نحو حل آخر لمعبر رفح

معتصم حمادة
2008 / 2 / 12

تفيد تجارب التاريخ ودروسه الغنية، ومنها تجارب التاريخ الفلسطيني والثورة الفلسطينية المعاصرة؛ أنه لا يكفي أن يمتلك شعب ما إرادة صلبة، واستعداداً للتضحية وقدرة على الصمود، ووضوحاً في الأهداف، حتى ينتصر على أعدائه، ويحقق أهدافه الوطنية. بل هو يحتاج إضافة إلى هذا كله، أن يمتلك قيادة واعية ترص صفوفه، وتوحدها، وترسم له أهدافه اليومية، وتكتيكاته عند المنعطفات، وتقود مسيرته نحو بر الأمان، بأقل الخسائر، وبأقصر وقت، حتى تجنبه الدموع والدماء والآلام والويلات.
وتفيد تجارب التاريخ ودروسه الغنية أن الثورات التي افتقرت إلى قيادات واعية، حكيمة، ومتوازنة، واقعية وثورية في آن، إما تحولت إلى انتحار جماعي، أو أصيبت بالهزيمة، أو توقفت عند منتصف الطريق، بعد أن تكبدت من الخسائر ما يفوق قدرة الشعب على التحمل.
مثل هذه المقدمة ضرورة لازمة في هذا الوقت بالذات، ونحن نتابع الوقائع اليومية للتحركات الفلسطينية ـ المصرية، لوضع حل لقضية معبر رفح، وتنظيم العبور عليه، في ظل الحصار الإسرائيلي المفروض على القطاع.
وقبل الولوج في تفاصيل قضية المعبر، من المفيد التنبه ـ واستيعاب الدرس الغني من وراء ذلك ـ أن الحالتين الفلسطينية والمصرية، عالقتان عند معبر رفح، تبحثان ـ أكثر من اللازم ـ عن حل لقضيته، في الوقت الذي يغوص فيه العدو الإسرائيلي حتى أذنيه، في الرمال المتحركة لتقرير فينوغراد. ولو كانت الحالة الفلسطينية معافاة، لا تعاني ما تعانيه الآن، من انقسامات، وخلافات حادة، وتضييع للاتجاهات الصحيحة، لأمكنها أن تحول قضية فينوغراد إلى مادة سياسية من الطراز الأول، تبتز بها العدو الإسرائيلي، وترهقه وتستنزفه وتفرض عليه تنازلات لصالح الموضوع الفلسطيني. لكن قضية فينوغراد طرحت في إسرائيل، في الوقت الذي تعيش فيه الحالة الفلسطينية أسوأ ظروفها، لذلك بدت عاجزة عن الإفادة من المأزق الإسرائيلي، وتحويله من مأزق للإسرائيليين إلى مكسب سياسي للحركة الوطنية الفلسطينية.
في العودة إلى معبر رفح. نلاحظ أن ما سمي بثورة الجياع، أو انتفاضة الجياع، التي استهدفت المعبر الحدودي مع الأراضي المصرية، تكاد تتحول إلى أزمة فلسطينية ـ فلسطينية جديدة، تضاف إلى باقي الأزمات التي تستنزف الجسد الفلسطيني، وأن تتحول، في الوقت نفسه، إلى أزمة فلسطينية ـ مصرية، تدفع بالحالة الفلسطينية نحو الصدام مع السياسة المصرية، على حساب الاشتباك مع السياسة الإسرائيلية بتجلياتها المختلفة.
فقد انطلق البعض مما جرى على المعبر، من تجاوز للحدود، والعبور إلى الأرض المصرية، ومن تفهم من الجانب المصري لهذه الخطوة، إلى التعامل مع الواقع المستجد، بسياسة غوغائية، تطلق التصريحات الرنانة على عواهنها، لا تقيم وزناً، لا للظرف الفلسطيني الدقيق، ولا لضرورة الحرص على صون العلاقة مع الشقيقة مصر: أولاً لأنها دولة عربية شقيقة، ثانياً لأنها جارة لفلسطين، وثالثاً لما تحتله من دور مميز في إسناد الوضع الفلسطيني (على الأقل في تطوعها لرعاية الحوار الفلسطيني والوصول بالحالة الفلسطينية إلى التوافقات الوطنية الضرورية).
مثل هذه السياسة الغوغائية، ساوت، في التوصيف وحدة النقد، ما بين الحالتين الإسرائيلية والمصرية. وهذه خطيئة قاتلة، لن تلحق الضرر بالجانب المصري، بقدر ما ستلحق الضرر ـ والضرر الشديد ـ بالجانب الفلسطيني. نحن لا ندعو إلى الصمت عن أخطاء الأشقاء العرب، إذا ما تطلب الأمر كشف هذه الأخطاء وانتقادها. لكننا بالمقابل نحذر من خطورة الانزلاق في خضم التفاصيل اليومية، بعيداً عن نقطة الانطلاق الصحيحة، لنكتشف أننا وقعنا في زاوية وحدّت، وفي الرؤية، بين الجانبين المصري والإسرائيلي. وعلى سبيل المثال، من الخطأ المساواة في المسؤولية عن الحصار الذي يعيشه القطاع، بين الجانبين الإسرائيلي والمصري. فالإسرائيلي هو القوة القائمة بالاحتلال، وهو العدو القومي والوطني، وهو المسؤول الأول والأخير عما يعانيه شعب فلسطين من ويلات (جوع، عطش، مرض، حصار، بطالة..الخ). وبالتالي لا يجوز الخلط بينه وبين الجانب المصري، إذا ما تباينت المواقف بين القاهرة وبين بعض الأطراف الفلسطينية.
انطلق البعض بسياسة غوغائية ضد القاهرة معتقداً أن ما حصل عند المعبر، في ظل تفهم مصري، ممكن أن يتكرر وأن تعود الفوضى إلى الأراضي المصرية، والسلطات المعنية تقف مكتوفة الأيدي، متفرجة؛ متجاهلاً في الوقت نفسه الرسائل الواضحة والصريحة التي وجهتها القاهرة إلى كل من رام الله (بشكل رسمي) وإلى غزة (في لقاءات وفد حماس مع المسؤولين الأمنيين في العاصمة المصرية) والتي حذرت فيها من خطورة تكرار ما جرى على المعبر، لأن مصر هذه المرة لن تقف مكتوفة الأيدي، لا حين يتجاوز الفلسطينيون الحدود بشكل فوضوي، ولا حين يعتدون على رجال الأمن المصريين. وحين دعت إلى تنظيم الحركة على المعبر، لما فيه خير الفلسطينيين (وبما يفك عنهم بعض أسوار الحصار) ولما فيه، وفي الوقت نفسه، مصلحة مصر.
إذا كانت السياسة الغوغائية، تشكل خطأ في التعامل مع المعبر، من موقع الاستقواء بقدرة الناس على تجاوزه، ولو أدى ذلك إلى صدام مع الشرطة المصرية، فمن الخطأ، بالمقابل، إعادة تنظيم المعبر، والعودة به إلى سابق عهده، قبل 14 حزيران (يونيو) 2007 (تاريخ انقلاب حماس) وكأن شيئاً لم يقع. إن التجربة أكدت، بالملموس، ضرورة رفض التعايش مع اتفاق 2005 الخاص بالمعابر (راجع نصه في مكان آخر) لأنه اتفاق ظالم وجائر، فيه لإسرائيل اليد العليا. هي صاحبة الكلمة النهائية في تشغيل المعابر وفي تعطيلها، أي أن إسرائيل بموجب هذا الاتفاق، ما تزال تحمل مفاتيح البوابات إلى القطاع، بقرار منها تغلق على الفلسطينيين، فيفرض عليهم الحصار، وبقرار منها أيضاً، تفتح البوابات، ويزول الحصار. لقد أثبتت التجارب أن على هذا الاتفاق المشؤوم أن يرحل وأن يتم تجاوزه لصالح صيغة جديدة، يتوافق عليها الفلسطينيون والمصريون والمجتمع الدولي.
وإذا كان البعض يستهزئ بالمجتمع الدولي، فمن الواجب عليه أن يتذكر جيداً كيف أقامت حركة حماس وزناً فائقاً للمجتمع الدولي حين فازت بالانتخابات التشريعية عام 2006، ووجدت نفسها تقف عند استحقاقات سياسية لا يمكن التصدي لها بالشعارات والخطابات والتصريحات الصحفية. فقامت قيادتها بجولة دولية وعربية، زارت فيها ـ على سبيل المثال ـ العاصمة الروسية موسكو، وأبدت خلال الزيارة استعدادها للتعامل مع اللجنة الرباعية ومع خارطة الطريق، إذا كان ذلك من شأنه أن يعفي الحالة الفلسطينية من الحصار، وأن يوفر لحكومة حماس شروط النجاح في أدائها لمهماتها.
إذن السياستان خاطئتان. لأن الأولى تتجاهل الوقائع والظروف والضرورات الموضوعية، ولأن الثانية تتجاهل المستجدات، والضرورات الوطنية. وعلى هاتين السياستين أن تجريا مراجعة جدية لما تحملانه من مواقف واقتراحات ودعوات.
جوهر القضية، كما يفهمها الناس، هو الحفاظ على المعبر مفتوحاً للجميع، لا يميز بين فلسطيني، وآخر، ولا يكون مصيدة للفلسطينيين بل معبراً من فلسطين وإليها. وجوهر القضية أن يتم التفاهم على تشغيل هذا المعبر مع الجانب المصري. فالمصريون، إلى جانب كونهم أشقاء، هم أيضاً شركاء، ولهم سيادتهم على أرضهم. صحيح أن للشعب الفلسطيني حقاً على إخوانه المصريين، لكن هذا الحق لا يتجاوز حدود المصالح المصرية كما ترسمها مصر لنفسها. وبالتالي يجب أن تتلاقى المصلحتان الفلسطينية مع المصرية، وإن أية محاولة للاصطياد في الماء العكر، والبحث عن عناصر ـ أو افتعال عناصر ـ تفتعل الصدام بين هاتين المصلحتين هي اعتداء سافر على المصلحة الوطنية الفلسطينية كما على المصلحة الوطنية المصرية. ويخطئ من يحاول أن يستغل قضية معبر رفح، ليبحث لنفسه عن موقع في المعادلة الجديدة على المعبر، حتى ولو أدى ذلك إلى تعطيل كل المعادلات وإجهاضها. فالمصلحة الوطنية أولاً. وبالتالي على الذين بدأوا بإطلاق تصريحاتهم النارية يهددون بها الجانب المصري أن يوقفوا تصريحاتهم. والذين يحاولون عبر رفح أن يصفوا حسابات قديمة مع الجانب المصري، إنما يحاولون ذلك على حساب المصلحة الفلسطينية. فلا داعي إذن لتحويل معبر رفح إلى قضية متفجرة مع الجانب المصري، تجذب كل الاهتمام بعيداً عن الخطر الإسرائيلي. العدو مازال هو الاحتلال. ونحو الاحتلال يجب أن تتوجه كل السهام، وليس نحو طرف آخر. ونعتقد أن العقل السياسي الفلسطيني، بالتعاون مع العقل السياسي المصري، قادر على اجتراح نظام جديد لمعبر رفح، بحيث يبقى منفذاً بين مصر والقطاع، وبحيث يسحب البساط من تحت أقدام إسرائيل.
مثل هذا الأمر، كما قلنا، يحتاج إلى قيادة حكيمة، واعية، متوازنة، واقعية وثورية في آن.