير حالة الانقسام. إلى الدخول في لعبة الصواريخ، والنقاش الصاخب حول إطلاقها، ومدى فائدتها. الأمر الذي كشف مدى هشاشة الحالة الفلسطينية وافتقارها، في السياق، إلى استراتيجية سياسية متماسكة، تشتق منها مواقفها التكتيكية الصائبة، دون انقلابات أو اهتزازات أو تلونات بهلوانية، كما كشف مدى افتقار الحالة الفلسطينية إلى استراتيجية عسكرية، تجيد رسم الموقف القتالي اليومي، بالبراعة المطلوبة، وبما يخفف عن الناس وطأة العدوان، ويلحق بالعدو أوسع الخسائر، ويخفف من وتيرة التبجج في الإعلام. ففي الكثير من التبجج، والوعود التي لا يتم الوفاء بها، طعن في مصداقية المقاومة وقدرتها على الفعل. وما من أحد في الأساس، يطالب المقاومة في غزة بأكثر مما تستطيع أن تفعله.
في كل الأحوال يمكن القول، إذا كان الهدف من العدوان هو إيقاع خسائر كبيرة في صفوف الفلسطينيين، فإن الحقيقة تقول إنه فعل ذلك. لكن التجارب تقول بالمقابل إن هذا النزف على يد المجازر الإسرائيلية لم ينجح يوماً في كسر إرادة الشعب الفلسطيني (دون أن نكابر ونقول إن هذا النزف لا يؤلم.. بل هو مؤلم ومؤلم كثيراً لكن شتان بين التألم وبين الاستسلام).
أما إذا كان الهدف من العدوان هو ضرب سلاح الصواريخ وإخراج هذا السلاح من المعادلة، فالوقائع تقول إنه عدوان فاشل، لأن كل الأذرع العسكرية الفلسطينية بادرت وفور الإعلان عن تعليق العملية العسكرية، إلى إطلاق صواريخها مجدداً نحو الأهداف الإسرائيلية. بل إن معظم هذه الأذرع لم يتوقف، في ذروة العدوان، عن إطلاق صواريخه هذه.
وثمة من في إسرائيل، من بات يعتقد مقتنعاً بلا جدوى مثل هذه العمليات ضد الفلسطينيين. وبات مقتنعاً أن الحل لا يكون إلا سياسياً. ولعل إسحق رابين، رئيس وزراء إسرائيل الأسبق، كان هو السباق إلى اكتشاف هذه المعادلة حين اصطدم بالانتفاضة الأولى وخرج بمعادلته الجديدة: لا حل عسكرياً مع الفلسطينيين، داعياً إلى حل سياسي.
وفي السياق نفسه، نقول لا حل عسكرياً مع المقاومة، والحل يكون سياسياً.
يبقى أخيراً أن نستخلص الدرس مما جرى. ولعل المواطن الفلسطيني في قطاع غزةن وفي الضفة الفلسطينية، وفي القدس، وفي مخيمات الشتات، كان السباق إلى استخلاص الدرس: لا بد من استعادة الوحدة الداخلية. فالإسرائيلي هو المستفيد الأول والأخير من الانقسام. وقد أثبتت المعركة الأخيرة صحة ذلك. ولا نعتقد أن كل هذه المبادرات المقدمة إلى الطرفين، حماس، وفتح، لاستعادة الوحدة، لا تفي بالغرض المطلوب، كي يدفع كل من الطرفين ضريبة استعادة الوحدة هذه.
الدرس الثاني هو أن بعض المواقف الخرقاء التي صدرت عن دوائر محسوبة على الطرفين، فتح وحماس، ألحقت الأذى بالحالة الفلسطينية جمعاء، ولقد كان واضحاً هذا الانجرار الأعمى، وراء الغرائز والمواقف الموتورة، وقد صبت كلها في خدمة المعتدي، وغطت على جريمته.
الدرس الثالث: لقد كشف العدوان الإسرائيلي أن العملية التفاوضية الدائرة باتت تشكل عبئاً سياسياً على الحالة الفلسطينية. لقد شكلت منذ انطلاقتها، غطاء لرفع وتيرة القمع، عبر زيادة الحواجز في الضفة. ورفع وتيرة العدوان ضد المناطق الفلسطينية دون تمييز. وإذا كان العدوان على القطاع ذريعته الصواريخ، فأين هي صواريخ نابلس وجنين وغيرها، حتى يجتاحها الإسرائيلي ويقتل بعض أبنائها، ويلقي القبض على البعض الآخر؟ ونعتقد أن «تعليق» المفاوضات، احتجاجاً على العدوان الدموي على القطاع، يشكل فرصة أمام المفاوض الفلسطيني لإعادة النظر بأسس هذه العملية السياسية وآلياتها. لم يفتقد أولمرت إلى الفصاحة حين اعترف أن المفاوضات باتت تشكل له ظرفاً مناسباً لشن عملياته العدوانية ضد الفلسطينيين. والفارق كبير بين إدارة مفاوضات بهدف الوصول إلى حل وتسوية للصراع، وبين إدارة مفاوضات بهدف جعلها ستاراً وغطاءً لأعمال عدوانية من عمليات قتالية واعتقالات، ومصادرة أراض، وتوسيع الاستيطان.
كلمة أخيرة: نحن لا نعتقد أن الحالة الفلسطينية، في انقسامها وتشتتها، سوف تصل إلى خلاصات متفق عليها بشأن دروس المعركة الأخيرة ونتائجها. ولا بخصوص ما هو قادم. الأمر الذي يؤكد، مجدداً، وللمرة الألف أن الخطوة الملحة، لردع العدوان، وتضييق هامش المناورة أمام أصحابه، هي استعادة الوحدة.
ولعلنا ـ كما قلنا ـ لا نضيف شيئاً ـ إلى تلك الصرخة التي انطلقت من كل أنحاء فلسطين تدعو للوحدة، لتضمد جراح أطفال قطاع غزة .