جمود الايدولوجيا ومرونة السياسة...الثابت والمتحول في العملية السياسيةالعراقية

ياسين البكري
2007 / 10 / 23

لا نفترض بالايدولوجيا هنا ، بناء نظرياً متكاملاً يعبر عن حزب أو حركة أو بناء ما ، يؤسس نظرته وتحليلاته ومواقفه السياسية على قاعدة إسلامية ، أو قومية أو ماركسية . إنما نفترض بالايدولوجيا كل موقف متصلب يرى مطالبه دون رؤية لمطالب الآخرين ، ويعتقد إن قناعته تمثل الحد النهائي لما وصل إليه عقل البشر ، ومع تلك القناعة يكون العالم أفضل ودونها ينقلب الكون ، ناسياً أو متناسياً إن لا مطلقات في الحياة ، وان النسبية قانون اجتماعي وسياسي واقتصادي ذهبي غير مقيد بفيزياء اينشتاين .
تلك النسبية حكمت العملية السياسية العراقية الحالية بما أطلق عليه عملية التوافق بين مكونات الشعب العراقي ، ومع إن تلك العملية بالقياس للتصور الديمقراطي المفترض تأسيسه ، يعد خرقاً له وتجاوزاً لقاعدة الأغلبية الانتخابية ، وأسست لاستقطابات اجتماعية عرقية ومذهبية ، إلا إنها وضعت كآلية مرحلية مؤقتة وانتقالية من نظام شمولي حكم العراق لعقود طويلة إلى نظام ديمقراطي مأمول ، ونتيجة لتغير فجائي غير متدرج حرك التناقضات الكامنة في بنية المجتمع العراقي وأطلقها من عقالها ، واستجابة لمصالح قوى المعارضة العراقية بأطيافها من أقصى اليمن إلى أقصى اليسار .
إن هذا الانخراط لمختلف الطيف السياسي باختلافه الإيديولوجي ، في العملية السياسية ، وقبولها الجلوس على مائدة مستديرة واحدة منذ أيام مجلس الحكم ، لم يعن إن التيارات السياسية العراقية لم تعد تؤدلج العملية السياسية أو تطالب بإخضاعها لرؤاها بشكل أحادي وإنما قبلت الدخول في العملية الديمقراطية وربما إلى حين.
إن سير العملية السياسية في مختلف مفاصلها والآراء المعلنة من قبل التيارات السياسية قد تشير إلى هذا الاستنتاج ، ولكن دون نسيان الدور الأمريكي في فرض شروط هذه اللعبة ، وهو اللاعب الرئيسي في كل العملية السياسية العراقية ، حتى وان لعب من خلف الستار منذ تسليم القليل من مفاتيح السيادة للعراقيين في تموز 2004 ، ومع ذلك فأن بعض التيارات السياسية تحاول الالتفاف على الشروط الأمريكية وتدفع باتجاه هيمنة الايدولوجيا في رسم مستقبل العراق متناسية إن شعار الديمقراطية المعلن من كافة التيارات السياسية لايتحقق الابتنافس وصراع البرامج ، لا صراع الإيديولوجيات ، وأخذت بعض التيارات تعزف على وتر الثوابت الوطنية أو الإسلامية .
إن تعبير الثوابت يراد به ادلجة اللعبة السياسية ونقض أسس الديمقراطية ، حتى وان بدى ، إن لتلك الثوابت ما يسندها على ارض الواقع مثل إن الغالبية المطلقة من الشعب العراقي مسلمون وبالتالي فأن هوية العراق هي إسلامية ، مما يبرر ادلجة الدستور في محاولة التيارات الإسلامية فرض قاعدة دستورية تنص على إن الإسلام المصدر الوحيد للتشريع دون النظر إلى إن هناك فوارق بين فقه العبادات الثابت وبين فقه المعاملات الخاضع للمتغيرات والاجتهادات والذي يدخل في بابه مساءلة الحكم والتشريع القانوني للدولة ، وهناك فوارق بين مسلمي العراق من ناحية المذهب أو الانتماء ات السياسية التي تتوزع بين اللبرالية والماركسية أو غيرها التي لاتؤمن باسلمة الدولة ، وغاب عن الذين يرغبون بفرض هذا النص والذين يعتقدون أو يروجون انه ضمانة للحفاظ على الإسلام ، إن الدولة لم تصنع الإسلام ، بل إن الإسلام هو من صنع دولة ، وعملياً فأن الدولة لم تضيف إلى العقيدة الإسلامية شيئاً ، بل على العكس إن الحكام الذين حكموا باسم الإسلام منذ الدولة الأموية ( إذا استثنينا ً الصراعات السياسية التي عصفت باستقرار الخلافة الراشدة ) قد أساءوا للإسلام كعقيدة وسماحة ورحمة واستخدموا الإسلام متراساً لحماية كراسيهم .
وهناك مسائل أخرى رفعت عند البعض إلى مستوى التنزيل الثابت غير القابل للتأويل المرن ، مثل قضية عروبة العراق التي أصبحت وكأنها مرهونة بنص دستوري ، وغاب عن الراغبين بهذا النص ، إن ثمانية قرون من الغزوات المتتابعة للعراق ، بدءاً بالمغول ومروراً بالعثمانيين وانتهاءً بالانكليز لم تستطيع تمحي عروبة العراق ، ولم يكن هناك نصاً دستورياً يحفظ هذه العروبة الا الانتماء الصميم لعرب هذه الأرض
إن التزمت الإيديولوجي ، جعل الأطراف السياسية العراقية تتمترس خلف أستارها العازلة وتشحذ أسلحة المقاومة والهجوم ، وأصبح كل من يقف خارج خندق الايديلوجية هدفاً للتشكيك ، وكانت فترة صياغة الدستور مثالاً على معارك الاتهام ، وحتى من يمارس اللعبة بدبلوماسية كان يتخلى عنها عند نقطة معينة يصبح فيها الاتهام اكبر من كياسة الدبلوماسية ومحددات اللياقة .
إن معركة مراجعة الدستور ، مثلا، إذا ما تواصلت بأسلحة الثوابت والادلجة بين الأطراف الرئيسيين الثلاث ، وإذا ما استمر التشكيك بوطنية الداعيين إلى الفدرالية ، وإذا استمر تجاهل مخاوف الرافضين لها ، ولم يتم التوصل إلى منطقة وسط تعطي ضمانة للذين يتصرفون بالمستقبل تحت تأثير تجارب الماضي وخشية العودة إلى النظم المركزية وسوء إدارتها وبطشها ، وفي عين الوقت تعطي ضمانة للذين يودون استنساخ الماضي تحت تأثير الخوف من التقسيم ، بغير ذلك فأن العملية السياسية إذا لم يتم تعديل الدستور بنظرة عملية وواقعية، لن تكون فقط حلقة إضافية ودوران في الفراغ لايحتمله الوضع العراقي ، ولكن ستكون أبواب المجهول مشرعة على احتمالات لايمكن لأي اللاعبين حساب انعكاساتها .
ويبقى التنازل والمرونة وخفض سقف المطالب والتحرر من قيود الايدولوجيا ضمانة لسير اسلم للعملية السياسية فهو و لوجاً أفضل في السياقات الديمقراطية . وربما عندها يصبح جميع المتنازلين من علياء الايديلوجية والثوابت المتكلسة رابحين في عراق اقل توتراً .