الدولة الاسلامية وظاهرة عدم الاستقرار السياسي في تاريخ العراق

ياسين البكري
2007 / 11 / 4

ينطلق الإسلاميون في تنظيرهم للدولة الإسلامية من حلم إعادة تأسيس دولة نمط الدولة الإسلامية الأولى وبالتحديد الدولة الأنموذج دولة الرسول ودولة الخلفاء الراشدين. والغريب ان دولة الحلم او الأنموذج لا تخلو من صراعات تنزلها من حالتها الطوباوية المتخيلة الى حالة الدولة السياسية الواقعية. واصبح الفحص البحثي للفرق السياسية الاسلامية منذ نهايات الدولة الراشدة وطول الدولة الاموية والعباسية، والصراعات التي رافقتها وصولاً الى واقع الانشقاق المذهبي الشيعي حتى الوقت الحاضر. كل ذلك يمكن ارجاع جذوره الى واقعة السقيفة ومن ثم الفتنة في زمن عثمان وتداعياتها على حكم علي والحرب بينه وبين معاوية.
ولا نود هنا مناقشة الحكومة في الاسلام او هل كان محمد رسولاً وملكاً وهل صنع محمداً دولة وهل كانت الخلافة الراشدة دولة دينية وهل ان الحكومة من اساسيات الدين والادلة الشريعة على هذه التصورات والادلة المناقضة لها. بل ما يعنينا هنا ان نناقش تلك الدولة الاسلامية كأيديولوجيا يؤمن بها قطاع كبير من الحركات الاسلامية في الوقت الراهن وانعكاسات هذه الأيدلوجيا على تاريخ الاستقرار السياسي في العراق
ابتداءاً اذا كانت الدولة الاسلامية حسب الوعي الديني للحركات الاسلامية المؤمنة بها تبغي تطبيق الشرع والحكم بكتاب الله وسنة نبيه وتطبيق مبدأ الامر بالمعروف والنهي عن المنكر كل تلك الامور تعد خطاباً جميعاً لهذه الحركات والتيارات، وربما استندوا في ذلك الى أيات معينة في القرآن .
(ومن لم يحكم بما انزل الله فأولئك هم الكفرون) و(ومن لم يحكم بما انزل الله فاولئك هم الظالمون) و(ومن لم يحكم بما انزل الله فاولئك هم الفاسقون).
هذا الاتفاق على المبدأ بين تلك التيارات قد يجد له تشعبات وفروقات تبدأ عند فحص مناهج التطبيق.
من الاحاديث المروية عن الرسول ((ستفترق امتي بعدي على بضع وسبعون فرقة كلها في النار الا واحدة هي الناجية)).
حسب هذا الحديث اذا اردنا ان نقيم دولة اسلامية فعلى مذهب أي فرقة، واذا قالوا نقيمها على مذهب الفرقة الناجية، سنكون حينها عند بضع وسبعون فرقة ناجية، واي منها تمكنت من الحكم ستعمد الى تطبيق الامر بالمعروف والنهي عن المنكر. واستناداً الى حديث اخر يروي عن الرسول يقول فيه (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فأن لم يستطع فبلسانه، فأن لم يستطع فبقلبه. وذلك اضعف الايمان) والدولة والحاكم له قدرة تغير المنكر بالقوة، والمنكر (السياسي) يخضع لرؤية ومصلحة الحاكم وغير مؤطر لمحددات واضحة باستثناء ما نص عليه القرآن والسنة رغم ان (القرآن حمال اوجه كما قال علي بن ابي طالب) والسنة فيها تقسيمات وتدرجات تصنف فيها الكثير من الاحاديث كونها موضوعة ناهيك عن تصنيفات اخرى تقلل من درجة يقينية الاحاديث. هذا فيما يخص ما ورد ذكره في الكتاب والسنة، اما المستجدات وهي كثيرة فهي تخضع لاصلين اخرين من اصول الفقه، هما الاجماع والاجتهاد.
الاجماع غير متصور عقلاً اذا اردنا ان نحصر القضية المراد الاجماع عليها بقضية سياسية، واي حاكم اذا اردنا ان يستخرج فتوى بالاجماع فبالضرورة سيلجأ الى علماء المؤسسة الدينية المنضوية تحت سلطة الحاكم، هذا أن كانت سلطة الحكم مستتبة لشخص بعينه، اما اذا كان الصراع على السلطة ذاتها، أي ان الحاكم ما زال في طور الاختيار فلأجماع غير متوفر تأريخياً، فعلي بن ابي طالب وسعد بن عبادة لم يبايعا ابي بكر، وخلافة عمر تمت بوصية من ابي بكر، وخلافة عثمان تمت على ستة اشخاص انقسموا بالتساوي ليرشح كل ثلاثة شخص واحد، والذي رجح كفة عثمان على علي هو عبد الرحمن بن عوف وبذلك لم نكن امام إجماع امة او حتى إجماع ما عرف باهل العقد والحل.
والأصل الرابع هو الاجتهاد، فقد روي عن الرسول عند بعثته لمعاذ بن جبل لقضاء اليمن. سأله، بماذا تقضي، قال بكتاب الله، قال فأن لم تجد، قال فبسنة رسوله، قال فأن لم تجد، قال اجتهد.
والاجتهاد بكونه حكم صادر عن تعريف ذاتي للمشكلة وأصولها ومشروعية حلها ومدى قربه وبعده من القرآن والسنة. وهو بهذا الوصف يخضع لجملة من الشروط الواجب توافرها في شخص المجتهد منها درجة علمه بالقرآن والسنة ومدى تمكنه من اللغة وغيرها من الشروط الفقهية التي قد تبدوا متفق عليها. غير ان هناك متغيرات قد تؤثر على اجتهاد المجتهد منها وربما الاهم فيما يخص موضوعنا هو درجة ارتباطه بالسلطة وفي حديث (من ازداد قرباً من السلطان، ازداد بعداً عن الله)، والمتغير الاخر هو مرجعية المجتهد الفقهية والسياسية فيما لو كان المجتهد من خصوم الحاكم ومعارضيه، وحتى في المعارضة هناك تشظني وتنوع فقهي وسياسي قد يجعل للمشكلة الواحدة اكثر من حل واطار تتعارض فيما بينها وتستند كلها على تخرجات مستمدة في قياسها على القرآن والسنة.
ما نريد ان نستدل عليه مما سبق ان أي حكم صادر بأسم الدولة الاسلامية هو غير مؤيد من قبل الاطراف الاسلامية الاخرى، وأن أي سلطة قامت بأسم الدين في التاريخ الاسلامي لم تكن تمثل مجموع التيارات الإسلامية، وهو أمر لا غضاضة فيه بل هو غير متصور عقلاً لا قديماً ولا حديثاً، بل ان المهم في ان تلك السلط قامت على حد السيف ولنا امثلة في حرب علي ومعاوية، وفي انشاق الخوارج على سلطة علي وحتى تكفيره، وفي بيعة معاوية ليزيد، وخروج الحسين عليه ومقتله في واقعة الطف وصراع السلطة في العهد الاموي، والتصفيات الدموية التي رافقته والقمع الذي رافق كل خروج على الحاكم وليس على الدين او العقيدة، كما في خروج المختار الثقفي وعبد الله ومصعب ابن الزبير وفي مراحل لاحقة في خروج محمد بن عبد الله النفس الزكية وغيرها كثير من الشواهد التأريخية التي امتدت الى نهاية العهد العباسي. وفي كثير من تلك الخروجات والصراعات كان شعار الحاكم والمعارض شعاراً دينياً يدعي الاعلمية والاحقية له ويطعن بشرعية المقابل وسلامة عقيدته الدينية وكلاهما يستندان الى ادلة من القرآن والسنة تقرء بحسب منهج كل طرف. ولا يفوتنا ان بعض الفرق الدينية وهي كانت دائماً سياسية المضمون، تصل حد تكفير الفرق الاخرى، ولا يخفى مما سبق دلالة المنهج الاقصائي فيما يتعلق بفرق عنوانها الرئيسي الاسلام. وهنا يمكن ان نتلمس مدى الضرر الذي يمكن ان يلحق بالاسلام وبالدولة من جراء فرض عقيدة ومذهب ومنهج اقصائي، وبالتالي يمكن ان نفهم مقولة الشيخ احمد الكبيسي (ان لا عباءة أشد فرقة من عباءة الدين).
ولن يكون بعد هذا غريباً ان تأريخ العراق هو تأريخ الثورة على الحاكم وتأريخ للصراع الدموي، ولا اجدني اميل الى تفسير ذلك كما قد نسمع الى ان الشعب العراقي مجبول على العصيان والفوضى والتناحر. وقد نجد التفسير في باب أخر فقد روي عن الجاحظ في تعليله لعصيان اهل العراق، بانهم اهل نظر وذوو فطن ثاقبة، ومع الفطنة والنظر يكون التنقيب والبحث، ومع التنقيب والبحث يكون الطعن والقدح، والترجيح بين الرجال، والتميز بين الرؤساء، واظهار عيوب الامراء.
او كما عللها شارح نهج البلاغة ابن ابي الحديد (مما ينقدح لي من الفرق بين هؤلاء {اهل العراق} وبين العرب الذين عاصروا رسول الله –ص- ان هؤلاء من العراق وساكني الكوفة، وطنية العراق ما زالت تنبت ارباب الاهواء واصحاب النحل العجيبة والمذاهب البديعة، واهل هذا الاقليم اهل بصر وتدقيق ونظر، وبحث عن الاراء والعقائد، وشبه معترضة في المذاهب، وقد كان منهم في ايام الاكاسرة مثل ماني وديصان ومزدك وغيرهم).
واذا كانت الخصائص العرقية والسلوكية لا يمكن تبنيها باسقاطاتها الايجابية والسلبية، فأن في مقولة الجاحظ وابن الحديد مفتاحاً لتفسير، والذي نعتقده ان في العراق عنصران اساسيان على الاقل في موضوعة الصراع الدموي وهما السلطة والشعب (المتنوع)، ولا تلبث العلاقة بينهما تبدو مستقرة حتى يتفجر الصراع، وكما اسلفنا فالبعض حاول تفسير الصراع بسمة ثابتة للعراقيين وهي التمرد، وبالتالي فحاجة هذا البلد للقوة والقمع ضرورة ليستتب الأمن والاستقرار، ولهم في الحجاج وقسوته وسياسته للعراق مثالاً حياً وابدياً، حتى اعتبر الحجاج انموذجاً لحاكم العراق الناجح، وما اعتقده ان التفسير اعلاه يشبه الى حد ما وضع العربة امام الحصان، ولكي تستقيم ابعاد الصورة يجب قلب المعادلة ومن قبلها تفكيك عناصر طرفي المعادلة.
الطرف الاول السلطة، فمنذ العهد الاموي على الاقل، هي سلطة فردية استبدادية، قسرية، قمعية، والدولة التابعة للسلطة (والحدود بينهما غير موجودة حتى اضحى تاريخ الدولة في الاسلام هو تاريخ للسلطة) هي دولة لا دينية كما يتصورها الاسلاميون، بل هي دولة تحكم بأسم الاسلام، وتتقوى بالاسلام ولا يتقوى بها، ومن حيث هي دولة تشرعن نفسها بالاسلام باعتباره دين ودولة من وجهة نظر الاسلاميين، وحيث ان الاسلام فرق ومذاهب بنص الحديث وبالواقع العملي للدين الاسلامي، وحيث ان الحاكم يعتنق مذهباً واحداً فهو لا يقر (سياسياً طبعاً) بشرعية الفرق والمذاهب الاخرى. وبذلك اصبح منطق الدولة الاسلامية منطقاً اقصائياً والمنطق الاقصائي هنا من حيث كونه نابعاً من ايديولوجيا دينية تؤمن بالثنائيات، لا يقتصر فقط على السلطة، بل يمتد الى المعارضة الاسلامية ايضاً، والمعارضة هنا لا تطابق وليست مرادفاً لما نعنيه بالتنوع، بل هي جزء منه فقط.
الطرف الثاني للمعادلة هو (التنوع) او (الشعب المتنوع)، المتباين في المرجعيات العرقية والمذهبية والدينية لساكني العراق، وهذا التنوع ليس وليد التاريخ الحديث وتأسيس الدولة العراقية الحديثة عام (1921) بل هو يمتد الى جذر وعمق تاريخي شاركت في صنعه عوامل بيئية وجغرافية مناسبة للسكن، ادت الى هجرات بشرية، واندفاعات عسكرية غازية، وفي مراحل اخرى تأسست حضارات وامبراطوريات توسعت، وبشكل عام ان هذه البقعة كانت عنصر استقطاب بشري لاقوام عاشت بيئات مختلفة الصحراوية والجبلية، كما ان لاختلاف المناخ. وتباين شكل التضاريس الارضية، ووجود الصحارى والسهول الرسوبية، والمناطق الجبلية أثر في طريقة تشكيل التجمعات البشرية ونوع القرى والمدن وطريقة بنائها ومواد بنائها، وطريقة ونوع اللباس والخصائص الاقتصادية لكل منطقة، ونوع الانتاج وقوى الانتاج وعلاقاته. كل ذلك خلق عادات واعراف ونمط معاشي له خصائصه المتمايزة، ناهيك عن اللغات المتعددة واللهجات التي تندرج تحت العنوان العام للغة الام. ولا نعني بالخصائص المتمايزة ان هناك حواجز قاطعة تحول بين فئات التنوع تمنع التعايش والاختلاط.
والان نطرح تساؤل لماذا اصبح العراق انموذجاً لعدم الاستقرار السياسي، ولماذا شاع ان من ضرورات حاكم العراق القسوة والقمع ؟ ولماذا نجد دائماً ان هناك ادعاءات تبعية بعض فئات التنوع العراقي الى الخارج بدافع العرق او المذهب؟ وهل للتنوع دور في كل ذلك؟ وما علاقة مفهوم الدولة الاسلامية او السلطة التي تحكم بأسم الاسلام في ذلك؟ ان مفتاح الاجابة على تلك التساؤلات نعتقده بطبيعة العلاقة بين الحاكم (السلطة الدولة) وبين فئات التنوع العراقي.
ذكرنا سابقاً مقولتي الجاحظ وابن ابي الحديد ونحن نميل الى تفسير مضمون المقولتين (بأن اهل العراق اهل نظر وذوو فطن ثاقبة والترجيح بين الرجال والتميز بين الرؤساء) بواقعة التنوع، وسمات فئات التنوع المتمايزة، والمستندة الى جذور فكرية ومرجعيات متنوعة واصيلة في ذات الوقت، وطبيعة الصراع الفكري بينها الذي قد يرقى الى مستوى التفاعل وربما حتى التطعيم والاخذ من المقابل دون ان يلغي هذا التفاعل الخصوصية، ودون ان تسعى فئة معينة ألغاء الفئة الاخرى واليزيدية مثال واضح عن الاخذ من الاخر فرغم انها ذات خصوصية الا ان لها مشتركان مع الفئات العرقية والدينية العراقية فقد ذكر سليم مطر في كتابه جدل الهويات ان اليزيديون يتكلمون العربية والكردية، ويرتدون الازياء الرجالية العربية والازياء النسائية السريانية. وهم يحتفلون باول اربعاء من شهر نيسان بهبوط الملاك طاووس الى الارض، مثلما كان يحتفل العراقيون في بابل واشور بشهر نيسان او اشهر السنة حسب التقويم البابلي لانه شهر الربيع والخصب والميلاد والبداية، وعيد الاله تموز. ويشتركون مع المسيحين في الكثير من المناسبات والاعياد مثل عيد الفصح والقيامة والتعميد بالماء وقطع الخبز وزيارة الكنائس والحج لمزار الشيخ عدي المقدس المسيحيين في العراق. ويشتركون مع المسلمين بالصيام والختان وتقديس القرآن وبعض رجالات الدين كالحسن البصري. ويحتفلون بعيد القربان أي عيد الاضحى. واضاف سليم مطر في تصوير ادبي بليغ ان من يطلع على تاريخ اليزيدية يكتشف ان هذه الطائفة تمثل خلاصة رائعة لتاريخ منطقة شمال الرافدين (منطقة الجزيرة). يمكن اعتبار اليزيدية اشبه بقصر تاريخي مظهره اسلامي مزين بنقوش عربية وعبارات كردية، لكن لو ازلنا هذه الاصباغ الخارجية عن الجدران لاكتشفنا تحتها طبقة من نقوش مسيحية بايقونات ملونة وصلبان منحوتة. ولو تعمقنا اكثر بالحفريات لاكتشفنا طبقة ثالثة من جداريات اشورية ورسومات الهة النهرين وكتابات مسمارية. ولو تعمقنا في الحفريات سنصل الى اعماق تاريخ المنطقة وجذورها البدائية المنسية.
ان عملية الاخذ من ثقافة وطقوس وشعائر الاخر مع الاحتفاظ بأُسس الثقافة الاصلية يحيلنا الى فرضيتين على الاقل:-
الفرضية الاولى:- فرضية التفاعل الثقافي والاحضاري عبر المعايشة والحوار ومحاولة التجديد بالاحتكاك بثقافة ثانية يقتبس منها ما هو فاضل وصالح وعملي، وقد تكون نظرية المحاكات اطاراً مناسباً لتعليل الاقتباسات الحضارية من خلال الاختيار الحر الواعي واللاواعي.
الفرضية الثانية:- السلطة القاهرة المؤدلجة، أي سلطة لها القدرة والامكانات المادية العسكرية والقتالية المطعمة برؤية فكرية او دينية يستجيب لها الطرف الاخر او يدعي الاستجابة لها طلباً للأمان وانسجاماً مع شرعة البقاء، وخضوعاً لقانون القوة. او للمصالح الاقتصادية المستجدة.
وإذا أخذنا ظاهرة انتشار الاسلام في العراق، فأن القوة كبعد أحادي لا يفسر هذا الانتشار، او يفسر باضافة والمعروف ان العقيدة الدينية الجديدة استطاعت ان تلم الشتات البدوي، وتهذب من محركات ومحفزات واسباب الاندفاع البدوي، المحارب بطبعه، والغازي لضرورات حياته وان تعطيه صبغة رسولية دعوية، وكما يقرر ابن خلدون في مقدمتة ان الملك لا يحصل للبدو (العرب ومن في معناهم) (الا بصبغة دينية من نبوة او ولاية او أثر عظيم). والتلازم بين الدعوة والقوة في عملية الفتوحات الاسلامية واضح وكما يشير ابن خلدون ان (كل أمر يحمل الناس عليه من نبوة او اقامة ملك او دعوة… انما يتم بالقتال عليه).
ومن هنا يمكن ان نفهم كيف ان اقلية مقاتلة اندفعت من الجزيرة العربية التي قدر مجموع تعداد القبائل العربية حينها (بـ 3 ملايين نسمة) استطاعت ان تفتح العراق المسيطر عليه من قبل الامبراطورية الفارسية. والذي يقطنه بحدود (6 الى سبعة ملايين نسمة) اغلبهم من الزراع وسكان المدن الناطقين بالارامية. والمنتشرين على ضفتي دجلة والفرات المعتنقين للمسيحية النسطورية واقليات من اليهود والصابئة والمانوية. ما يعني ان لا وجود لفراغ عقائدي ديني في العراق. وبالتالي يرجح العنف في فرض العقيدة الجديدة او الأصح سطوة وهيمنة الفاتحين الجدد، وقد تختصر مقولة (الناس على دين ملوكها) طبيعة العوامل الكامنة في أجراء التحول العقائدي الديني، وحتى وان كانت حقوق اهل الذمة، ومبدأ حرية العقيدة ( لا اكراه في الدين) شعار مرفوع فهو لا يبرئ الواقع العملي من محاولة الالتفاف عليه. ونفي مبدأ المساواة على معتنقي الدين الجديد نفسه كونهم اصبحوا مسلمين وبذلك ظهر تراتب اجتماعي برر استخدام مصطلح الموالي، وهنا يمكن ان نلاحظ انقسام طبقي عرقي على مستوى المسلمين بين السادة الفاتحين المحاربين المالكين ذوي الاصول الجزيرية العربية، وبين الموالي المفتوحين المزارعين الأجراء ذوي الاصول العراقية، وانقسام طبقي ديني بين السادة الفاتحين الحاكمين، وبين اهل الذمة المفتوحين المحكومين. ان عملية حصر السلطة بيد فئة واحدة، وتردي اوضاع الموالي في زمن عثمان عندما اراد سادة قريش والمتنفذون حينها البيت الاموي من جعل السواد (أي العراق) بستان قريش. ادى الى انحيازهم بعد ذلك الى علي حيث ضم جيشه ثمانية الاف منهم. نفس الانقسام الطبقي في الدولة الاموية وعملية تبلور السلطة وبروز اجهزتها القمعية وتصاعد حدة الصراع السياسي الديني بين البيت الاموي الحاكم والبيت العلوي المعارض ومحاولة الحاكم شرعنة وجوده دينياً عبر نظرية الجبر ومفرداتها في الاختيار الالهي. وظل الله في الارض وغيرها الحكم بأسم الاسلام وبأسم منهج اسلامي واحد لا يعترف بالمناهج والطرق والفرق الاسلامية الاخرى المعارضة سياسياً له ويقمعها عبر رموز دموية كالحجاج رفضاً للأخر وتجاوزاً لحقيقة التنوع العراقي الذي مثلته حينها الموالي ادى الى بروز ظاهرة الثورة على الامويين في العراق. والتي حتى وان كانت شعاراتها دينية هي الاخرى، فأن مادتها من الموالي واسبابها هي السلطة القسرية ذات المنهج والرؤية الواحدة والاستعلاء العرقي والديني الاموي.
ونلاحظ ان ثورة المولى ابو علي الكوفي في الكوفة كانت من صنع وتدبير الموالي وبقيادتهم، اما ثورة عبد الرحمن الاشعث فقد اشترك فيها مائة الف من موالي الكوفة والبصرة. وهو ما دفع الحجاج بعد القضاء عليها بارجاع الموالي الى قراهم وامرهم الا يغادروها الى المدينة. وختم على يد كل منهم بالنار اسم قريته. واصطبغت بنفس الصبغة ثورات كل من الحارث بن سريح وأبي مريم ونافع بن الازرق وعبيد الله الماحوز وقطري بن الفجاءة، والمختار بن عبيد الثقفي
حاولنا من خلال الامثلة التاريخية السابقة ان نؤكد على قسرية السلطة، ولكنها السلطة المؤدلجة التي لا تعترف الا بمنهجها والتي لا تعترف للتنوعات العرقية والدينية بحقها في التعبير عن ذاتها، وتغتصب حقوقها الاقتصادية وهو ما دفع الموالي (التنوع) الى انتهاج سلوك الدخول في الدين الجديد وادخال بعض مفردات ديانتها الاصلية الى الاسلام وهو ما يفسر نوعاً ما ظاهرة الفرق الاسلامية الكثيرة، ويؤكد على حيوية العقائد الدينية، فتبنت بعض الفرق الاسلامية مثلاً مبادئ الحلول والتناسخ وغيرها من المبادئ التي لا يقرها الاسلام، ولم يتم التداول بشأنها في عهد الرسول والتي كانت غريبة نوعاً ما عن معتقدات عرب الجزيرة في الجاهلية. والسلوك الثاني هو انتظار الفرصة للتعبير عن الرفض بشكل ثورة وتمرد.