ملاحظات أولية على «إعلان عباس زكي»

معتصم حمادة
2008 / 1 / 13

الاعلان يمثل صاحبه ولا يمثل ائتلاف منظمة التحرير الفلسطينية


في السابع من الشهر الجاري، شهدت قاعة الاحتفالات في الأونيسكو مهرجاناً سياسياً بمناسبة انطلاقة الثورة الفلسطينية، تحدث فيه عدد من الخطباء كان من بينهم عباس زكي، عضو اللجنة المركزية لحركة فتح، وممثل مكتب م.ت.ف. في لبنان. وقد تلا زكي في خطابه ما أسماه «إعلان فلسطين في لبنان» أراد تقديمه إلى الرأي العام اللبناني والفلسطيني، باعتباره يمثل السياسية الفلسطينية الرسمية في لبنان.
ودون مقدمات، يمكن أن نسجل على هذا الإعلان عدداً من الملاحظات السريعة، من أهمها:
1) الإعلان يقدم نفسه باسم «عباس زكي ممثل اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية» في لبنان. ولا نضيف جديداً إن نحن أكدنا أن م. ت. ف. هي إطار ائتلافي وطني، أي الجبهة الوطنية المتحدة لشعب فلسطين. وبالتالي تكون مواقفها تعبيراً عن القاسم المشترك الذي يوحد القوى والأطراف الفلسطينية المؤتلفة في المنظمة، ولا تكون بالمقابل معبراً عن سياسة فصيل دون غيره. الملاحظ أن زكي لم يتشاور مع إخوانه ممثلي الفصائل الفلسطينية في لبنان وهو يعد «الإعلان»، كما أنه أخفى عنهم موضوع الإعلان، رغم أن التقاهم قبل المهرجان الأمر الذي يثير علامات استفهام حول إصرار البعض مصادرة م.ت.ف. لنفسه، والاستفراد بقرارها والاستئثار به، رغم ما عانته الحالة الفلسطينية من ويلات هذا الاستئثار، كان آخرها الانقسام الدموي في قطاع غزة الذي ما تزال الحالة الفلسطينية برمتها تعاني تداعياته. ويبدو أن البعض يرفض الإفادة من التجارب، وأخذ دروسها بعين الاعتبار إلى أن تحل بالقضية الفلسطينية كارثة تذهب بما تحقق من مكاسب وإنجازات.
2) قدم زكي «إعلانه» إلى الرأي العام اللبناني في الوقت الذي تعيش فيه الحالة اللبنانية وضعاً سياسياً معروفاً للقاصي والداني، من أبرز علاماته أن مقعد رئيس البلاد مازال شاغراً. وبالتالي يمكن القول إن زكي أخطأ في اختيار التوقيت الملائم للكشف عن «إعلانه» على الملأ. ترى ما الذي حال دون انتظار أن تجد الأزمة اللبنانية طريقها إلى الحل، وأن يتوافق اللبنانيون على الصيغة المناسبة للمرحلة القادمة، ثم بعدها يقدم «الإعلان» إلى العهد اللبناني الجديد. نعتقد أن «الإعلان» ضاع في زحمة الانشغال بالأمر اللبناني الداخلي، وأنه وضع على الرف.
3) يتخذ «الإعلان» من العديد من الوقائع التاريخية مواقف أقل ما يمكن أن توصف به أنها محاولة للتزلف من الحالة السياسية اللبنانية (أو بعض أطرافها) على حساب المصلحة الفلسطينية. منها على سبيل المثال أن الأطراف اللبنانية ذهبت إلى الطائف لتجري مصالحة وطنية (وهذا أمر جيد وأيدته القوى الفلسطينية على اختلاف اتجاهاتها) لكنها تجاهلت في الوقت نفسه الوضع الفلسطيني في لبنان، ولم تجد بعض الأطراف في هذا الوضع سوى ما وصفته بـ «خطر التوطين». كذلك تجاهل «إعلان عباس زكي» العديد من المبادرات الطيبة الفلسطينية لإدارة حوار أقوى مع الدولة اللبنانية لمعالجة ذيول السنوات العجاف، وأنه تم الاتفاق على تشكيل لجان لهذا الحوار، وأن الدولة اللبنانية هي التي أخلت بالاتفاق مما أبقى الحالة الفلسطينية تعاني تداعيات السنوات العجاف ونتائجها، وكأن ثمة سياسة واعية، لدى جهة لبنانية معينة لإبقاء الوضع الفلسطيني على ما هو عليه، ومن ثم تقديمه، بمناسبة وبغير مناسبة على أنه خزاعة توطين ليس إلا. إن القفز عن هذه المرحلة في «إعلان زكي» أمر يدعو للدهشة خاصة وأن المراجعة تفترض تملك الصراحة والشجاعة، وإلا تحولت المراجعة إلى تكاذب مشترك لا يقود سوى إلى تعميق المشكلة لا حلها.
4) ثم، بعد ذلك، يتبرع عباس زكي في «إعلانه» للاعتذار من الجانب اللبناني، مؤكداً أنه اعتذار غير مشروط باعتذار مقابل. ولا ندري ما هو السبب الذي يدعو طرفاً ما للاعتذار دون أن يكلف الطرف الثاني نفسه عناء تقديم اعتذار مقابل. صحيح أن المراجعات التي أجريت حتى الآن، حملت الفلسطينيين مسؤوليات إزاء ما شهده لبنان من سنوات عجاف. لكن الصحيح أيضاً أن المراجعات نفسها حملت أطرافاً لبنانية عدة مسؤوليات مماثلة وإلا كيف نفسر تلك «الدهشة» التي ارتسمت على وجوه السادة الوزراء وهم يزورون المخيمات الفلسطينية وهم يعاينون الحال المأساوية التي يعيشها الفلسطينيون. إن الاعتذار هنا، ليس مسألة أخلاقية، بل هو خطوة سياسية تتبعها التزامات وواجبات، والاعتذار موقف سياسي يؤسس لبناء علاقات، وإذا لم يكن الأساس متفقاً عليه، فإن العلاقات ستبقى قلقة. من هنا أهمية الاعتذار المتبادل. ومن هنا نقول تسرع زكي في الاعتذار من طرف واحد وأن الاعتذار يجب أن يكون متبادلاً.
5) أخطأ عباس زكي حين كان قد أخطأ غيره (أو حيث تقصد غيره الوقوع في الخطأ). أخطأ حين أثار قضية السلاح الفلسطيني باعتباره قضية قائمة بحد ذاتها. علماً أن الموقف الذي التقت عليه القوى السياسية والمجتمعية الفلسطينية يقول إن السلاح هو واحد من ملف العلاقات اللبنانية ـ الفلسطينية، مع التأكيد على سيادة لبنان على أراضيه (وهو تأكيد يكتسب مضمونه بممارسة الدولة اللبنانية لهذه السيادة وليس من خلال «الاعتراف» الفلسطيني بهذه السيادة ـ إن جاز التعبير ـ فالدولة اللبنانية لا تحتاج إلى من يعترف لها بحقها في سيادتها على أراضها).
وعندما نشير إلى ملف العلاقات اللبنانية ـ الفلسطينية فإننا نشير على العديد من القضايا السياسية والأمنية والاجتماعية وغيرها، بما فيها العمل المشترك، بين لبنان والحالة الفلسطينية على أرضه والتصدي لمشاريع التوطين التي تطلق بالوناتها في سماء المنطقة بين فترة وأخرى. نحن نرى ـ مثلاً ـ أن الدولة اللبنانية هي الطرف العربي الأكثر جدارة في التعاون مع الفلسطينيين في مواجهة التوطين، لأن مصلحته في عودة اللاجئين إلى ديارهم وممتلكاتهم لا تقل عن مصلحة اللاجئين أنفسهم، (ترى هل يلتقي عباس زكي مع نائبه سلطان أبو العينين الذي لا يكف عن التأكيد على التمسك بالسلاح إلى حين العودة إلى الديار؟!).
6) أثار «إعلان عباس زكي» استغراب الأوساط الواسعة من اللاجئين في لبنان حين تجاهل تجاهلاً تاماً أية إشارة إلى القرار 194، وحين تحدث بغموض شديد حول العودة، مكتفياً بالقول إنها «عودة إلى الوطن» دون تحديد لماهية الوطن. ونعتقد أن عباس زكي على صلة مباشرة بالجدل القائم وطنياً حول تعريف معنى العودة. فهناك من يتحدث عن العودة إلى الوطن، ثم يعرف الوطن بأنه في الضفة الفلسطينية وقطاع غزة. وبالتالي فهو يفرغ العودة من مضمونها ويحولها إلى شكل مقنع من أشكال التوطين، ولكن في الضفة والقطاع هذه المرة. لذلك كانت وثيقة الوفاق الوطني (27/6/2006) حريصة على التأكيد على حق العودة إلى الديار التي هجر منها اللاجئون الفلسطينيون. إن عباس زكي في موقفه الغامض هذا، إنما يفتح الباب لشكل آخر من أشكال التوطين (في الضفة والقطاع) ويبعث برسالة واضحة وجلية إلى «من يعنيهم الأمر» باستعداد المفاوض الفلسطيني (الذي ينتمي عباس زكي إلى فريقه السياسي) للتنازل عن حق العودة في مفاوضات الحل الدائم. ولا نضيف جديداً إن نحن ذكرنا بسلسلة من المواقف التي أفصح عنها رئيس السلطة محمود عباس والتي تذهب في هذا الاتجاه دون أي غموض والتي أثارت ردود فعل عنيفة وصارخة في صفوف اللاجئين الفلسطينيين على اختلاف اتجاهاتهم السياسية وانتماءاتهم التنظيمية.
7) وأخيراً، وليس آخراً يلجأ «إعلان عباس زكي» إلى التزوير ولوي عنق الحقيقة حين يدعي أن المجلس الوطني الفلسطيني التاسع عشر، أعلن في 15/11/1988 قبوله «حل الدولتين» ما أعلنه المجلس هو «إعلان الاستقلال» كهدف للانتفاضة الباسلة، وليس الاعتراف بدولة إسرائيل. الدولة المستقلة كهدف للانتفاضة التي طعنها اتفاق أوسلو وأجهضها وانحرف بها عن مسارها النضالي. حل «الدولتين» هو حل أميركي «طورته» تسيبي ليفني بحيث تكون الدولة الفلسطينية «وطناً قومياً للفلسطينيين» وتكون إسرائيل «وطناً قومياً لليهود». وتداعيات الموضوع معروفة للجميع، إلا إذا كان عباس زكي ما زال جاهلاً بها. الشعب الفلسطيني لا يناضل «لقيام دولتين» بل لقيام دولته المستقلة كاملة السيادة بحدود الرابع من حزيران (يونيو) وعاصمتها القدس الشرقية، وضمان حق اللاجئين بالعودة إلى ديارهم وممتلكاتهم التي هجروا منها منذ العام 1948. وإذا كان «عباس زكي» جاهلاً بهذه الحقيقة مصيبة، أما إذا كان عالماً فيها، وهو يتجاهلها لينسجم «إعلانه» مع تنازلات الفريق الفلسطيني المفاوض فالمصيبة أكبر، لا لشيء، فقط لأنه حاول أن يحمل اللاجئين الفلسطينيين في لبنان هذا الموقف. #


عباس زكي: ذاكرة مثقوبة أم تزوير للتاريخ؟
«الحرية» ـ بيروت
# لاحظ المراقبون أن عباس زكي وهو يلقي كلمته في مهرجان الأونيسكو، تجاهل، في تعداده للأجنحة العسكرية لفصائل المقاومة، كتائب المقاومة الوطنية الفلسطينية، الجناح المقاتل للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين. مما دعا المراقبين للتساؤل فيما إذا كان هذا التجاهل ناتجاً عن ثقوب في ذاكرة عباس زكي، أم رغبة منه في تزوير التاريخ، لا لشيء سوى لغاية في نفس عباس زكي نفسه.