تعددية المنظمات والمجتمع المدني

جورج منصور
2008 / 1 / 14

كان العراق ولم يزل, رغم اقترابه من العقد التاسع من قيام الدولة الحديثة في العام 1921, بعيداً كل البعد عن بناء مجتمع مدني ديمقراطي حديث, حيث ان علاقات الإنتاج البالية السائدة فيه والتي تعود إلى قرون خلت, قد انقرضت على المستوى الدولي, وهي لا تسمح, بسبب طبيعتها وبنيتها الداخلية, بنشوء علاقات وأجواء سياسية واجتماعية تسودها مبادي وممارسات الحرية الفردية والديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق القوميات والعدالة الاجتماعية وحماية البيئة لصالح الإنسان بالمعنى الصحيح للكلمة, وليس بالمعنى المجازي أو المفرغ من أي مضمون إنساني, برغم ان نضال قوى سياسية ومدنية عراقية تمثل كل مكونات الشعب من أجل سيادة وممارسة تلك المبادئ. فالعراق كان ولا يزال بحاجة ماسة إلى انتقال حقيقي وسريع إلى علاقات الإنتاج الرأسمالية, وتغيير مضمون العملية الاقتصادية الجارية فيه بما يضمن طلاقاً فعلياً مع علاقات الإنتاج شبه الإقطاعية والعلاقات العشائرية والأبوية التي تشكل جوهر القاعدة الاقتصادية والاجتماعية المتخلفة الراهنة من جهة, والتي تتجلى بوضوح في السلوك السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي للفرد والمجتمع, بغض النظر عن وجود أفراد وجماعات صغيرة تحمل أراءً وأفكاراً وطموحات أخرى تختلف عن السائد حالياً, من جهة أخرى.
وفي المجتمعات التي عانت أو لم تزل تعاني من نظم الاستبداد والقسوة والعنف والقمع من جانب أجهزة الدولة في التعامل مع الفرد والجماعات والمجتمع, تزداد فيها مشكلات الإنسان النفسية والعصبية ويزداد التوتر وتبرز حالة التدافع بالمناكب والمنافسة غير المبدئية بأمل البقاء على قيد الحياة وتغييب الآخر أو احتوائه أو العيش على حسابه وتسقط الكثير من القيم والمعايير الأخلاقية التي يعرفها المجتمع اعتيادياً حتى في ظل واقع مجتمع غير مدني, إذ أن جملة من معايير وقيم البداوة والريف تحمل في ثناياها بعض المضامين الإيجابية والتضامنية التي كانت لها أهميتها ودورها في سلوك وممارسات الإنسان في ظل تلك العلاقات الاجتماعية.
وهذه الحقيقة تترك تأثيرها المباشر وغير المباشر على سلوك أفراد المجتمع في الموقف من مبادئ الحرية الفردية والديمقراطية وحقوق الإنسان والحقوق المدنية العامة وعلى مدى فهمهم لها وسبل التعامل معها ومدى إدراكهم حقيقة, أن ما لهم من حقوق هي في الوقت نفسه حقوق لغيرهم أيضاً, ولا يحق لهذا الفرد أو ذاك ولهذه الجماعة أو تلك احتكار الحرية لنفسه دون غيره, أو التمتع بالديمقراطية وحقوق الإنسان أو جواز العمل في أي من المجالات التي يختارها ولكنه يحاول منع الأخرين عنها. وهذه الإشكالية الفكرية والسياسية والاجتماعية والثقافية لا نجدها في المجتمعات الصناعية المتقدمة التي قطعت شوطاً بعيداً في الحضارة الحديثة وفي ممارسة الحياة المدنية الديمقراطية وحيث تراكمت المعارف والخبر في هذا الصدد. ويقدم لنا عالم الاجتماع العراقي الراحل الدكتور علي الوردي دراسات رائعة في تحليل الشخصية العراقية في ظل العلاقات الاجتماعية في العراق والمجتمعات المماثلة في الدول الأخرى.
من حيث المبدأ والممارسة يحق لكل خمسة أو سبعة أفراد, سواء أكانوا من الرجال أو النساء أو بصورة مختلطة, تشكيل منظمة سياسية أو اجتماعية أو ثقافية أو بيئية أو رياضية غير حكومية أو في أي مجال آخر من مجالات الحياة العامة حيث تمارس هذا العمل أو ذاك في إطار ومهمات المجتمع المدني الديمقراطي, ويحق لهذه المنظمة أو تلك ان تعمل على كسب المزيد من الأعضاء وفق نظام عمل تتقرر أسسه ومبادئه من جانب الدولة أو الإقليم ومؤسساتها الديمقراطية التشريعية. ويمكن أن تنشأ الكثير من هذه المنظمات في ذات المجال أو مجالات أخرى, إذ ليس في هذا التعدد أي خلل أو ضرر شريطة أن يكون لها أسم أخر غير الاسم الذي اتخذته غيرها من المنظمات. ومثل هذه الممارسة الطبيعية في الدول المتقدمة تفسح في مجال المنافسة العقلانية بين المنظمات غير الحكومية, سواء أكانت سياسية أو اجتماعية أو ثقافية أو غيرها, لتقديم الأفضل من الفعاليات والخدمات وتحقيق الأهداف للأعضاء والمجتمع. أي أن المنظمات المماثلة في مجالات اجتماعية أو اقتصادية أو ثقافية أو أي شأن عام آخر, لا تجد سبباً يبرر رفض المنظمات الأخرى المماثلة لها أو شن حملات ضد بعضها الآخر, بل ربما تتحرى عن فرص للعمل المشترك وتحت سقف واحد, إن اتفقت الأهداف والوسائل والسبل التي اختارتها كل منظمة من تلك المنظمات.
أن السؤال المطروح اليوم هو, هل يمكن أن نرى مثل هذه التجربة الناجحة في العراق أو في إقليم كردستان أيضاً؟
تشير المعطيات التي تحت تصرفنا إلى أن تجربتنا لا تزال ضعيفة في هذا الصدد, وأن تشكيل الكثير من هذه المنظمات لا يستند إلى أسس واضحة ونافعة ومنطلقة من حاجة فعلية لها. وأن القبول بالآخر من جانب هذه المنظمة المماثلة أو تلك ليس سهلاً, بسبب الكثير من العوامل التي ذكرناها وبسبب الشعور بأن أي تشكيلة مماثلة هي مناهضة بشكل شخصي لمن شكل منظمة مماثلة قبل ذاك. وهو أمر خارج إطار تصور أي فرد أوروبي مثلاً, ولكنه يشكل جزءاً من التفكير لدى العراقيين في إطار الظروف التي مر بها أو يعيشها في الوقت الحاضر, وربما في بال من شكل مثل هذه المنظمة رؤية مماثلة خاطئة, وبالتالي يبدأ التنافس بين منظمتين, يستوجب الواقع تعاونهما والتنسيق بينهما أو إنجاز المهمات بصورة منفردة ولكن دون رؤية سلبية أو مواقف مضادة للآخر, فهم جميعاً يفترض أن يعملوا لصالح المجتمع ومكوناته المدنية المختلفة.
العراق بحاجة إلى كل الجهود الخيرة في المجالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والبيئية والرياضية والفنية من أجل تشكيل المزيد من المنظمات غير الحكومية, سواء أكان ذلك في الإقليم أو على مستوى العراق كله وبعيداً عن الشعور بضرورة احتكار العمل في هذه المجالات, ويتحمل الجميع مسؤولية التنافس الإنساني العقلاني الإيجابي الفعال, إذ إن عجز أي منظمة عن إنجاز مهماتها هو الذي يمكن أن يقود بها إلى غلق أبوابها, ولكن شروعها بالعمل مع منظمات مماثلة اخرى ربما يساعدها على النهوض وتقديم الخدمة الضرورية للمجتمع.
الاختلاف في الآراء والمواقف لا يغير من حقيقة مبدأية وهو حق الجميع في التعبير عن وجهات نظرهم وفي حق الجميع بالعمل وفق الأطر التي يروها مناسبة لهم ولنشاطاتهم وإمكانياتهم. والاختلاف بالرأي لا يعالج إلا من خلال الحوار وتبادل الرأي ووجهات النظر, وبدون ذلك يبقى الصمت سيد الموقف ويبقى الاختلاف هو الحاكم, ويبقى الصراع الأكثر إيذاءً للجميع هو السائد!
* وزير الاقليم لشؤون المجتمع المدني