قبل 80 سنة : ستالين يسلم الشيوعيين الصينيين لجلاديهم ويقمع المعارضة الشيوعية بالاتحاد السوفياتي

بيار لافيت
2008 / 1 / 22

كان شهر ديسمبر 1927 مطبوعا بحدثين وثيقي الارتباط، وكارثيين على مستقبل الحركة الشيوعية والعمالية العالمية. فمن جهة، جرى سحق آخر صبوات الثورة الصينية، بينما كان ستالين و من معه بالاتحاد السوفيتي يطردون من الحزب الشيوعي قدماء رفاق لينين، وبمقدمتهم تروتسكي، الذين كانوا يحاربون النهج الستاليني المعبر السياسي عن بيروقراطية أزاحت الطبقة العاملة من السلطة.




كانت إبادة آلاف العمال والشيوعيين الصينيين في كانتون من قبل رجال الكيومنتانغ الفصل الأخير من ثورة صينية جرى نسفها وتسليمها لجلاديها من طرف القيادة الستالينية للأممية الشيوعية. إن التكتل الستاليني، الذي بدأ يسيطر على قيادة الحزب الشيوعي السوفيتي منذ 1923، مستفيدا بوجه خاص من كون المرض الذي سيقضي على لينين قد أبعده عن قيادة البلد والحزب، كان بحاجة، بغية إرساء سلطته نهائيا، إلى إزالة عقبتين مميتتين له: الحرس البلشفي القديم الذي ظل وفيا لمثل ثورة أكتوبر 1917، وكل خطر انتصار ثورة بروليتارية جديدة. فقد كان من شأن هكذا انتصار، خارج الاتحاد السوفيتي، ان يبعث أمل الطليعة العمالية السوفيتية في حين انه، بعد 10 سنوات بالكاد من ثورة 1917، كانت عزلة الاتحاد السوفياتي بالذات، علاوة على ثقل تأخر البلد الخارج بالكاد من حرب أهلية رهيبة، هو ما أتاح للبيروقراطية الاستيلاء على الدولة وعلى الحزب.

خنق الثورة الصينية

رغم إبرازها الطابع الإجرامي للسياسة الستالينية التي قادت عمال وشيوعيي شنغهاي و كانتون الى المذبحة، عززت الهزيمة ستالين على حساب الذين نددوا منذ البدء بتلك السياسة، وبمقدمتهم تروتسكي، وكانوا لا يريدون، ولا يستطيعون، الاستناد سوى على نضالات البروليتاريا العالمية. منذ مطلع سنوات 1920، وعلى أثر الثورة الروسية، هزت موجة ثورية الصين. كان هذا البلد شبه المستعمر، و الأشد تخلفا من روسيا، محافظا بالقرى التي تضم السواد الأعظم من سكانه على بنى شبه إقطاعية. وبالمدن كانت توجد طبقة عاملة، عرضة لفرط الاستغلال سواء من الأغنياء المحليين أو من مقاولات أوربية عديدة لم تكن البرجوازية الصينية في الغالب غير وسيط لها. ورغم قلتها النسبية عدديا ، حيث لم تتعد 2 مليون فرد، كانت هذه البروليتاريا الفتية، لكن النامية، تبدو القوة المحركة للثورة الصينية. لم يكن الحزب الشيوعي الصيني عند ميلاده عام 1921 غير مجموعة مثقفين صغيرة. ولم يضم مطلع العام 1925 غير 900 مناضل. وفي متم السنة عينها بلغ عدد أعضائه 000 20 وقد انضم إليه عمال كثيرون. وبلغت مظاهرات وإضرابات و عمليات احتلال للأراضي أوجها في 1927. وكان العمال والفلاحون يعلقون آمالهم أكثر فأكثر على ثورة اجتماعية تكنس الطبقات المالكة، وتنهي اضطهادا دام قرونا. لكن لم تكن لستالين أي رغبة في رؤية انتصار ثورة بروليتارية بالصين. أملى قادة الكومنترن [الأممية الشيوعية] على الحزب الشيوعي الفتي إستراتيجية تعتبر الثورة الصاعدة ثورة برجوازية تؤول قيادتها إلى ثوريين برجوازيين. وفرضوا على أعضاء الحزب الشيوعي الصيني البقاء في حزب البرجوازية الصينية الكومنتانغ ومساندة سياسته. والحال ان الحزب الوطني البرجوازي، الذي كان تشانغ كاي تشيك من قادته، يتمنى الاستيلاء على السلطة لكنه يرفض كليا ان تتاح لجماهير العمال والفلاحين إمكانية تقرير مصيرها. هكذا أحسن تشانغ كاي تشيك الاستناد على الجماهير طالما لم تشكل خطرا عليه، وقبل طبعا" قيام الشيوعيين بعمل حمالين في الكومنتانغ". لكن في ربيع 1927 اظهر تشانغ كاي تشيك وجهه الحقيقي في شنغهاي. اقترف مجزرة: اعتقال عشرات آلاف العمال الثوريين والشيوعيين الصينيين وتعذيبهم ، وإلقائهم أحياء في مولدات بخار القاطرات. كان الكومنتانغ والبرجوازية يسعون إلى إفراغ البروليتاريا الثورية من دمها. " منذ أربعة أشهر تشهد المناطق التي يتحكم بها تشانغ كاي تشيك مذبحة منهجية" حسب ما كتبت يوم 20 اغسطس 1927 مجلة بالانجليزية صادرة بالصين . China Weekly Review

الثورة الصينية و المعارضة للستالينية بالاتحاد السوفيتي

وبالاتحاد السوفيتي، كانت سنتان من نشاط البروليتاريا الصينية الثوري الكثيف أعاد الأمل والقدرة الكفاحية لبعض العمال. ووجد ذلك تعبيره بوجه خاص في حصول المعارضة الموحدة ضد الستالينية ، بقيادة تروتسكي وزينوفييف، على تعاطف ومساندة جديدين في المصانع والأحياء العمالية . ورغم الرقابة التي تعرضت لها أفكار المعارضة ، ورغم تنحية قادتها( أبعد ستالين تروتسكي، و زينوفييف، و كامنيف من المكتب السياسي في متم 1926)، ورغم عصابات الأنذال الستاليننين الساعين إلى تشتيت اجتماعاتها، كان قادة المعارضة اليسارية يجمعون أحيانا آلاف المستمعين. هكذا استقبل حشد من العمال يوم 17 أكتوبر في تظاهرة رسمية بلينينغراد تروتسكي وزينوفييف بالهتافات الحماسية رغم إبعادهم من المنصة. وفي الأسبوع التالي طردهم ستالين من اللجنة المركزية. لكن في الذكرى العاشرة لثورة أكتوبر، وفي المؤتمر الخامس عشر للحزب الذي تلاها، كان قادة المعارضة عازمين على إسماع صوتهم والتنديد إمام الحزب بالخيانة التي تعرضت لها الثورة الصينية من قبل القيادة الستالينية. وخوفا مما قد تلقاه انتقادات تروتسكي من صدى بالحزب وبالأممية، بذل ستالين كل بما بوسعه للجم المعارضة. واستعمل ذريعة تظاهرها في الذكرى العاشرة لثورة أكتوبر وقام بطرد تروتسكي وزينوفييف من الحزب. واعتقل العديد من المعارضين المرموقين، ومنع نشر برنامج المعارضة المقدم إلى المؤتمر. وفي الآن ذاته قام الكومنترن الستاليني، بقصد الإيهام بان الثورة الصينية لم تهزم رغم ما تقول المعارضة ، بإلقاء الحزب الشيوعي الصيني في مغامرة انقلابية فاشلة: الاستيلاء على السلطة في كانتون يوم 11 ديسمبر 1927. انتهت " كومونة كانتون" تلك بعد يومين بمذبحة بحق آلاف العمال والشيوعيين الصينيين. كان ستالين بحاجة إلى ذلك لحجب انتقادات المعارضة الشيوعية بالاتحاد السوفيتي بصمت ثقيل، وتحضير نفي ( منذ يناير 1928) من كانوا ، مثل تروتسكي ورفاقه، يرفضون الاستسلام " أمام العالم كله" كما طلب ستالين. آنذاك استسلم البعض لستالين، مثل زينوفييف وكامنيف، سالكين طريقا سيفضي بهم دوما ابعد فابعد في التنكر لأفكارهم. بينما سيدفع آخرون، حول تروتسكي، حريتهم ثم حياتهم ثمنا للدفاع عن راية اللينينية.

تلك السياسة، التي سارت عليها الأممية الشيوعية في بداياتها، زمن لينين، والتي قطعت معها الستالينية، هي ما جسده تروتسكي حتى اغتياله في 1940. سيضيع دم عشرات ألوف الشهداء العمال والشيوعيين في شنغهاي وكانتون لو لم يبق ثمة اليوم من يستعيد دروس الماضي، دروس ضرورة استقلال البروليتاريا سياسيا وتنظيميا.

بيار لافيت

جريدة النضال العمالي

تعريب جريدة المناضل-ة