تجربتي مع الأيديولوجيات الدينية ( 4 ) الأخيرة

محمود كرم
2007 / 9 / 13

عندما يصل الإنسان إلى مرحلة النضج في حياته ويمتليء به من كل جانب ، ربما وعلى الأغلب الأعم سيقطع تدريجياً أية صلة تربطه بالماضويات التراثية المهيمنة في صورها ونصوصها وأعرافها وصياغاتها وأشكالها وتداعياتها وتراكماتها الاستبدادية والاستلابية والقهرية والسلطوية سواء أكانت ماضويات دينية أم غير دينية ، ويضيق عليه هذا الماضي باتجاهاته المعرفية وتموت فيه تالياً رغبة الخضوع لموروثاته الماضوية تلك ، لأنه ربما قد وصل إلى محطة مفصلية في حياته ، وهي محطة النضج ، ويجد أنه ليس بحاجة إلى الماضويات وموروثاتها المهيمنة لكي ترشده إلى كيفية صياغة قراره ورأيه وحريته وحياته المعاصرة ، وأيضاً لا يجد فيها ضوءاً يرشده إلى اختيار نوعية الطريقة التي يريد أن ينتهجها في حياته ، ويجد في مقابل ذلك أنه واقع أمام خيار يصنعه بنفسه ويراه ربما جميلاً ورشيقاً وممتعاً ، وهو خيار الاسترشاد بنضجه الفكري والحياتي ، واستنطاقه ذاتياً لجمالياته الداخلية التي تراكمت عبر تجاربه الوجودية مع الحياة والأفكار والتصورات ونتاجات الفكر الإنساني الرحب المناهض لعقلية التسلط والهيمنة والوصاية ، ولذلك مَن يصل إلى هذه المرحلة في حياته لا يبحث عن خلاصه وعن حقيقته في اقتراف أية تجربةٍ أخرى بديلة عن التي خرج منها وتمرد عليها ، إلا التي يصنعها بنفسه ونضجه ويجدها خياراً جميلاً باختياره الذاتي الحر ، ويتماهى معها تفكيرياً وعقلياً وحياتياً ، فلم يعد لديه أي استعداد في أن يبقى رهيناً لموروثاته الماضوية ذات المكونات التسلطية ، ولم تعد تغريه محاولة الدخول في تجربةٍ أخرى قد يجدها هنا أو هناك ، لأنه يرى أن العمر بعد نقطة النضج يجب أن يكتفي بالمسافة التي سيقطعها بناءً على تجربته الخاصة ، وبناءً على نضجه واجتراحاته لخياراته الذاتية ..

وأعتقد كثيراً أن أولئك الذين تمردوا في مرحلة ما من حياتهم على الأيديولوجيات الدينية قد استرشدوا في نهاية المطاف بنضجهم الحياتي ، ووجدوا أن تلك الأيديولوجيات قد ضاقت عليهم ، وفقدت معها بريقها في أن تكون تجربة حقيقية تستطيع أن تلبي اشتراطاتهم وشروطهم في مرحلة النضج ، لأنها في أغلبها أيديولوجيات تستحضر شرعيتها ومشروعيتها من الماضويات المهيمنة وتحاول أن تقحمها في الحياة المعاصرة بشكل قسري ، ولذلك تعمل الأيديولوجيات الدينية على التهميش المتعمد للثقافات والمعرفيات التي تقع خارج سياق الفكر الديني ، وخارج سياق تراثياته النصوصية الماضوية ، وتمنع عن أفرداها التفكير أيضاً في أية مسألة أو في أية ظاهرة حياتية أو كونية أو في أية احتمالات فكرية إنسانية خارج أدوات المنهج الديني ، وتُرسخ هذه القناعة في أفرادها ترسيخاً عقائدياً ..

وأتذكر أني في مرحلة ما من تجربتي مع الأيديولوجيات تلك كنتُ مقتنعاً بأن أي فكر أو أية ثقافة تفتقد إلى الصبغة الدينية تعتبر ثقافة ناقصة ومعيبة وفاقدة للشرعية ولن يكتب لها النجاح ، وحتى لو كانت ذات فائدة حياتية معينة للناس ، فإنها في النهاية لن تحظى بمباركة السماء خاصةً إذا كانت من آخرين لا يدينون بدينهم ، وليس مستغرباً والحالة هذه أن تعلن الأيديولوجيات الدينية بكافة مشاربها ومذاهبها المختلفة الحرب الضروس على الاتجاهات والمفاهيم الفكرية والفلسفية والمعرفية الأخرى كالعلمانية والليبرالية مثلاً ، والكثير غيرهما من تموجات الانفتاح الفكري والفلسفي ، إلى درجة أن ارتبطت تلك المفاهيم في عقلية الديني المؤدلج وحتى في عقلية الديني العادي بالكفر والزندقة والعبث والتخريب واللوثة الجرثومية ، وعلاوةً على ذلك نجد أن مؤسسات الفكر الديني المؤدلج تمارس الإرهاب الفكري على نتاجات ومساهمات الأدباء والكتّاب والمفكرين في حقول الرواية وفي مجالات الكتابة البحثية والدراسات النقدية ، تلك التي تدعوا إلى استخدام العقل والتفكير في قضايا الفكر الديني ومحاولة اثارة التساؤلات والاستفسارات بشأنها ..

ودرجت الأيديولوجيات الدينية على تهميش الانجازات الإنسانية في مجالات الإبداع والثقافة والفلسفة والفنون والآداب الخارجة عن سياقات الفكر الديني وماضوياته التراثية ، والبعيدة عن أدواتها المنهجية التفكيرية ، بالعمل على تضخيم وتفخيم الذات الدينية في أفرادها ، بحيث أصبحت ( الأنا ) الدينية المسلمة متورمة بأفضليتها المطلقة على باقي البشر ، هذه ( الأنا ) لم تزل ترى في انجازات الآخرين الإبداعية كفراً وزندقةً وعبثاً وانحرافاً ، وهذه ( الأنا ) المتورمة بصفاء ماضوياتها التراثية ، والمتضخمة والمتوهمة بمخزون نرجسيتها المتحفية لم تزل ترى في الحداثة الفكرية اعتلالاً مرضياً وخروجاً على الفطرة السويّة وتخريباً للعقول والدين ..

وكثيراً ما كنتُ أسمع وأقرأ في تلك الأيام الغابرة لتجربتي السابقة مع الأيديولوجيات الدينية عن تشجيع الأدبيات الدينية لحرية البحث والتفكير والإبداع والرأي وتدعوا لتبني تلك المسارات ، ولكن دعوني أكون صريحاً ، فحرية الإنسان في العرف الأيديولوجي الديني يجب أن تبقى مرهونة بالطريقة التي تحددها له تلك الأيديولوجيات ، وبالطريقة التي ترسمها له ثوابتها الدينية المعروفة والمحددة سلفاً والمقولبة في أنماطها الثقافية وأطرها اليقينية ، فكل حرية في الإبداع والرأي والتفكير والبحث يجب أن ينصهر خدمةً وتفانياً واخلاصاً وعشقاً وهياماً في المصلحة الخاصة للأيديولوجيات الدينية ، ويجب أن يتوحد ويلتحم ويتماثل مع الأهداف والغايات التي تحددها له مؤسساته الدينية المؤدلجة ..

وحتى حينما ظهرت دعوات من هنا أو هناك تنادي كما هي تعتقد وترى بضرورة ( الإصلاح الديني ) سبيلاً للخروج من شرنقة الجمود والانغلاق والتكلس والتعصب الذي ينخر في تلافيف الجسد الديني المؤدلج ، إلا إنها قوبلت تلك الدعوات بالإجهاض والافتراس من قِبل الأيديولوجيات الدينية ، لأنها وجدت في تلك الدعوات انقضاضاً على ثوابتها ومرجعياتها النصيّة ، وتخريباً لأساساتها العقائدية وتطاولاً على مبادئها الثابتة وطعناً في يقينياتها المطلقة وزعزعةً لكياناتها ، ولم يكتفِ الفكر الديني المؤدلج باستباحة وتهميش الثقافات والأفكار التي تقع خارج سياقات أدبياتها الدينية ، بل أحكمت الدائرة الانغلاقية على نفسها جيداً وتزنّرت بأحزمتها الثقافية المؤدلجة منعاً لأية تدخلات تبناها البعض من أبنائها الذين أظهروا محاولات في الإصلاح الديني من داخل مؤسساتهم ، اعتقاداً منهم بأن تلك التدخلات الإصلاحية كفيلة بتقويض بنيانهم الرصين والمتين ..

فالأيديولوجيات الدينية بمختلف مذاهبها واتجاهاتها ومشاربها تحاول كل واحدةٍ منها أن تُمسرح دينها المؤدلج في مظهريات عدة وتحدده بالشكل والمضمون الذي تريد له أن يتشكل فيهما ويخرج بهما إلى الناس ، وهما الشكل والمضمون اللذين يجب أن يلتزم بهما أفرادها دائماً ، فكانَ أن أسبغت كل أيديولوجية دينية حسب هويتها ومرجعيتها المذهبية والثقافية والماضوية صفات رمزية محددة ومعينة على سلوكيات أفرادها في هيئاتهم وأشكالهم ومضامينهم ، وتجسّدت في الاختلاف الظاهر في طريقة الذقن واللباس والحجاب وأيضاً في طريقة الحديث والخطاب والدعوة ، وغيرها من المسلكيات والثقافات التي تنوعت في مظهريات شكلية وتجذرت في مضامين نمطية ومقولبة ، ولذلك تسعى كل مؤسسة دينية مؤدلجة بسبق الاصرار والتعمد إلى تعميم نموذجها الديني المظهري والمضموني على أفرادها وفي أوساطها المجتمعية ، على أنه الأنموذج الذي يمتاز بالنقاء والطهارة ويمتاز بهويته الاصطفائية واليقينية والأفضلية ..

وتأسيساً على ما سبق شددت كثيراً مؤسسات الفكر الديني المؤدلج بمختلف مشاربها ومذاهبها على سعيها المتواصل بتشكيل هوية جمعية معنية بشكل أساسي على استحضار ذاكرتها الماضوية الدينية بكل مخزوناتها المعرفية وتراثياتها ونصوصها وأدواتها وتراسلاتها التاريخية وحتى تلك التي لها علاقة وثيقة بمكوناتها الميثولوجية ، وكان من الضروري جداً بالنسبة لها أن تضع هويتها الجمعية قيد الممارسة قولاً وفعلاً ، ومظهراً ممسرحاً بمشهديات ذاكرتها الماضوية الدينية ، ومن ثمَّ منحت الأيديولوجيات الدينية هذه الهوية صفة الإلوهية ، فلم تفصل بين ما هو بشري من حيث أنه المؤسس الصانع لهذه الهوية ، وبين ما هو ( إلهي ) يجب أن تُبقيه كما يُفترض منها ، بعيداً ومنزهاً عن التشارك مع الفعل البشري الذي ينزع بحكم طبيعته نحو اقتراف الشرور والقبح والفظاعة ، ولذلك تعمد الأيديولوجيات الدينية أن تكون ناطقةً باسم ( الله ) وتعمدت إقحامه قسراً في أدبياتها ومشاريعها وأقوالها وأفعالها وشعاراتها ، وإقحامه أيضاً في صراعاتها مع الآخرين واستغلاله واحتكاره من أجل أن تبقى هويتها الجمعية بماضوياتها الدينية وتفسيراتها التراكمية وتلوناتها المسلكية متصفة دائماً بالقداسة الإلهية ، ولتبقى تبعاً لذلك مهيمنة على أفرادها بهذه القناعة المطلقة التي لا تقبل التشكيك بها أبداً ..