التيار الديني السياسي في العراق ... مسار للتوفيق أم بنية صراعية متاصلة ؟

ياسين البكري
2007 / 7 / 29

قد يبدوا التوقع النظري كافي لتحديد المسار السياسي للتنظيمات الدينية ، وتوقع ما تؤول اليه الامور في حال استلامها السلطة وتحكمها في خيوط اللعبة السياسية وامساكها مفاتيح اصدار القرار، فاذا كانت احزاب التيار الديني الاسلامي تستند الى مرجعية اسلامية واحدة تستمد منها نظرياتها ومساراتها وتشريعاتها ، ورموزها واحدة على الاقل في المستوى الاعلى الديني وليس التفريع المذهبي، اي المطلق(الله) والمرسل( محمد) والكتاب( القران)، فهل تنتج هذه التيارات خطابات سياسية توحيدية في مستوى التعامل ومستوى النظرة الى الاشكاليات المطروحة ومعالجاتها؟
من المؤكد ان الاختلاف والتناقض سمة لازمة لطبيعة الاشياء غير انه في التناقض تبرز صفة التوفيق بين المتناقضات ، وفي جانب تيارات الاسلام السياسي قد يبدو التوافق قريب المنال باعتبار المشتركات العليا او الاصول ( الله ،الرسول ،القران)، غير ان الواقع العملي يشير الى عكس ذلك، فالتأكيد بالنسبة للتيارات السياسية الاسلامية يجري دائماً باتجاه الاختلافات والكثير منها يقع في المستويات الدنيا او الفروع او ربما فروع الفروع ،مثلاً على ذلك وضع اليدين في الصلاة بين السنة والشيعة، سبلاً ام تكتيفاً،طريقة الوضوء او في بعض المسائل التفصيلية بين اتباع المذهب الواحد مثل قضية شرب الماء واقفا او قاعدا فتلمك المسألة قد تأخذ بعدا مهما لدى التيارات السياسية الدينية المتطرفة لتصل الى حد تكفير شارب الماء واقفا.
ان المزج بين الاصول والفروع في درجة الاهمية ورفع الفروع الى مستوى مغالي ينطلق من اعتقاد تتبناه كل التيارت والمذاهب الدينية الاسلامية وما يستند اليها من تيارات الاسلام السياسي وغيرها في اعتبار ان مصدر التشريعات علوي ومطلق وكامل وبالتالي فكل تيار يعتقد في نفسه انه ممثل الحقيقة المطلقة و الكمال التام، و الجانب المقابل مع انه يشترك في المصدر مع الاول الا ان القراءة والتأويل في النص والحديث وشخوص من اخذ منهم والموضوع والمدسوس وما اضيف وحذف عبر حقب التاريخ يقلل من مصداقية التيار و المذهب المقابل ، وهو ما نلاحظه في المناقشات بين اتباع المذاهب من رفع وتقديس لرموزهم وتقليل وتضعيف وتشكيك لرموز المذهب الاخر، وخير مثال على ذلك الجدل التاريخي بين السنة والشيعة على شخصيتي عمر وعلي او على مصادر نقل الحديث النبوي ومعروفة الطعون بابي هريرة او الصحاح الستة للسنة من قبل الشيعة او الطعون بالكافي ومن لم يحضره الفقيه من قبل السنة.
تلك الصورة التاريخية ليست مجرد سردا خارج عن مسارات الواقع المعاش فتلك احدى دوافع واليات تشكيل الواقع وخلق التمايز بشكل شعوري او لا شعوري، والتعصب لها حاضر عند كل مناقشة تدخل بين اتباع المذاهب ، ومن هنا فان المذاهب تعتمد على التمايز والاختلاف في تشخيص وجودها ومنطقها وتأثيرها، واذا اضفنا البعد السياسي الذي يؤكد على التمايز والاختلاف كاحدى ضروروات التمايز والاختلاف في تشخيص وجودها ومنطقها وتأثيرها، اصبح لدينا بعدين للفرقة والنفور في تيارات الاسلام السياسي، البعد المذهبي في حمولاته التاريخية والبعد السياسي بمضمونه الصراعي والسلطوي ، ذلك البعد المركب بين المذهبي والسياسي احد الاسباب الكامنة في الصراع الطائفي الجاري في العراق اليوم بين السنة والشيعة ، من هنا يبدو العامل الخارجي ( الاحتلال والتدخل الاقليمي) عامل طارئ محرك وليس صانع لهذه الطائفية المتاصلة، وهنا قد يعترض معترض بالتعايش الاجتماعي بين السنة والشيعة عبر قرون ، وتلك حقيقة فالمستوى الاجتماعي خارج هذه المعادلة الصراعية في حالات الاستقرار، فالاوليات هنا وبالنسبة للانسان البسيط تميل لتوفير المستلزمات المعيشة ومتطلبات الاجتماع الانساني حتى بين المختلفين مذهبياً، غير انه في حالة عدم الاستقرار وانعدام الامان يدخل متغير اخر على المعادلة الاجتماعية المستقرة والمتوازنة والمتعايشة وهنا يبرز العامل السياسي في كونه منظم جديد للاوليات التي تميل الى تحقيق الامن في ظل غياب الدولة عبر الاندماج في التنظيمات الاولية من عشائرية او مذهبية او مناطقية ، وتغيير الاوليات يربك التقييم العقلاني والمنطقي للاشياء حتى البديهية منها مثل التعايش والتزاوج بين المذاهب و العشائر وتبرز بدل من التلاحم الاجتماعي الافقي الواسع التكتل الاجتماعي العمودي الضيق، وتتقدم غريزة القطيع الجمعي على التقييم العقلاني الفردي وهو ما يبرر العدائية والكراهية والانقسام على اساس طائفي وتلك المعادلة وما طرأ عليهامن طارئ غير الاولويات بانعدام الامن وطول الفترة الزمنيةللانسحاق السياسي والاقتصادي والاجتماعي مع رواسب من الحقبة السابقة هي ما جرى في العراق ،ما ادى الى ظاهرة التطهير الطائفي للاحياء والمناطق في بغداد المعروفة بالتداخل المذهبي بين السنة والشيعة والتي اصبحت نتيجة للتهجير احياء ذات مذهب واحد سني او شيعي ومصائد للافراد المغايرين مذهبياً ، فحكم الاعدام وقطع الرؤوس جاهز بحجة الجاسوسية وغيرها مع ان لا وجود لاسرار في بغداد مفتوحة على الموت والدمار ، وفي مرحلة لاحقة بدئنا نشاهد قصف الاحياء المتبادل مثلا بين الاعظمية والكاظمية وبدئنا نشاهد الاحتفالات بتحرير الاحياء من النواصب او الروافض، وهناك مرحلة اخرى لاحقة للتزمت والتعصب الطائفي للاسلام السياسي في العراق تتمثل في الاختلاف والتباعد والتسقيط والتكفير والتقتيل المتبادل بين ابناء المذهب الواحد كمثال الصراع بين التيار الصدري والمجلس الاعلى عن الجانب الشيعي، والصراع بين القاعدة والجيش الاسلامي عن الجانب السني كنتيجة منطقية لمسار هذه التيارات الذي يدخل فيها التمايز والاختلاف في تشخيص وجودها ومنطقها كاحدى الضرورات الازمة ، فالصراع القادم اذا ما بقيت الاوضاع دون تحسن صراعا سنيا سنيا وشيعيا شيعيا مفتوحا، وبالتالي تقسيم المقسم وتجزيء المجزئ وعندها يكون الصراع مفتوحاً على اقصاه، وربما في ذلك الصراع يكون الحل للوضع العراقي بعد ان فشلت مؤتمرات التوفيق والمصالحة في مكة او الجامعة العربية في خلق التوافق على المشتركات الغائبة عن ذهنية تيارات الاسلام السياسي التي تعتمد على منهج العزل والتمايز ورفع الانا وتسقيط او تكفير الاخر ، وما يرجح ان الحل في فتح الصراع الى المدى الاقصى هو انه طالما بقي يقين لدى الاطراف انها تمتلك الحقيقة المطلقة والحل في المجال الفكري ، وطالما بقي يقين لدى الاطراف انها تملك القوة في المجال العملي وانها قادرة على حسم الصراع بكامله لصالحها في معادلة صفرية يحوز فيها احد الاطراف النصر كله ويعطي الخصم الخسارة كلها ، ويتجلى هذا اليقين في تصريحات بعض التيارات التي تصر على انسحاب قوات الاحتلال وتعتقد بغيابها انها قادرة على فرض سيطرتها الكاملة وقمع المقابل. .