ما لنا ولهذه المفاوضات

معتصم حمادة
2008 / 1 / 22

انتهت زيارة الرئيس الأميركي جورج بوش إلى المنطقة، وجلس الطرفان الفلسطيني والإسرائيلي إلى طاولة مفاوضات الحل الدائم، في ظل أجواء سياسية ملبدة بغيوم التشاؤم.
فتصريحات بوش، كما قرأها واستمع إليها الجميع، نسفت قرارات الشرعية الدولية كمرجع للمفاوضات, وحاولت أن تحل محلها رسالته المشهورة إلى شارون في 14/4/2004.
والتصريحات الإسرائيلية أخذت تفصح هي الأخرى، ليس فقط عن النوايا المعروفة، مسبقاً لدينا، بل وتتراجع أيضاً عن مواقف (لفظية بالتأكيد) حاولت أن توحي من خلالها وكأننا بتنا على أبواب الحل الدائم.
والعدوان الدموي على قطاع غزة وعلى الضفة الفلسطينية يتصاعد يوماً بعد يوم. وتزدحم شوارع مدن الضفة والقطاع ومخيماتها بجنازات الشهداء، ضحايا العدوان الإسرائيلي.
أما الاستيطان، فما زال نشطاً على قدم وساق، ما من إشارة إسرائيلية تنبئ أن أولمرت عازم على خطوة > في هذا الاتجاه.
فلم هذه المفاوضات إذن؟!
@ الفريق المفاوض الذي راهن، في الضفة الفلسطينية على موقف ضاغط لبوش، يدفع باتجاه تعجيل المفاوضات وتسريعها وإعادتها إلى مسارها الذي يمكن أن يخدم المصلحة الفلسطينية.. هذا الفريق تلقى على يد تصريحات بوش حماماً بارداً (في ظل مناخات يلفها الصقيع وتدنت فيها الحرارة إلى ما دون الصفر) فإلى جانب موقفه الفاقع في فندق الملك داود، والذي نسف فيه الحقوق الوطنية الفلسطينية، ونسف المرجعية الدولية بقراراته ذات الصلة، أوضح بوش بدون أي لبس أنه لن يضغط على إسرائيل( ورغم أنه تعهد أيضاً بألا يضغط على الجانب الفلسطيني إلا أن بقاء الجانب الفلسطيني أسير المساعدات الخارجية، وأسير التهديدات بفرض حصار عليه كالحصار الذي فرض على الرئيس الراحل ياسر عرفات إن هو خرج عن السياق العام الذي يرضي الولايات المتحدة... كل هذا يشكل عوامل ضغط قاسية على المفاوض الفلسطيني).. بدوره طمأن وزير الدفاع الإسرائيلي الأسبق موشيه أرينز حكومة بلاده بأن الولايات المتحدة لم تضغط يوماً ما على الإسرائيليين يم ليغيروا مواقفهم السياسية (هآرتس ـ 15/1/2008).
وواضح أن القضية الأهم التي تباحث بها بوش مع أولمرت هي قضية الملف النووي. وهذا يعني، باختصار، أنه عندما لا يضغط الجانب الأميركي على أولمرت، وعندما ينسف الجانب الأميركي قرارات الشرعية الدولية، فإن الزيارة تشكل في مضمونها دعماً لإسرائيل وحدها، لا للعملية التفاوضية. دعماً لإسرائيل لأن بوش حاول بتصريحاته، أن يرسم النتائج النهائية التي يفترض أن تصل إليها مفاوضات الحل الدائم. دعماً لإسرائيل لأن بوش بتصريحاته وفر لإسرائيل غطاء سياسياً لكل تصرفاتها التي تفترض أنها ستقودها إلى النتائج النهائية لمفاوضات الحل الدائم، كما رسمها لها بوش في بيانه الشهير. وعندما تصبح المفاوضات، أسيرة هذا كله، تصبح شكلاً من أشكال العبث، وإضاعة الوقت. الأمر الذي يعني بالمقابل أن على الجانب الفلسطيني أن يتوقف ليجري مراجعة شجاعة، جريئة، شفافة تجيب على السؤال الاستراتيجي: ما العمل في مواجهة الانحياز الأميركي والتعنت الإسرائيلي؟ وما هي فائدة مثل هذه المفاوضات في ظل المناخ السياسي الذي رسمه بوش، وفي ظل التعنت الإسرائيلي؟ وكيف يمكن للحالة الفلسطينية أن تسكر هذا المناخ، وأن تكسر هذا التعنت؟
@ الجانب الإسرائيلي بدوره يواصل سياسته إياها يفاوض، في سلوك هو أقرب إلى المراوغة وكسب الوقت ليس إلا في الوقت نفسه يواصل ابتلاع الأرض لتوسيع الاستيطان، واستكمال تشييد جدار الفصل العنصري. كذلك يواصل عملياته العدوانية مرتكباً المجزرة تلو المجزرة، وكأن المجازر باتت مشهداً فلسطينياً عادياً لا يثير مشاعر المجتمع الدولي ولا حفيظته. ويضيف إلى هذا كله تأكيده أن المفاوضات لن تصل إلى خواتيمها في نهاية العام 2008، دون أن يحدد سقفاً زمنياً جديداً، مبشراً ـ هكذا ـ بأنها مفاوضات مفتوحة، وكأنها <<مفاوضات لأجل المفاوضات>>. وتؤشر الأوضاع الحكومية الإسرائيلية أن أولمرت مقبل على المزيد من التعنت، في مواجهة سياسة المزايدات التي يمارسها ضده حلفاؤه في الحكومة. وقد بات الأمر مؤكداً، خاصة بعد خروج أفيغدور ليبرمان (وزير الشؤون الإستراتيجية ورئيس حزب إسرائيل بيتنا ـ 11 مقعداً في الكنيست) من الحكومة، مما أدى إلى تناقص القاعدة البرلمانية المؤيدة للحكومة من 78 نائباً إلى 67. ورغم أن حكومة أولمرت ما زالت تتمتع بالأغلبية (67 من أصل 120 نائباً) إلا أن ضعف التماسك لدى نواب كاديما، وتذبذب كتلة شاس، وتمرد بعض نواب <<المتقاعدين>> قد يعرض الحكومة لخطر سحب الثقة منها في أي من المنعطفات الحادة في السياسة الإسرائيلية ورغم ما يقال عن محاولات سوف يبذلها أولمرت لاستمالة كتلة يهودات هاتوراه إلى الحكومة (وربما كتلة ميرتس أيضاً) إلا أن المؤكد أن أولمرت، ولضمان تماسك وضعه الحكومي، سوف يتشدد أكثر فأكثر إلى طاولة المفاوضات، وأن وزيرته للشؤون الخارجية تسيبي ليفيني سوف تزاود عليه في التشدد، الأمر الذي ينبئ من الآن أن المفاوضات مقبلة على جولات صعبة وأنها سوف تدور في حلقات مفرغة، دون أن تحقق، ليس اختراقاً كما يطمح البعض، بل وحتى بعض الخطوات التكتيكية الصغيرة.
@ استطراداً، يمكن القول: أن تسير المفاوضات جنباً إلى جنب مع تصاعد العمليات العدوانية، وتوسيع الاستيطان أمر من شأنه أن يلحق الضرر بالحالة الفلسطينية على كل المستويات. هذا الوضع من شأنه أن يزيد صورة المفاوض (السوداء أصلاً) سواداً في عيون المواطنين. ومهما حاول المفاوض الفلسطيني أن ينفي، فإن أياً كان لا يستطيع أن يقنع صاحب الأرض التي يصادرها الاحتلال أن المفاوضات لا تشكل غطاء سياسياً لأعمال مصادرة الأراضي. وكذلك لا يستطيع أي كان أن يقنع أهل غزة، والمطاردين في الضفة، أن المفاوضات لا تشكل غطاء سياسياً لتصاعد الأعمال العدوانية. ما يقوم المفاوض الفلسطيني الآن بات أقرب إلى السياسة الانتحارية.
إن تشبثه بالعملية التفاوضية وتجاهله توسيع الاستيطان وتصاعد العدوان، وكذلك تجاهله الأصوات الداعية إلى وقف المفاوضات، كلها مواقف لن تعود على المفاوض إلا بالضرر الصافي.. أية مفاوضات هذه التي تتم تحت سيف الاستيطان وتحت سيف العدوان وتحت سيف رفض الحقوق الوطنية الفلسطينية. لقد ارتفعت أصوات وازنة، داخل المجلس المركزي في م.ت.ف.، وخارجه، في الداخل، وفي الخارج، ومن اتجاهات سياسية شتى، تدعو المفاوض الفلسطيني إلى وقف المفاوضات، وإلى اللجوء للشرعية الدولية: إلى مجلس الأمن وإلى الجمعية العامة للأمم المتحدة أن حاولت الولايات المتحدة تعطيل دور مجلس الأمن. وكلنا يذكر النجاح الباهر الذي حققه الجانب الفلسطيني، رغم أنف أميركا، ورغم أنف إسرائيل حين لجأ إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة و عبرها إلى محكمة العدل الدولية، وكيف نجح في إصدار فتاوى وقرارات قانونية، وسياسية أثبتت مدى نجاح العمل الدبلوماسي حين تدار معركته بشكل صحيح وبعيداً عن الرضوخ للضغوطات الأميركية كما أثبتت مدى عدالة القضية الفلسطينية وأن بإمكان القيادة السياسية الفلسطينية أن تخوض معركة دبلوماسية تحشر فيها الجانبين الأميركي والإسرائيلي في الزاوية.
@ قضية أخرى تستحق أن يتم التوقف أمامها هي مسألة الدور العربي في إسناد المفاوض الفلسطيني. نقول هذا الكلام على خلفية التنبيه لما صدر عن بوش في زيارته لعدد من العواصم العربية حين حاول أن يعيد صياغة مفهوم الأمن القومي العربي، وبحيث تصبح إسرائيل دولة صديقة، تبحث لنفسها عن السلام والاستقرار في المنطقة. متجاهلاً في الوقت نفسه أنها ترفض الانسحاب من الأرض العربية المحتلة. مقابل شطب إسرائيل من لائحة الأعداء دعا بوش إلى اعتبار إيران هي العدو الاستراتيجي والأكثر خطورة على المصالح العربية.
لماذا: لأن إسرائيل صديقة للولايات المتحدة، ولأن إيران دولة تناصبها الولايات المتحدة العداء. لذلك بات على العرب أن يوالوا من تواليه واشنطن وأن يعادوا ما تعاديه. وأن يدخل الوضع العربي في حالة تامة من التبعية لسياسات الولايات المتحدة ومصالحها في المنطقة. كما اجتمع وزراء الخارجية العرب لبحث الوضع في لبنان، والوضع داخل <<العائلة>> الفلسطينية، بات عليهم أن يجتمعوا ليبحثوا عبثية العملية التفاوضية الخارجية، وما تمثله من تغطية للسياسة الدموية الإسرائيلية. وأن يبحثوا ضرورة وكيفية تصويبها بحيث لا يشعر الفلسطيني أنه وحيد، متروك لأمره في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل.
إن المصلحة الوطنية تحتم على الحالة الفلسطينية أن تعيد النظر بالعديد من القضايا العالقة.
فلا مفر من معالجة الوضع الداخلي عبر الحوار الوطني الشامل، بكل ما يتطلبه هذا الحوار من تحضيرات وخطوات مسبقة، منها ما يتعلق بشكل رئيسي بقطاع غزة. حوار تنتج عنه خلاصات ومواقف وسياسات تكون ملزمة للجميع من موقع الالتزام بالمصلحة الوطنية.
ولا مفر، في مواجهة العدوان، من تنظيم صفوف المقاومة الفلسطينية، هنا نستحضر السؤال الذي طالما تردد على ألسنة الكثيرين، لماذا لم تتقدم الأذرع العسكرية الفلسطينية حتى الآن لبناء غرفة العمليات الموحدة لمواجهة العدوان بقرار سياسي وعسكري موحد.
ولا مفر، في مواجهة الاستيطان من العودة لاستنهاض الحالة الجماهيرية، كي تلعب دورها الفاعل في التصدي للاستيطان. ولا بد من الإشارة في السياق، إلى أن ممارسات السلطة الفلسطينية في الضفة في مواجهة الحركة الشعبية (كالاحتجاج على زيارة بوش مثلاً) تشكل علامة خطيرة في سلوك السلطة لا بد من تسليط الضوء عليها وإدانة العقلية التي قادت إلى ممارسات قمعية دفعت بالشرطة للصدام مع التظاهرات الشعبية.
زيارة بوش، إذن، إلى المنطقة، رغم ما قيل إنها مجرد جولة سياحية، إلا أنها في الحقيقة تركت وراءها رياحاً، قد يشتد زخمها، لتصبح عاصفة وعلى الحالة الفلسطينية أن تتحضر لمقاومة هذه الرياح، والتصدي للعاصفة القادمة.