من أجل خلاص غزة

معتصم حمادة
2008 / 1 / 27

مرة أخرى عاد قطاع غزة إلى واجهة الأحداث اليومية على يد ممارسات سلطات الاحتلال ,سياساته العدوانية، والتي وصفت من قبل الجهات المختصة بأنها ترتقي إلى مستوى جرائم الحرب.
@ فالعمليات العسكرية ضد فصائل المقاومة، وضد الأهالي العزل تصاعدت بشكل ملحوظ في ظل تزايد التصريحات ـ دون أي خجل ـ عن خطط جديدة يتم التحضير لتنفيذها في هذا السياق، وبما يحصد المزيد من الأرواح.
@ والحصار يشتد حول خناق القطاع، عبر إغلاق المعابر، ومنع وصول المواد الغذائية والأدوية والمحروقات والوقود، بكل ما لذلك من انعكاسات مأساوية ومدمرة على مجمل الحياة اليومية.
@ والفوضى السياسية تدب في صفوف الفلسطينيين، في ظل قرقعة وضجيج عاليين عن إرادة الصمود، دون أن تتبين خطة الصمود هذه، بل يطل برأسه، وبقوة، الانقسام وتداعياته السلبية على مجمل الحالة السياسية.
فما العمل في ظل هذه الصورة؟!
@ أولاً: لا بد من الاعتراف أن الوقائع اليومية التي يشهدها القطاع تدلل على أنه لم يزل تحت الاحتلال. وأن ما جرى في الفصل الأخير من العام 2005 لم يتعد، في حقيقته، إعادة انتشار لجيش الاحتلال من داخل القطاع إلى خارجه، فالمعابر مازالت تحت قبضة الجيش الإسرائيلي، وكذلك المياه الإقليمية للقطاع، وأجواcه، بل إن كل بيت، وكل سيارة، وكل إنسان، مازال هدفاً من أهداف الاحتلال، يطاله بآلة القتل والتدمير، في ادعاء فارغ عن الدفاع عن النفس. وبالتالي، فإن الخلاصة هذه، التي تؤكد أن القطاع مازال تحت الاحتلال، ليست مجرد رغبة في المساجلة والنقاش، ودحض أفكار مغايرة، بل هي دعوة إلى العمل بموجب هذه الخلاصة. فأن يدار القطاع باعتباره منطقة محررة، لا تطالها يد الاحتلال، أمر، وأن يدار باعتباره مازال تحت الاحتلال، يخضع ـ رغماً عن إرادته ـ لإجراءاته، من حصار وقتل وتدمير، أمر آخر. وبالتالي فإن على القوى السياسية التي مازالت تتصرف على أن القطاع بات محرراً (بكل ما في الكلمة من معنى) أن تعيد النظر بخطط عملها، وأن تنزل عن الشجرة إلى عالم الواقع، وأن تتصرف بما يمليه عليها هذا الواقع. فالقطاع، برجاله ونسائه، وأطفاله وعجائزه ومرضاه هو الذي يدفع ثمن السياسات الخاطئة.
@ ثانياً: يدعي الاحتلال أن ممارساته العدوانية، من أعمال عسكرية وإجراءات حصار وتضييق، بما في ذلك قطع التيار الكهربائي (وربما المياه لاحقاً) إنما هي رد على إطلاق الصواريخ الفلسطينية على الأهداف الإسرائيلية المجاورة للقطاع. ولابد من الاعتراف أن الإسرائيليين نجحوا، إلى حد كبير، في إقناع صف واسع من الرأي العام بصدق ادعائهم، كما شكل هذا الادعاء ذريعة للسياسة الأميركية لإجهاض التحرك العربي في مجلس الأمن الدولي. كما يفترض أن نلفت النظر إلى أن الناطقين بلسان السلطة الفلسطينية انجروا هم أيضاً إلى هذا «الفخ» السياسي حين ساووا في تصريحاتهم بين إدانة العدوان الإسرائيلي، وانتقاد إطلاق الصواريخ الفلسطينية: متجاهلين (أولاً) أن القطاع ما زال تحت الاحتلال وأن من حقه، والحال هكذا، أن يدافع عن نفسه، وأن الصواريخ هي شكل من أشكال المقاومة والدفاع عن النفس. ومتجاهلين (ثانياً) أن الصواريخ ما كان لها أن تنطلق إلا رداً على الممارسات العدوانية لسلطات الاحتلال. إذ لا يمكن أن يطلب إلى أهل غزة وإلى مقاومتها، الوقوف مكتوفي الأيدي، وهم يتعرضون للتجويع والإذلال، ولقصف المدافع والمروحيات والطائرات الحربية الإسرائيلية.
أما إذا تبين للمقاومة، بكل فصائلها، أن الدور التكتيكي للصواريخ، يجب أن يعاد النظر فيه (نقول الدور التكتيكي ولا نقول الحق في المقاومة بما في ذلك إطلاق الصواريخ) فالمقاومة هي صاحبة الحق، بالتشاور مع الجهات المعنية، في اتخاذ القرار التكتيكي الذي تراه مناسباً. وهذا يقودنا بالضرورة إلى إعادة إثارة الحاجة الماسة إلى غرفة عمليات تتوحد المقاومة الفلسطينية تحت سقفها، فيها، وعبرها، ترسم قراراتها وتوجهاتها، وسلوكياتها التكتيكية اليومية. فالفوضى العسكرية، لا يمكن إلا أن تعود بالخسارة الصافية على الفلسطينيين. خسارة سياسية من جهة، لعدم انسجام العمل المقاوم مع التكتيك السياسي، وخسارة في الأرواح والمعدات والأملاك، لغياب الخطط الموحدة، التي تقوي ذراع المقاومة، وتجعلها أكثر صلابة، وأكثر قدرة على إلحاق الضرر والخسائر بالطرف الآخر.
@ ثالثاً: زاد من مأساة الوضع في القطاع، حالة الانقسام في الوضع الفلسطيني. ولقد ذهب البعض في صب الزيت على نار الانقسام، وصولاً إلى تزييف الحالة الفلسطينية، بحيث بدا المشهد الفلسطيني مقسماً إلى مشهدين: الأول هو القطاع المحاصر، المتوجع والمتألم، والثاني هو بقية المشهد الفلسطيني حيث اللامبالاة لدى رام الله والشتات. علماً أن الحصار والعدوان في القطاع طال الجميع دون تمييز (وليس كما يحاول البعض أن يدعي أنه طال فئة دون غيرها)، وعلماً أن الجميع تحرك لرفع الضيم عن القطاع، وتخفيف الضغط عنه، وصولاً إلى تحريره من الحصار. في هذا السياق جاء اقتراح الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين في كلمتها في المجلس المركزي في دورته الأخيرة (13ـ 14/1/2008) حين دعت إلى تسليم المعابر إلى الرئيس الفلسطيني محمود عباس، على أن يعين هو الجهة التي تتولى إدارة هذه المعابر. أهمية هذا الاقتراح، أنه يسحب الذريعة والبساط من بين يدي وتحت أقدام سلطات الاحتلال، بحيث تفتح المعابر، ويرفع الحصار عن القطاع ويسترد الناس أنفاسهم. وتبدو أهمية هذا الاقتراح أنه يلعب دوراً في تنفيس الأجواء المحتقنة (ولو جزئياً) في الحالة الفلسطينية ويمهد لخطوات أخرى، نحو استعادة الشرعية لمواقعها ودورها في قطاع غزة، ووضع حد لنتائج الانقلاب والحسم العسكري، وفتح الباب أمام الحوار الوطني لمعالجة مجمل الحالة الفلسطينية، وترميمها عبر خطوات مختلفة، من بينها إعادة بناء الأجهزة الأمنية، وتشكيل حكومة انتقالية تعيد توحيد المؤسسات، وتحضر لانتخابات رئاسية وتشريعية جديدة.
@ رابعاً: لعب الانقسام دوراً رئيسياً في إضعاف الحالة الفلسطينية في مجابهة العدوان على القطاع (وكذلك على الضفة الفلسطينية) وليس خافياً على أحد تلك المحاولات المفضوحة من قبل تل أبيب، وواشنطن، لاستغلال حالة الانقسام هذه؛ عبر الادعاء أن العدوان يطال أطرافاً متمردة على الشرعية الفلسطينية، ومنشقة عنها. وواضح تماماً أن مثل هذه الادعاءات ما هي إلا محاولات خبيثة للعبث بالوضع الداخلي الفلسطيني، واستغلال حالة الانقسام فيه إلى أبعد مدى، ليس حباً بالشرعية الفلسطينية ولا دفاعاً عنها، بل بهدف إضعاف المقاومة في القطاع، وإضعاف الشرعية الفلسطينية في رام الله، وبحيث يقطف الجانب الإسرائيلي ثمرة هذا كله إلى طاولة المفاوضات من خلال ابتزاز المفاوض الفلسطيني، بمطالبته بالالتزام بالمرحلة الأولى من خطة خارطة الطريق التي تلزم الجانب الفلسطيني بوضع حد «للإرهاب» بما في ذلك «وضع حد للكيان الإرهابي في القطاع» على حد تعبير الجانب الإسرائيلي. إن إغلاق الباب أمام تل أبيب، لتتوقف عن العبث بالحالة الفلسطينية، ولتتوقف عن استغلال حالة الانقسام، يكون بوضع حد لهذا الانقسام. وهذا يفترض بالجانبين، السلطة من جهة، وحماس من جهة أخرى، الاستجابة للمبادرات الوطنية المطروحة في هذا السياق، وفي مقدمها، المبادرة المشتركة للجبهتين الديمقراطية والشعبية، والتي تبنتها «الحملة الشعبية لوضع حد للانقسام واستعادة الوحدة الوطنية» التي تقرر أن تنطلق من داخل القطاع المنكوب نفسه.
@ خامساً: تبقى النقطة الأهم في هذا كله، ألا وهي السؤال عن الاستراتيجية الفلسطينية. هل هناك استراتيجية تفاوضية، تسير جنباً إلى جنب مع استراتيجية المقاومة، بالمعنى العريض والواسع للمقاومة (مقاومة الاحتلال ـ مقاومة الاستيطان ـ المقاومة الشعبية ـ مقاومة الحصار ..الخ), لقد توقف المجلس المركزي في جولته الأخيرة أمام هذه المسألة، لكن يتضح من خلال التقارير المتوفرة ومن خلال المواقف والتصريحات المختلفة؟ أنه يصعب على المراقب المحايد أن يقرأ ملامح استراتيجية فلسطينية واضحة المعالم. هناك مفاوضات، بدأت تدخل في مرحلة من العبثية السياسية. هناك تواصل وتوسع في الاستيطان وهناك عدوان بربري على قطاع غزة، وهناك حفلات صيد للفلسطينيين يمارسها جنود الاحتلال في مدن الضفة الفلسطينية وفي شوارع قطاع غزة. ما هي هذه المفاوضات التي تسير جنباً إلى جنب مع تصاعد العمليات العدوانية في الميادين المختلفة. هذا السؤال، وغيره، يعيدنا إلى الموضوع نفسه: إنهاء حالة الانقسام، استعادة، الوحدة الداخلية، إعادة بناء المؤسسات على أسس ديمقراطية، إصلاح هذه المؤسسات، وتفعيل دورها، ورسم استراتيجية كفاحية فلسطينية للمقاومة، وللمفاوضات، للصمود، وللدبلوماسية. للإعلام وللعلاقات العامة. وبالتالي يمكن القول: من الصحيح أن ما يعيشه قطاع غزة (والضفة الفلسطينية) هو نتاج لسياسة إسرائيلية عدوانية مكشوفة ومعروفة. لكن الصحيح أيضاً أن الانقسام، وأن الضعف والفوضى في الحالة الفلسطينية، كلها عوامل وفرت للعدو الإسرائيلي فرصة إضافية لتكون ضرباته أكثر إيلاماً، وليتملص، في الوقت نفسه، من محاكمة عادلة (عادلة في حق الفلسطينيين) ينصبها له الرأي العام الإنساني.

بقلم معتصم حمادة / رئيس تحرير مجلة الحرية