اليسار العراقي ومهمة إيقاظ الوعي المغيب واستعادة الثقة

ياسين البكري
2008 / 1 / 31

توحيد قوى اليسار من اجل إنقاذ العراق من محنته المزمنة ، حديث تتداو له الأقلام والأفواه هذه الأيام بين مؤيد ومعارض ومشكك ومتحفظ ، وقد يكون للكثيرين دوافعهم في مواقفهم تلك ، وأكثر ما يخيف في ذلك أن يذهب صوت التوحد ولا يبقى منه إلا صدى يغيب شيئا فشيئا في لجة اختلاف قوى اليسار وانقسامها على نفسها ، وقد لا يكون الاختلاف خطيرا في حد ذاته إلا إذا صعدت تلك القوى من وعد التوحد لدرجة أن يكون في خانة المثالية الحالمة وتطالب تلك القوى نفسها أن تغض النظر عن مواطن الاختلاف والخلاف في ما بينها وان تسعى إلى وحدة اندماجية تذكرنا بوحدات العرب المتسرعة ، وتنسى المتطلبات الموضوعية للعمل المشترك ، وهنا قد يكون التحالف أكثر موضوعية من التوحد .
تقويم الذات وتقويم المرحلة والقوى الفاعلة فيها من أهم شروط نجاح مسعى قوى اليسار في التغير المرجو للعراق ، أما الركون إلى الشعارات الكبرى قد لا يجدي نفعا إلا الملامة والحسرة .
الوقت الراهن في العراق بكل سلبياته قد يكون الفرصة الملائمة لإحداث تغير حقيقي وديمقراطي وبأدوات ديمقراطية ، فالمتابع لأحداث السنين العجاف السابقة وما أفرزته القوى المسيطرة على مسيرة الأحداث من بؤس شمولي لكل مفاصل الحراك في الجسد العراقي ، سياسي واقتصادي وامني واجتماعي قد عكس وعي شعبي برفض معظم أشكال الخطاب السائد والسلوكيات المنحرفة التي رافقت الولادة القيصرية لواقع عراقي جديد ومنقطع عن جذور و حقائق التاريخ والجغرافيا والوعي السائد في شكل ومضمون الشخصية العراقية ، غير إن هذا الوعي يبقى جنينيا وقاصرا عن رؤية الحقائق ومسارات الخلاص في لجة وتسارع الأحداث الصادمة والمشوشة وفي ديموغوجية سيادة الخطاب الديني الحامل لوعد مضلل والمستقطب على أساس طائفي مستفيدا من حالة الخوف وانعدام الأمان لتكون الطائفة هي الملجأ وأمراء الطائفة هم الأسياد والمستفيدون من حالة ألا استقرار .
مهمة قوى اليسار في الوقت الراهن ، أن تعمل على تعميق هذا الوعي الرافض لأشكال المحاصة والتصنيف على أساس الطائفة أو العرق، وللوصول إلى هذا الهدف لا بد أن تتخلى تلك القوى أو بعض منها عن الانبطاح والتملق للقوى الماسكة بزمام السلطة والمال والمناصب وان تشذب نفسها من أدران الالتصاق والتماهي والرقص على إيقاعات وطبول الآخرين ، وان تظهر نفسها بشكلها الناصع علها تستعيد ثقة القواعد بها ، وهي مهمة ليست بالسهلة بعد أن ضاعت الكثير من خصائص ومميزات قوى اليسار باختلاطها وتشاركها بوعي مغيب أو سعي وراء ومكاسب شخصية ومؤقتة في حفلة بريمر المحاصصية وحساب جزء من اليسار على الطائفة .
إذن ، وقبل الشروع في طرح شعار توحيد قوى اليسار لا بد من وقفة لاستعادة ذاكرة الأخطاء في سني الاحتلال وتحقيق كينونة متمايزة تفصل هذه القوى عن نقائضها الفكرية والسياسية لتسهيل وضوح الرؤيا على قواعدها وفرز مواقعها أمام الجماهير ، وبدون هذا الفرز لن تكون هناك ثقة وبالتالي يفقد مشروع التوحيد عالي السقف مصداقيته ، فلا بد من تحليل للواقع ونقده بالأدوات الفكرية والعلمية لهذه القوى وبصوت واضح ومسموع دون استعارات خجلة ووجلة ومتحفظة ومجازات وتورية بحجة الرؤية الواقعية لموازين القوى وهي خطايا قامت بها بعض قوى اليسار فضاعت هويتها أو تلونت بألوان نقيضاتها ، فاستعادة الذات وإبرازها أولوية ومهمة مستعجلة لقوى اليسار وقبل أن تطرح هذه القوى نفسها فرس الرهان القادم للإنقاذ لا بد أن توضح نفسها للمراهنين وتقوض وعيهم الذي غيبته قوى الاحتلال وتضيق الرؤيا بحدود مصالح الطائفة والعرق بفعل المحاصة وخمول وووو ...قوى اليسار نفسها وان تعمل تلك القوى على مشروع تحالف لبرنامج وطني دون الدخول في طوباوية التوحد.